بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ سعد المحترم،
السلام عليكم
سؤالك الأول:
الدلالة اللفظية الوضعية هل تشمل كل ما وضعه أصحاب كل فن؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا يؤدي ذلك إلى التداخل واشتباك الدلالات وعدم الوضوح؟
الجواب: نعم ما تواضع عليه أصحاب كل فن من المصطلح فدلالته على المعنى الذي وضعوه بإزاء كل لفظ دلالة لفظية دالة بالوضع على ذلك المعنى، أي أن الدلالة فيها من باب الدلالة الوضعية. ثم نعم إن ذلك يؤدي أحياناً إلى عدم وضوح المعنى، أو الفهم الخاطئ لما يذكر حين لا يلاحظ المذكور عنده أن للذاكر اصطلاحاً خاصاً في ذلك اللفظ. وهذا كثيراً ما يقع بين المتباحثين، ولكن الفطن يتنبه له فوراً، فحين يستعمل الكاتب أو المتكلم لفظاً في غير المعنى الذي تعرفه لها من اللغة أو اصطلاح المناطقة والمتكلمين فانظر في كتابه إن كان قد وضع مسرداً بمصطلحاته، أو إن كان عرف هذا المصطلح في ثنايا الكتاب، أو اسأله ماذا يعني بهذا المصطلح، أو لعلك تعرف إلى أي مذهب أو طائفة من المفكرين ينتمي هذا الكاتب فترجع إلى كتب مصطلح قومه. وهذه قضية دقيقة ومهمة، والأصل أن يمشي الكتاب والمتباحثون على اصطلاحات موحدة بينهم، فإذا كان الواحد يستخدم مصطلحاً خاصاً به غير مشهور فعليه أن ينبه عليه. وقد اعتنى العلماء بهذا الأمر كثيراً فألفوا كتب التعريفات والحدود والمصطلحات في العلوم التي اشتغلوا بها، وذلك لكي يفهم الناس كلامهم إذا اطلعوا عليه على المعنى الذي أرادوه هم لا المعنى الذي يعرفه أو يتوهمه المطلع على كلامهم. ولعل المتأمل يعرف بأنه لا يمكن أن يتفاهم اثنان بالألفاظ إلا إذا عرف كل منهما ما يعنيه الآخر بألفاظه. وهذا يعرفه من يتحدث مع أهل النظر، فحين يتبادلان أول الكلام يلاحظ كل منهما أن الآخر يوافقه أو يخالفه في بعض المصطلحات، وعندها كلما اشتبه عليه أمر سأل الآخر ما الذي يعنيه بقوله كذا. ثم ينظر في كلامه بناء على أنه يقصد ذلك المعنى، ثم يصدر الحكم على قضاياه بعد تصوره لمعاني ما تركبت منه من مفردات ونسب.
وقد نبهنا شيخنا سعيد فودة في بعض دروسه إلى ملاحظة كم كان المتكلمون والأصوليون موفقين في اختيارهم لمصطلحاتهم، وأنهم يراعون في مصطلحهم أن يكون المعنى الذي يريدونه منه له أصل في اللغة أو يكون هنالك علاقة قريبة الدرك بين المعنى الذي يرمون إليه والمعنى اللغوي الوضعي للفظ. وهذا من حسن اختيار المصطلح لأن الأصل أن يعتمد على الألفاظ الموجودة في اللغة فيما وضعت لها، أو على الأقل يكون هنالك تلازم ما بين المعنى الوضعي المشهور والمعنى الاصطلاحي ليكون الاصطلاح موحياً بالمعنى المراد منه، وأقرب للإلف.
سؤالك الثاني:
(أن الإمام الغزالي في كتابه معيار العلم ص 43 ذكر أن المعتبر في التعريفات المطابقة والتضمن أما دلالة الالتزام فلا يجوز أخذها في التعريفات وبين ذلك بسببين. فهل اعتراضه دلالة الالتزام غير معتبرة عنده في المنطق أم في الأصول؟)
الجواب: نعم لقد ذكر الإمام الغزالي في معيار العلم أن المعتبر في التعريف دلالتا المطابقة والتضمن، لا الالتزام، وعلل ذلك بأن اللغة بالوضع لا تدل على مدلولها، وعليه فالمدلول في دلالة الالتزام لا ينضبط ولا ينحصر، لأن اللفظ قد يستعمل في لازم معناه أو في لازم لازمه، واللوازم كثيره ولوازم اللوازم قد تكون أكثر، فتتكثر المعاني التي يمكن أن يحتملها العقل للتعريف، فلا يعرف بالضبط ما الذي يريده المعرِّف، فلا يؤدي التعريف وظيفته المطلوبه منه، وهي إفادة العلم التصوري للمعرَّف إذا كان المقصود منه التحديد التام. هذا معنى كلام حجة الإسلام تقريباً.
فإذا كنت تسأل هل من شأن المنطقي وحده أن لا يستخدم دلالة الالتزام في التعريف أم أن ذلك أيضاً ما يحرص عليه الأصولي وغيره؟ فالجواب أن كل من يشتغل بتحديد المفاهيم ووضع تعريفات للكشف عن الحقايق وتصويرها لا بد أن يراعي ذلك. سواء كان أصولياً أو منطقياً أو فيلسوفاً أو عالماً طبيعياً أو غيره، وسيتبين لك هذا الأمر أكثر عندما تعرف السبب في اعتبار الأصولين لدلالة الالتزام في جواب السؤال الثالث. واعلم أن مراد الإمام الغزالي من التعريف هنا هو الحد التام لما في دلالة الالتزام من الخفاء الذي لا يناسب التصور الذي من شأن الحد التام أن يفيده، وليس مقصوده الحدود الناقصة والرسوم. وسنأتي إلى التفريق بين الحد والرسم التعريف اللفظي وإلى شروط المعرف وما يصح أن يستخدم وما لا يصح من الدلالات عند كلامنا على المعرفات قريباً. والمعنى أنك إذا أردت أن تعرف شيئاً بحد تام أي من جنس وفصل، فلا يجوز لك أن تأتي في حدك التام هذا بألفاظ تدل على شيء من أجزاء ماهية ذلك الشيء المعرَّف بالالتزام.
سؤالك الثالث:
)لماذا اعتد الأصوليون بدلالة الالتزام في الخارج فقط بخلاف المناطقة على الرغم أن مبحث الدلالات عند الأصوليين قائم على المنطق)
أريدك أن تنتبه إلى أن كلمة فقط تابعة لاسم دلالة الالتزام الخارجي. ثم إن ما قلته في الدرس على ما أذكر أن الأصوليين اعتدوا باللزوم الخارجي فقط زيادة على اعتدادهم باللزوم الذهني والخارجي معاً، واللزوم الذهني فقط. لا أنهم اعتدوا باللزوم الخارجي فقط وحده، ولم يعتبروا الذهني. والمعنى أن الأصوليين توسعوا في اعتبار دلالة الالتزام فاعتبروا الخارجي والذهني.
والفرق بين المنطقي والأصولي من حيث استخدامهما وتداولهما للألفاظ، أن المنطقي احتاج إلى استخدام اللغات والألفاظ للتعبير وتفهيم الآخرين بالعبارة، والفهم عنهم. ولكن الأصولي حين يدرس المنطق ويطبقه ويستخدمه لفهم النصوص الشرعية لاستنباط الأصول منها فإنه تعترضه نصوص شرعية كثيرة ينبني فهمها على المجاز والعرف والعادة، ولو أهمل الاعتداد بالالتزام البين بالمعنى الأعم والعرفي والعادي الذي منه اللزوم الخارجي فقط، لخرج كثير من المجازات والكنايات المعتبرة في خطاب الشارع. ونظر المنطقي في الألفاظ ليس إلا باعتبار الإفادة والاستفادة اللتان يمكن أن يحققهما بالمطابقة والتضمن وقليل من أخص الالتزام البين الذي لا يلتبس على الآخرين فهم معناه، ولكن الأصولي وإن ألزم نفسه بقواعد المناطقة هذه في تفهيم الآخرين كلامه، إلا أنه كيف يستنبط القواعد من الشرع ويقعد طرق الفقه المشتغل ببيان أحكام الشارع في أفعال العباد دون اعتبار العادة والعرف والمجاز.
وقد بحث القرافي في شرحه على المحصول دلالة الالتزام بحوثاً في غاية الإفادة، وفرق تفريقات دقيقة، وبين معاني عزيزة تظهر سعة اطلاعه رحمه الله ودقة فهمه وتحقيقه. ولعلك تتأملها. واعلم أننا في دروسنا الثلاثة السابقة ذكرنا أقل القليل، ولو أردت أن أبحث في أصول كل أمر وتفريعاته والاختلافات فيه، لاستغرقنا ذلك وقتاً طويلاً جداً، وهي طريقة لا تناسب الكلام مع المبتدي، ولا يقوى عليها إلا القلة، فضلاً عن أني لست أهلاً لذلك ولا أقوى عليه لقلة علمي وضعف ذهني واطلاعي.
سؤالك الرابع:
(الإمام الرازي في المحصول عند تعريفه لدلالة التضمن قال: (هي دلالة اللفظ على جزء المسمى من حيث هو كذلك احترازاً عن دلالة اللفظ على جزء المسمى بالمطابقة على سبيل الاشتراك ...فلم أستطع التفريق بين قوله على جزء المسمى من حيث هو كذلك وعلى جزء المسمى بالمطابقة؟)
الجواب:
عبارة الإمام الرازي رحمه الله تعالى هي: (إنما قلنا في التضمن: إنه دلالة اللفظ على جزء المسمى من حيث هو كذلك، احترازاً عن دلالة اللفظ على جزء المسمى بالمطابقة على سبيل الاشتراك)
ومقصوده بالمسمى المعنى الموضوع له اللفظ، أو ما سميناه المدلول عليه باللفظ بحسب الوضع. والضمير هو يعود على جزء المسمى أي جزء المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه كالحيوان أو الناطق بالنسبة للإنسان، فإن كلاً منهما جزء معنى الإنسان. فإن لفظ الإنسان دال على (الحيوان الناطق) مطابقة لأن اللفظ دل على تمام المعنى الوضعي له، وعلى الحيوان كما على الناطق بالتضمن، لأن اللفظ دل على جزء المعنى من حيث هو جزء للمعنى (وهذا معنى قوله من حيث هو كذلك)، ولم يدل لفظ الإنسان على جزء المعنى من حيث إن الإنسان وضعت أصلاً على الحيوان أو على الناطق بالمطابقة.
والمعنى الذي تحرز عنه الإمام هو أن يتصور لفظ موضوع بالاشتراك على الكل والجزء. أي أنه يدل مطابقة على تمام المعنى وعلى جزء المعنى في آن. أي أن تكون (أ) مثلاً موضوعة في اللغة على المعنى المركب (ب ج) وفي نفس الوقت موضوعة على جزء هذا المعنى المركب وهو (ب) مثلاً. فيسمى (أ) في هذه الحالة مشتركاً لأنه موضوع على الحقيقة (ب ج) بالمطابقة وفي نفس الوقت على الحقيقة (ب) بالمطابقة. وفائدة هذا الاحتراز أن ينظر إلى دلالة اللفظ على معنى معين بالتضمن باعتبار أن ذلك المعنى هو جزء المعنى المركب الذي يدل عليه اللفظ بالمطابقة، لا باعتبار أن اللفظ يدل عليه بالمطابقة لكونه لفظاً مشتركاً يطلق على الأمرين. واعلم أن أول من تكلم في هذه الحيثية هو الإمام الرازي رحمه الله تعالى كما ذكره القرافي وبعض حواشي شرح السلم.
فقوله: (من حيث هو جزؤه) أي من حيث إن جزء المعنى المفهوم ضمناً هو جزء المعنى المركب الموضوع بإزاء اللفظ الذي دل عليه ضمناً. وهذه الحيثية يخرج بها دلالة اللفظ على جزء المعنى من حيث إن جزء المعنى هو كل المعنى الموضوع بإزاء اللفظ مطابقة على سبيل الاشتراك. فهو حينئذٍ موضوع لجزء المعنى بالاستقلال، وموضوع لكل المعنى بالاستقلال. بحيث يدل على تمام كل منها بالمطابقة. ووضع اللفظ على حقيقتين مختلفتين أو أكثر هو الاشتراك، وهو ما يصفونه باتحاد اللفظ وتكثر المعنى الوضعي. وقد أغنى القرافي هذه المسألة بحثاً، وأتى ببحوث في غاية الإمتاع فارجع إليها، إن أردت الاستزادة.
سؤالك الخامس:
(ذكرتم أن المناطقة لو وجدوا طريقا لنقل ما يدور في أذهانهم إلى بعضهم البعض مباشرة بالمعنى دون وساطة اللفظ وغيره كضرب من التيلي باثي الذي يزعمونه مثلاً...فما هو التيلي باثي؟)
الجواب: قرأت مرة ترجمة لاصطلاح التيلي باثي، بالباء الثقيلية في الإنكليزية، والترجمة هي التخاطر. ويسميه البعض توارد الأفكار. ومثاله ما يدعى بين التوائم المتماثلة أو من تربطهما علاقة نفسية قوية، بحيث يشعر الواحد بشعور الآخر أو ينقدح في ذهنه المعنى أو يهجسه الهاجس أو يخطره الخاطر أو تحدثه نفسه أو يهم أو يعزم على ما يقع للآخر مثله أو قريب منه. وهذا من فهمي لهذه الظاهرة وربما تجد تعريفاً دقيقاً في مصطلحات علم النفس أو بعض الكتب التي تتكلم عن الإنسان وقواه النفسية. ولكن ما قصدته أنا في عبارتي هو انتقال الكلام النفسي من واحد لآخر دون الحاجة إلى واسطة الإشارة أو العبارة.
ثم إنك لم تثقل علي بأسئلتك، بل سرني أن أقرأك تثابر وتبحث وتسأل، وسرني أن أجيبك بقدر ما أعلم. ووفقك الله يا سعد.
والسلام عليكم
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين