ننتقل بعد ذلك إلى الجبال: فالجبل الذي رأيناه ساكناً، هل سكونه دائم وواجب؟ هل يستحيل أن يتحرك هذا الجبل؟
يمكن أن يتحرك بأن نتصور أن زلزالاً حرّكه. ثم نقول: هل الجبل في صله ساكن؟ هو متحرك دائماً ولكننا نتوهم أنه ساكن لأننا نتحرك بحركته، فتصير الحركة النسبية بيننا وبينه صفراً.
وإذا جاز عدمها استحال قدمها؛ لأن ما ثبت عدمه استحال قدمه، فتكون حادثة، فحينئذٍ جميع الأعراض حادثة، ويلزم من حدوثها حدوث جميع الأجرام والجواهر لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة. وكل ما لا ينفك عن الحادث فهو حادث. فظهر أن جميع العالم من أعراضه وأجرامه وجواهره حادث، أي موجود بعد أن لم يكن:
ما ثبت عدمه فهو ممكن، والممكن محتاج والمحتاج يستحيل أن يكون قديماً، لأنه لو كان قديماً لبطل كونه محتاجاً.
وأما دليل كون كل حادث فهو مفتقر إلى موجِد يوجده؛ فلأنه صنعة بديعة محكمة الإتقان. وكل ما كان كذلك فله صانع؛ إذ لو لم يكن له صانع للزم أن يكون حدث بنفسه، فيلزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين أعني الوجود والعدم على مساويه بلا سبب، وهو محال. لما يلزم عليه من اجتماع الضدين أعني المساواة والترجيح بلا مرجح على أنه يلزم عليه ترجيح الأضعف على الأقوى لأن الأصل فيه العدم، وهو أقوى من وجوده.
هذا هو البرهان المشهور بينهم في بيان حدوث العالم وافتقاره إلى صانع:

كل حادث لا بد له من محدِث أو لا بد له من مرجح، لماذا؟ لأنه إذا قلنا إن أصل العالم حادث، ثم نظرنا في العالم فرأينا هيئته وشكله محكم الصنعة، من طريقة صناعة العالم يجب أن نعلم أن هذا العالم يستحيل أن يوجد وحده كذلك، أي يستحيل أن يكون وجوده على هذه الصورة لذاته، لأن الأصل فيه أنه حادث والحادث مستوي الطرفين؛ لأن الحادث كان معدوماً ثم وُجد، إذن صحّّ عليه الوجود وصحّ عليه العدم، إذن استوى عليه الوجود والعدم، بل وجوده على هذه الصورة مع عدم وجوده على هذه الصورة ووجوده على صورة أخرى.
ما الذي أوجب على الأرض أن توجد بهذا الشكل وبهذا البعد من الشمس؟ لماذا لم تكن أبعد أو أقرب؟ ما الذي أوجب أن توجد الشمس؟ وما الذي أوجب على الإنسان أن يوجد بهذه الصورة؟
كل هذه الأمور في نفسها ممكنة ولكن ما الذي أوجب وجودها على هذه الصورة؟ هل هي ذاتها؟ يستحيل؛ لأن الأصل أنها حادثة والحادث مستوٍ فيه الطرفان، إذن التدبر والتفكر في حقيقة الصنعة أي الإحكام والإتقان نعرف أنه يستحيل أن يترجح جانب وشكل من الأشكال الممكنة على العالم دون شكل آخر لنفس حقيقة العالم؛ لأن حقيقة العالم ممكنة ونفس الممكن لا يرجّح، بل هو نفسه يحتاج إلى ترجيح.
إذن بالنظر إلى العالم من حيث كونه متقناً نعرف أنه لا بد لكل حادث من محدث.
بعض العلماء يقولون: لا نحتاج إلى الاستدلال على كون الحادث يحتاج إلى محدث إلى النظر في الصنعة والإحكام والإتقان، بل إن العلم بأن كل حادث لا بد له من محدث فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى النظر.
قال الإمام الرازي: هذه القضية مركوزة في نفوس الناس حتى في نفوس البهائم، فالحمار إذا سمع صوتاً يلتفت، فهو يعلم أن هذا الصوت الذي حدث فجأة لا بد أن يصدر من محدِث.
لكن المصنف هنا اختار أن يدلل على هذه القضية للتنبيه.
ملاحظة: الذي تم شرحه من قبل وهو الذي يتكون من مقدمتين يسمى دليل الحدوث.
ولك أن تستدل على حدوثه بكونه أنواعاً مختلفة وأصنافاً متباينة كما يشير إليه آي القرآن العزيز. وذلك لأن بعضه علوي وبعضه سفلي. وبعضه نوراني وبعضه ظلماني، وبعضه حار وبعضه بارد، وبعضه متحرك وبعضه ساكن، وبعضه لطيف وبعضه كثيف. وبعضه شوهد وجوده بعد عدمه وبعضه شوهد عدمه بعد وجوده. إلى غير ذلك. وكل نوع من هذه الأنواع مشتمل على أصناف وأفراد وصفات لا قدرة لأحد على إحصائها: كون دليل الحدوث هو البرهان المشهور لا يستلزم عدم وجود غيره، لذلك قال: ولك أن تستدل بأدلة أخرى.
فدلّ على أنه مفتقر إلى مخصص حكيم خصّ كلّ نوع ببعض الجائز عليه، فيكون حادثاً بعد عدم وأن خالقه مختار لا علة ولا طبيعة؛ إذ معلول العلة ومطبوع الطبيعة لا يختلف على فرض تسليمه. قال تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب". "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء". إلى غير ذلك من الآيات: أي خلقه باختياره ليس لكونه علة أو طبيعة. لو فرضنا أن هناك شيئاً اسمه خالق بالعلة وخالق بالطبيعة . . لو فرضنا وجود الطبيعة والعلة، لكنّا لا نسلّم أن المخلوق عن طريق العلة يمكن أن يتعدد أو يتنوع، لأن العلة إذا كانت واحدة فيجب أن يكون معلولها واحداً؛ لأن بينها وبين معلولها تسانخ، وهم يقولون إن الأصل أن تكون العلة واحدة، لأن علة كل شيء عندهم واجب الوجود.
فنحن نسألهم: إذا كان واجب الوجود عندكم بسيطاً أي واحداً لا يتكثر ولا يتعدد فكيف صدر عنه هذا العالم الكثير الذي فيه كثرة وتنوّع ؟ !
وأنتم تقولون إن هناك تسانخاً بين العلة والمعلول، فهنا يوجد محل إشكال في مذهب الفلاسفة.
نحن نقول: لو تنزّلنا وسلّمنا بأن هناك شيئاً يوجِد بالعلة وشيئاً يوجِد بالطبيعة ـ ونحن لا نسلّم بذلك ـ لوجب أن يكون المعلول واحداً لا كثيراً، لكنّ الذي نراه هو أن العالم الذي يقولون إنه علة لواجب الوجود هو كثير وليس واحداً.
فإذن يستحيل أن يكون هذا العالم معلولاً لعلة واحدة إذن يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالعلة، وكذلك يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالطبيعة.
والطبيعة مثل العلة ولكنها تتوقف على وجود شرط أو انتفاء مانع، مثل النار يقولون النار تفعل بالطبيعة لأنها تتوقف على وجود شرط وهو ملامسة الجلد وانتفاء مانع مثل عدم البلل.
وهذا بخلاف العلة فهي تفعل مباشرة مثل حركة الخاتم لحركة اليد. والحقيقة أنه ليس هناك فرق جوهري.
إذن ما دام أن الخالق يستحيل أن يكون فاعلاً بالعلة ويستحيل أن يكون فاعلاً بالطبيعة إذن هو فاعل مختار وهذا معنى أنه حكيم، فالحكمة هي الفعل بناء على الإرادة والعلم الذي هو الاختيار.

[poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
حُدوثُه وجودُه بعد العدمْ= وضدُّه هو المسمّى بالقِدَمْ
[/poet]

(حدوثه وجوده بعد العدم) يعني أن حدوث العالم عبارة عن وجوده بعد عدمه خلافاً للفلاسفة فإنهم ذهبوا إلى قِدَمه ومع ذلك أطلقوا القول بحدوث ما سوى الله تعالى، لكن بمعنى الاحتياج إلى الغير، لا بمعنى سبق العدم عليه. ومعتقِد ذلك كافر بإجماع المسلمين.
(وضِدُّه) أي ضدّ الحدوث أي مقابله يعني عدم أوليّة الوجود (هو المسمّى بالقدم) ولا يكون إلا لله وحده كما سيأتي ولا واسطة بين الحدوث والقدم إذا علمتَ أنه يجب على كلّ مكلَّف أن يعرف ما يجب وما يستحيل وما يجوز لله تعالى وعلمتَ الطريق الموصِل إلى المعرفة.