بسم الله الرحمن الرحيم
[المعرِّفات]
إن تعريف الأشياء مهم جداً في كل علم من العلوم، لأنه يفيدنا تصورها، المحتاج إليه في الحكم عليها، وتصحيح أو تخطئة الأحكام الواردة عليها وبالتالي قبولها أو ردها.
ولذلك تجد كثيراً من الكتب تبدأ بتعريف الأمر المراد بحثه، قبل الدخول في أحكامه وأي تفاصيل تتعلق به. لأنه ما لم يكن ذلك الأمر واضحاً ومتصوراً ولو من بعض جهاته.
فلا يمكن أن تكون القضايا الوارد فيها ذكره مفهومة، ولا يمكن التصديق بتلك القضايا أو تكذيبها.
كما لا يمكن للقارئ أن يفكر في حيثيات ذلك الأمر أو أن يحكم عليه بأي حكم نفياً كان إثباتاً.
وإذا وقع منه الحكم عليه فلا يأمن أن يكون صحيحاً أو خاطئاً، لأنه يكون بذلك مجرد مجازف غير متحقق ولا مقتنع بما يقول. كالطالب في امتحان اللغة الإنكليزية يأتيه سؤال عليه أن يختار له جواباً واحداً من عدة إجابات، وحين يقرأ السؤال لا يفهم منه شيئاً فيحتار، لا لتساوي المحتملات عنده، بل لعدم تصوره أي معنى للسؤال، فيختار واحدة من الإجابات بالحادي بادي، أو بالاختيار العشوائي دون ترجيح للجواب عن علم أو ظن. فهذا لا يعرف نفسه أأخطأ أم أصاب.
وقد قلنا:
إن العلم ينقسم إلى: تصور وإلى تصديق. ولكل منهما مباد ومقاصد. فمبادي التصورات هي الكليات الخمس التي درستها. وها نحن الآن شارعون في بحث مقاصد التصورات وهي الأقوال الشارحة او المعرّفات.
فإحدى الطرق التي تفيدنا التصور هو التعريف، وهي الطريق المعتبرة في الكتابة والقراءة والمباحثات فيما لا قبل للضرورة بإفادته.
فعلى طالب العلم أن يتمكن منها، ليعلم إذا عرض عليه تعريف هل هو صحيح أم لا.
وإذا كان في التعريف شيء فكيف يصححه، أي أنه عند التمكن من قواعد التعريف، وشروط صحته، وما يجوز في التعريف وما لا يجوز ذكره،
فإنه يكون قادراً على نقد الحدود وتصحيحها، وكذا يكون قادراً على تعريف الأشياء التي يتكلم عليها.
وأما ما يفيدنا التصديق النظري فسنأتي إليه في أبواب القياس.
والمعرِّف يفيدنا تصور المعرَّف بذكر صفاته الذاتية أو خواصه أو لوازمه، بحيث يقربنا من المطلوب تصوره شيئاً فشيئاً حتى نقتنصه ونتصوره، ويدخل فيه كل فرد من أفراد المعرَّف إذا كان له أفراد، ويخرج عنه كل ما سواه. وبحيث يؤدي إلى استحضار صورة ما للمعرَّف أو تمام ماهيته إلى الذهن بواسطة ذكر الصفات الذاتية له، أو بذكر لوازمه وخصائصه.
فأنت إذا أردت أن تعرف الإنسان، فقلت إنه حيوان فقط. فإن هذا القدر لا يكفي، نعم هو يقربك من الإنسان بإخراجه ما ليس بحيوان من الجمادات وغيرها من الحقائق، ولكنك تلاحظ أنه يستدعي مع الإنسان حقايق كثيرة أخرى كالفرس والأسد وباقي أنواع الحيوان. ولكنك إذا أضفت قيداً آخر كالناطق، فإنك تمنع بهذا القيد غير الإنسان من الدخول في تعريفك.
فلفظ الحيوان جمعت به كل إنسان مع غيره من أنواع الحيوان، ولفظ ناطق أخرجت به كل ما عدا الإنسان من الحيوان. فأفادك الحيوان الذي هو الجنس القريب للإنسان جمع أفراده، وأفادك الناطق الذي هو فصل الإنسان منع أفراد غير الإنسان من الدخول فيه.
واعلم أن الأمرين إذا اشتركا في جنس فلا بد أن ينفصل كل منهما عن الآخر بفصل إذا لم يكونا من نوع واحد، وإذا كانا من نفس النوع فقد اشتركا في الماهية أي في أمرين ذاتيين هما الجنس والفصل، وهنا لا يتميزان إلا بالعوارض، فافهم.
وهذا التعريف الذي بالجنس القريب والفصل القريب، يسمى الحد التام. وهو أكمل المعرِّفات. لكونه يقتنص كل فرد من أفراد المعرَّف فيجمعها دفعة ويستكنه الحقيقة الواحدة في الجميع بأقرب عبارة، وأدل لفظ، لكونه يتناول صفتين ذاتيين للمعرّف الأولى تجمع أفراده ولو مع أفراد غيره، والثانية تميزهم عن غيرهم تمييزاً لا يقع معه اختلاط بغيرهم أبداً، فيحصل في الذهن تصور تام لماهية المعرّف لأن الحد التام ذكر تمام ما تركبت منه تلك الماهية.
واعلم أن الحد في اللغة المنع.
وفي الشرع :عقوبة مقدرة وجبت حقاً لله تعالى على من يأتي بمنهي عنه معين.
وفي الاصطلاح: قول يشتمل على ما به الاشتراك وعلى ما به الامتياز وهما الجنس والفصل على ما بيناه.
ثم التعريف بالجنس البعيد والفصل القريب، أو بالفصل القريب وحده يسمى حداً ناقصاً. كتعريف الإنسان بالجسم الناطق. فهو لم يأت بأقرب الأجناس من الإنسان، واختار منها ما يتميز بالناطقية، أي اختار الناطقين مما هو أعم من الحيوان كالجسم، فلا يؤمن أن يوجد جسم ناطق ليس بحيوان.
فلا يكون المنع ههنا بالفصل القريب قد أحكم، لأن المانع حمل على ما هو أعم من الحيوان، وهو الجسم المتناول للإنسان والحيوان عموماً ولغيره مما ليس بحيوان.
والكلام نفسه يجري في الحد الناقص بالفصل القريب وحده. كتعريف الإنسان بالناطق فقط. وهو أخص خصائص الإنسان، أي أهم مميزاته.
ولكن هذا التعريف وإن كان قد جمع أفراد بني الإنسان، إلا أنه لم يمنع الناطقين من غير الإنسان من الدخول فيهم، كالجانّ مثلاً فإنه ناطق قطعاً.
ويحسن استخدامه في سياقات لا يتبادر عند إطلاقه غيره. كأن يكون كلامنا في الإنسان فيعرّف بالناطق فلا يلتبس بغيره.
واعلم أنه إذا أطلق الحد دون تقييد بالناقص فالمقصود هو الحد التام.
ثم الرسم التام هو التعريف بالجنس القريب والخاصة: كتعريف الإنسان بالحيوان الكاتب، أو الحيوان الضاحك.
وهو تعريف جيد كما ترى، ولكنه لما لم يذكر فيه جزء الماهية وأخص صفاتها الكلية الذاتية، وهو الناطق، فإنه لم يكن في كماله كالحد.
والرسم الناقص هو التعريف بالجنس البعيد والخاصة: كتعريف الإنسان بالجسم الضاحك، أو بالخاصة فقط كتعريفه بالضاحك.
ثم التعريف الخامس وهو تقريب معنى اللفظ بذكر رديف له يكون أشهر من المعرَّف. كقولك: الغضنفر أسد.
واعلم أنه كما يكون التعريف للكليات فإنه يقع كذلك للجزئيات. ولكن كما نبهنا عليه، فإنك تحتاج في تعريف الجزئي من حيث هو كذلك إلى أكثر من ذكر أجزاء ماهيته، بل قد لا تحتاج إلى التعرض لحقيقته إن كانت معلومة. أي أنك تحتاج في تحديده إلى ذكر بعض أهم مشخصاته التي يتميز بها عن غيره من أفراد نوعه.
كما إذا أردت التعريف بالإمام الغزالي مثلاً، فإنه لا يكفي أن تقول إنه حيوان ناطق، بل كونه كذلك من المعلوم بالضرورة، ولا تجد السائل يسأل عنه بما هو الغزالي لتجيب بذكر نوعه، بل تجد يسأل عنه بمن هو؟
إذ لا يفيد هذا القدر مع صدقه عليه تعريفاً به. وكذا لو قلت إنه عالم فقط، فإنه وإن يكن قد قرب إلى الذهن صورة إنسان ذكَرٍ عالم إلا أنه لا يكفي لتمييزه عن غيره إذ في تاريخنا منهم الكثير، فإذا زدت قائلاً إنه عاش بين 450 هـ و505 هـ، وولد بخراسان، وأبوه محمد بن محمد بن أحمد الطوسي. ولازم إمام الحرمين الجويني حتى مات الإمام رحمه الله، ودرّس في النظامية، ومات بطوس في الخامسة والخمسين من عمره، بعد أن طبق بشهرته الآفاق، كمتكلم وأصولي، وفقيه، ومتصوف متجرد زاهد، وأورث كتباً جليلة في علوم كثيرة. وحارب الحشو والتجسيم والفلاسفة. وانتصر للدين وبقي منقطعاً للعبادة والتدريس في آخر عمره حتى أتاه اليقين، ولقب بحجة الإسلام.
فإنك تلاحظ أنه كلما زدت في توصيفه وذكر العوارض المشخصة له ازداد العلم به أي صار تصوره أتم عند السامع.
وههنا إذا أردت الاختصار يمكنك أن تقتصر على القدر الذي تتأكد معه أنه لن يشترك فيه مع غيره كتمام اسمه ولقبه ومولده ووفاته وبلده.
فإن هذه يبعد أن تتطابق مع آخرين غيره. فإذا تميز عن غيره كان كل ما تزيده فضلة، ولكنها كما ترى تزيد العلم به بما يوسع نطاق الحكم عليه، ونقد الأحكام المتواردة عليه كشخص أو كعالم بكل ما يميزه ويمثله.
فلا يمكن مع هذه القدر اليسير المذكور هنا عنه رحمه الله أن نصحح أو نخطئ مثلاً أنه هل يقول بالكشف مصدراً للمعارف اليقينية عوضاً عن العقل والحس لأنهما لا ينضبطان دائماً، كما ينسبه له بعض الجهال، أو أنه هل يعتقد بوحدة الوجود أوْ لا. فإن قبول أو رد هذه الأحكام يحتاج إلى مزيد تصور لأقواله، بدراسة كتبه وتحقيقها وتتبع سيرته وآثاره. فإذا وجد في كتبه وحياته من الوقائع ما يفيد القطع بصحة هذه الأحكام قلنا إن ما نسب إليه صحيح، وإلا فليرد.
وقد علمت حتى اللحظة أن الشيء إن لم يكن تصوره حاصلاً بالاضطرار، فلا بد للحكم عليه من تعريفه ليحصل لنا تصوره.
وعليه فالمعرِّف هو ما يستلزم تصوره اكتساب تصور الشيء بتمام حقيقته أو بعضها، أو بامتيازه عن كل ما عداه.
وأن ما يفيد تصور حقيقة الشيء هو الحد التام دون ما عداه من المعرِّفات. وغيره لا يستلزم تصوره تصور حقيقة الشيء، بل يستلزم امتيازه عن غيره، بما يتضمنه التعريف من الخصائص أو اللواحق المشخصة.
وشروط كل واحد من هذه المعرِّفات الخمسة المذكورة هو:
أن يكون جامعاً أي يدخل فيه جميع أفراد المعرَّف.
ومانعاً أي يمنع أفراد غير المعرف من الدخول فيه، والجمع والمنع يسميان أيضاً بالاطراد والانعكاس أو الطرد والعكس.
وكثيراً ما يورد على المعرفات من هاتين الجهتين، فترى في بعض الكتب قولهم وعرفوا كذا بكذا وكذا، ويرد على طرده كذا، أو يرد على عكسه كذا، أو يعترض عليه بقولهم ولا يطرد، أو لا ينعكس، فتنبه لهذه المعاني.
ثم يشترط في المعرِّف أن يكون أظهر من المعرَّف. فلا يجوز إذا سألك الصغير ما الأسد أن تقول له الهزبر أو الغضنفر أو الليث فإن تصورها كما ترى أبعد من تصور الأسد. ويقدح في التعريفات أيضاً من هذه الجهة إذا تضمن التعريف ما يزيد المعرَّف بعداً. ومما يقال في ذلك هذا تعريف بالأخفى. فافهم العبارة.
وكما لا يجوز أن يكون التعريف أخفى من المعرَّف فلا يصح أن يكون مساوياً له في الظهور والخفاء، لأنه عندها يبقيه في نفس المكان، أي نفس الدرجة من الخفاء، فلا يفيد تقريبه، ولا يتحقق المقصود من التعريف. فهل لأحدكم أن يمثل لنا على التعريف بالمساوي؟
ثم اعلم أن من شروط التعريف أيضاً عدم جواز استخدام الألفاظ المجازية فيه أو الألفاظ المشتركة بلا قرينة تحدد المقصود منها.
وكذا لا يجوز أن يتضمن التعريف ما يتوقف معرفته على معرفة المعرّف.
ولا يجوز أن تدخل الأحكام في الحدود خاصة دون الرسوم.
وكذلك أو التي للتشكيك والترديد دون التي لبيان انقسام المعرَّف إلى قسمين أو أقسام.
فهذا تمام باب التصورات في علم المنطق على سبيل الاختصار والاقتصار والتسهيل والمسامحة في العبارات. وسيكون الدرس القادم إن شاء الله في تطبيقات مفيدة على ما مضى دراسته، وسنورد مجموعة من التعريفات ونناقشها وننقدها، ونحاول أن نصحح ما احتوته من أخطاء، تدريباً لأنفسنا وأنفسكم على اكتساب هذه الملكة.
والحمد لله رب العالمين.





رد مع اقتباس