نسبة الألفاظ للمعاني
بسم الله الرحمن الرحيم
(فصل) نسبة الألفاظ للمعاني
اللفظ إما واحد أوْ أكثر. وعلى كل فالمعنى إما واحد أو أكثر. فالأقسام أربعة:
الأول اللفظ الواحد الدال على معنى واحد،.
أي أن جميع مصاديقه متفقة الحقيقة.
ويسمى كلياً متواطئاً.
والثاني اللفظ الواحد الدال على أكثر من معنى.
أي أن له مصاديق متعددة مختلفة في الحقيقة.
ويدعى كلياً مشتركاً بصيغة اسم الفاعل جرياً مع باقي الصيغ في هذا الباب. كما نبه عليه شيخنا السعيد، أسعد الله بمحياه الخلائق.
وإن تكثر اللفظ ودل الجميع على معنى واحد (تأمل) سمي اللفظ مترادفاً وكذا إخوته، أي أن مصاديق الأول هي عينها مصاديق الثاني، وهكذا.
وإن تكثر اللفظ والمعنى فهذان كليان متباينان أو متخالفان. لأن لكل منهما لفظاً خاصاً به ومعنى خاصاً به. فلكل من المتباينات مصاديق تختلف عن مصاديق الآخر.
ومثال المتواطئ إنسان في دلالته بالتواطي أي الاتفاق على كل فرد من أفراده.
ثم المتواطئ إن اختلف معناه في أفراده بالشدة والضعف كالسواد والبياض وسائر الألوان -إذ هي درجات متفاوتة في الشدة- سمي كلياً مشككاً أي زيادة على كونه كلياً متواطئاً يسمى مشككاً.
ومثال المشترك (عين) فإنها تطلق إطلاقاً حقيقياً لتدل على عدة معانٍ مختلفة في الحقيقة، ويتعين المعنى المراد منها بحسب سياق الكلام، مثل العين الباصرة أي التي في رأس بعض الحيوان، والجارية أي عين الماء، والعين المضيئة أي عين الشمس، وغيرها. فابحث عن معانيها الحقيقية فإن من الأعيان نفائس أفنيت في كنزها الأعمار وأشعلت من أجلها الحروب الدوارس، وكذا من العيون خسائس، وغيرها لن تمسها النار من فضل الله لما أنها على الدين حارس.
وتقييدي المشترك بالإطلاق الحقيقي لأتحرز عن الإطلاق المجازي. لكون المشترك من الأول لا الثاني.
وإن وقع اللفظ وساغ تقديره مشتركاً ومجازاً فالمجاز أولى من الاشتراك. وعلامة الحقيقة التبادر عند أهل اللغة وعلمائها وإن كانوا أعاجم الأصل، لا عند أمثالنا. فافهم.
فصل (في تحقيق الفرق بين الكلي والكل)
اعلم أن الكلي مفهوم لا يمتنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كحيوان، سواء استحال وجود شيء من أفراده في الخارج كاجتماع الضدين في محل واحد، أو جاز ولم يوجد كجبل من ذهب، أو وجد منه فرد واحد مع إمكان غيره كشمس مجموعتنا الشمسية، أو وجد منه فرد واحد مع استحالة غيره كواجب الوجود سبحانه، أو كان كثيراً متناهياً كالإنسان، أو كثيراً غير متناهٍ كالعدد.
والكل يمتنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، بمعنى أنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً على كثيرين، وسواء وجد في الخارج أو في الذهن فإنه لا بد أن يكون متناهي الأجزاء.
والكل يتقوم بأجزائه ولا يحمل عليها كطاولتي تتقوم بسطحها وأرجلها ولا يجوز أن يقول عن رجلها طاولة، بخلاف الكلي فإنه يحمل على جزئياته ولا يتقوم بها كالإنسان يقال زيد إنسان وعمرو إنسان ولا يقال يتقوم الإنسان بعمرو وبكر وزيد و... إلخ، والكل قابل للوجود في الخارج، ولا شيء من الكلي بموجود في الخارج من حيث هو كليّ.
وأجزاء الكل متناهية وجوباً لما أن مجموع المحدود والمعدود والمتناهي محدود ومعدود ومتناهٍ.
وجزئيات الكلي غير متناهية لا ذهناً ولا خارجاً لا دفعةً. فإن الذهن لا يتصور غير المتناهي على التفصيل دفعة، ولا يوجد غير المتناهي في الوجود دفعة، بل على التعاقب. فتدبر مثال نعيم أهل الجنة في الدرس الرابع.
ونبه الإمام الرازي رضي الله عنه في المباحث المشرقية في الفصل الخامس عشر في الفرق بين الكل والكلي، وذلك من أوجه:
الأول: أن الكل من حيث هو يكون موجوداً في الخارج.
وأما الكلي فلا وجود له إلا في الذهن.
الثاني: الكل يعد بأجزائه.
والكلي يعد بجزئياته
الثالث: الكلي يكون مقوماً للجزئي.
والكل يكون متقوماً بالجزء
الرابع: أن طبيعة الكل لا تصير هي الجزء،
أما طبيعة الكلي فإنها تصير جزئية.
مثلاً: الإنسان إذا صار هذا الإنسان.
الخامس: أن الكل لا يكون كلاً في كل جزء وحده،
والكلي يكون كلياً لكل جزء وحده لأن الإنسان يصدق على الشخص الواحد. (تنبه إلى أن قوله لكل جزء أي لكل فرد من أفراد الكلي أي لكل جزئي من جزئياته)
السادس: أن الكل أجزاؤه متناهية،
والكلي جزئياته غير متناهية
السابع: أن الكل لا بد من حضور أجزائه معه،
والكلي لا يحتاج إلى حضور جزئياته جميعاً. )
اهـ كلام الحبر العلامة إمام المسلمين فخر الدين الرازي رضي الله عنه.
وكنت قد توصلت إلى معظم هذه الفروق من تفكري في معنى الكلي والكل، وقبل أن أقف على شيء من كلام العلماء في ذلك. فلا تستهن بفكرك، وما أجمله من شعور حين تتوصل بنظرك لشيء فتراه موافقاً لأنظار العلماء، فإن ذلك مما يزيد ثقتك بنفسك، ويدلك على صحة نظرك، وبدء تمكنك من مبحثك، وأنك على منهج العلماء ماض.
وتنبه إلى أني عبرت بأعم من عبارة الإمام في الفرق بين الكل والكلي من حيث الوجود، فلم أجعل الكل من حيث هو موجوداً بل قابلاً للوجود. وأرى الكل أعم من أن يوجد أو لا يوجد. وهذا موضع دقيق فتأمله. قوله (السابع أن الكل لا بد من حضور أجزائه..) أقول: لا يشترط حضورها في الذهن عند الحكم عليه دائماً. فتأمل. قوله في السادس: (والكلي جزئياته غير متناهية) أي لا يجب تناهيها بل ولا وجود شيء من المصاديق كما بيناه.
وبهذا الكلام، وبما أجبت به الأخ سعد في ملحق الدرس الرابع نكون قد حققنا لك الفرق بين الكل والكلي، فطالعهما وتأمل قدر ما شئت، فإن وقع لك غموض في معنى شيء من هذا الكلام فاسأل، أقدرنا الله على إجابتك.
واعلم أخيراً أني سأنبه في باب القضايا على الفرق بين الحكم في قضية الكل والقضية الكلية. فإن المحكوم عليه قد يفيد المجموع من حيث هو مجموع، كقولنا (بنو تميم أقوياء) و(المقدسيون كرماء) و(أهل الأزهر علماء) فيكون الحكم واقعاً على الكل أي المجموع من حيث ما هو مجموع. وستعرف هنالك أن الحكم على المجموع لا يستلزم ثبوت الحكم لكل فرد فرد من أفراده. بل القدر المقطوع به من هذه القضية هو ثبوت الحكم للبعض وإن جاز كونه ثابتاً للكل، أي أن بعض المذكورين أقوياء، وكرماء، وعلماء. بخلاف إثبات الحكم للمحكوم عليه بواسطة السور الكلي، كقولنا: (كل مقدسي كريم) فهذه القضية تسمى كلية، وهي تثبت الحكم لكل فرد من المقادسة، ويثبت خطؤها بالتمثيل بواحد بخيل منهم. فتنبه.
وسنزيد المقام بياناً عند الكلام في القضايا إن شاء الله تعالى، ونتناول فوائد لغوية ومنطقية عزيزة هنالك. فانتظره.
وإذا حققت الفرق بين الكل والكلي لم يبق الكثير ليقال في الفرق بين الجزء والجزئي. لأن الجزئي هو واحد من مصاديق الكلي أي فرد من أفراده وإذا كان في ذاته مركباً صار كلاً لأجزائه كزيد فهي مصداق أو جزئي إنسان، وهو كلٌ باعتبار أنه مركب من أجزاء، ولا يكون معنى الجزئي صادقاً على كثيرين، ولذلك لا يكون الكل كلياً بل يجب أن يكون جزئياً دائماً.
والجزء هو ما تقوم منه ومن غيره بالهيئة الاجتماعية كل. والكل قد ينظر إليه فقط من حيث إنه مجموع الأجزاء، وقد ينظر إليه من حيث ما هو مجموعة من الأجزاء بينها نسب معينة، وقد ينظر إليه نظرة أخص من ذلك وهو كونه مجموعة من الأجزاء ذات نسب معينة بينها، تقتضي له تلك النسب كيفية معينة. والأحكام على الكل تبعاً لذلك قد تكون باعتبار واحد من هذه الاعتبارات. فتنبه.
وأريدك أن تتأمل هل يجوز أن يطلق لفظ الكل أو الكلي أو الجزء أو الجزئي على الله سبحانه وتعالى أم لا؟ وإن جاز إطلاق أي من هذه المصطلحات عليه تعالى، فعلى أي معنى يصح هذا الإطلاق، وعلى أي معنى لا يصح؟ وهل هنالك ضوابط أخرى غير صحة المعنى تقيدنا في إطلاق هذه الألفاظ وغيرها على الإله سبحانه؟
وأريد من الإخوة المتابعين للدرس من المبتدئين أن يراجعوا كل ما فات حتى الآن ويتأكدوا من أنهم فهموه جيداً، وإذا بقي لهم أي سؤال فليسألوه. وسيكون الدرس القادم في مقاصد التصورات (المعرفات) طويلاً ومفصلاً، وسنحتاج لفهمه كثيراً مما مضى. وسيأتيكم قريباً جداً.
والحمد لله رب العالمين.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين