بسم الله الرحمن الرحيم
يا هيثم،
أولاً: أنا لم أنح في نقاشي منحى شخصيّاً مطلقاً بل طالبت بحقي أن أفهم المراد من وراء أسئلتك. وأين نحوت منحى شخصيّاً وخرجت عن آداب البحث!؟
ثانياً: قل لي بالضبط الموضع الذي أسأت أنا فيه فهمك. ألم أكن أصحح لك أسئلتك وأنت تعتذر وتعيد صياغتها، وكنت أجيبك عمّا تسألني عنه، وأزيد على الجواب حتّى أوضح مقصودي، مع أن ما يلزمني بحسب قواعد البحث هو فقط أن أجيب على قدر السؤال.
فهل سألتني سؤالاً لم أجبك عنه؟ ومتى استكثرت عليك مشاركة أجيبك فيها عن أسئلتك على الرغم من انشغالي؟ أما قولك إنك صبرت عليّ أسبوعاً كاملاً لكي تحصل مني على جواب لسؤال واضح كنتُ أنا أعرف معناه منذ البداية كما صرّحتُ به وصرح به الأخ سعيد فودة. فهذا ليس صحيحاً. لوجوه:
الأول: أن مشاركتك كانت فيما أعلم يوم 8/1 وأمس حين كتبت ترهاتك هذه هو 12/1 فلم يمض بعد أسبوع كامل.
الثاني: أني لم أكن أعرف ما الذي تريده بالضبط من كلّ هذه الأسئلة إلا الآن. وما صرحت به أنا هو أني أدرك أنك لا تقصد الكلام عن نار سيدنا إبراهيم عليه السلام تحديداً، وإنما تريد الوصول إلى غاية ما لم أكن أعلمها على وجه التحديد لأني لا أعلم الغيب ولا الشيخ سعيد يعلم ذلك. ومن أين لي أن أعرف أنك تريد أن تتهمني وتلزمني بما لا يلزمني من الأمور الباطلة التي نسبتها لي. أما ما صرح به الشيخ سعيد فهو أنه بيّن للأخ راجي رحمة ربه أنني أجاريك في افتراضك التخيلي عن قوم إبراهيم الذين لم يكونوا يعرفون النار بحسب الفرض. وهذا هو الواقع.
الثالث: إن سؤالك لم يكن واضحاً البتة، وكان مضطرباً وخاطئاً فكيف تقول إنه كان واضحاً. ولو كنت تعرف آداب البحث لدخلت المنتدى وسألتنا سؤالاً واضحاً بشأن المعجزة، وقولنا فيها من حيث ما هي أمر معقول أو لا، ومخالف للعادة أو لا... إلخ.
ثالثاً: قولك: (وقد بيّنتُ أن كلامك في تحديد العلاقة بين التجربة والعقل جديد عليّ. فكان من الطبيعي أن أسأل أكثر لكي أعرف المقصود به تماماً)
أقول: أنت لم تبيّن ذلك بل ذكرته مجرّد ذكر، ولم تقل لم هو جديد عليك. وقد سألك الشيخ سعيد وسألتك أنا ما هو الجديد في الأمر عليك. أي ما الذي كنت تعرفه عن مذهبنا فقلنا لك ما يخالفه. وبدل أن تجيب جواباً علميّاً سارعت في اتهامنا بما لا نقول به وبلا دليل، ولمجرّد توهمات في عقلك عن مذهبنا، أو توهمات حصلت عندك من قراءتك لكلامنا دون فهمه.
رابعاً: قولك: (وأما جهلي بمذهب الأشاعرة فلا يضرّني بفضل الله، بل لعلّي أفخر به. فقد علمت مذهبي في العقيدة والذي أسأل الله أن يحييني عليه وأن يميتني عليه)
أقول: أما أنا فلست فرحاً مثلك على فرحك وفخرك بجهلك. وليت شعري متى كان الجهل مفخرة. إني لم أر عاقلاً يفخر بجهله إلا اليوم حين عرفتك. وأسأل الله أن لا يحييك على هذا الجهل، وأن لا يحييك ولا يميتك على مذهب السلفيّة. أما أنّك تعلم مذهبك في العقيدة فإني أتحدّاك أن تثبت أنك تعلمه. إنك أيها الفرح الفخور لتتوهم أنك تعلمه فحسب. بالضبط كما تتوهم أنك فهمت كلامي وألزمتني بأمر باطل. فهل تقسم بالله أنّك قرأت كلامي وحللته ورجعت إلى كتب المصطلحات لتقف على ما أعنيه بالجائز والواجب والمستحيل والمعقول والحس والشرط والشطر والحقيقة والعادة وغير ذلك مما وقع في كلامي، إنني أقطع أنك ما فعلت ذلك، وأنك قرأته وفهمته كما تريد أنت أن تفهمه لا كما يفهم وفق قواعد الفهم ومصطلح أهل الفنّ.
خامساً: قولك: (وأما علم المنطق بالذات، فقد قال عنه ابن تيمية (رحمه الله): علم لا يحتاجه الذكي ولا ينفع الغبي!)
أقول: هذا مجرّد ادعاء منه، وتقليد منك له عن جهل بما يقوله في نقده للمنطق، وعن جهل بنفس المنطق باعترافك أنت. أما عن جهلك بما يقوله ابن تيمية في نقد المنطق فلأنك لا يمكنك أن تفهمه إذا لم تكن تعرف مسائل المنطق. وكلام ابن تيمية ليس حجّة عليّ ولا على غيري. فإن كان مثلك يستطيع أن ينقد المنطق ويبيّن عواره فافعل إن كنت رجلاً مسؤولاً عن كلامك.
قولك: (والذي استفدته من كلامك أخي بلال هو أنك مضطرب في تحديد العلاقة بين المعقول والمعتاد. فالمعتاد شرط للمعقول عندك، لكنّ العقل يجيز خلاف المعتاد في نفس الوقت، يعني أنه يجيز خلاف شرطه!)
أقول: أنت لم تستفد شيئاً من كلامي لأنك لم تفهمه كما يجب، وذلك لوجوه:
الأول: أني لست مضطرباً في تحديد العلاقة بين المعقول والمعتاد. فأين رأيت هذا الاضطراب؟
الثاني: أن المعتاد ليس شرطاً للمعقول عندي. وأين قلت أنا إن العادة شرط المعقول؟ أنا قلت إن الحس شرط العقل، ولم أقل إن العادة شرط المعقول. وهنالك فرق كبير بين المعقول والعقل. كما أن هنالك فرقاً كبيراً بين العادة والحس. لو كنت تفهم ما تقول. ولو استوضحت منّي ما تستشكله لأفهمتك، وقد حذّرتك أن تسارع في القفز إلى النتايج قبل الفهم ولكن ضاق فتر عن مسير.
الثالث: العقل فعلاً يجيز خلاف المعتاد، لأن المعتاد جائز عقليّ وليس واجباً أيها الذكيّ. ولو كان العقل لا يجيز خلاف المعتاد لما آمنا بمعجزات الرسل أيها النبيه! والخلط والخبط صار عندك لأنك لا تفرّق بين الجواز العاديّ والجواز العقليّ، فإن خلاف العادة جائز عقلاً، ولكنه مستحيل عادة يا ناصح.
الرابع: قولك: (يعني أن العقل يجيز خلاف شرطه) أقول: إنك تتوهم أن في كلامي دوراً ولا تحسن حتّى التعبير عن ذلك بصياغة دليل معارضة معتبر. وليس في كلامي خطأ مطلقاً: لأنك إنما تتوهم أشياء أنا لم أقلها لأنك لا تفهم المصطلحات التي أستخدمها. فتتوهم أني أقول بأن الإنسان لكي يجيز شيئاً ما عقلاً فإن شرط ذلك أن يكون ذلك الأمر معلوماً عنده من العادة، ولما رأيت أنني أقول بأن العادة يجوز في العقل أن تنخرق يعني أن العقل يجيز خلافها، تعجّبت مني كيف أقول بأن ثبوت العادة شرط تجويز العقل لجواز انخرام تلك العادة. لأنه إذا كان حكم العقل بجواز خلاف العادة يتوقف على ثبوت العادة شرطاً لهذا الحكم، فكيف ينقض المشروط شرطه بأنه يجيز خلافه؟
وهذا في منتهى الغباء والله. أولاً لأن سؤالك مضطرب وغير ملخّص، ولا يؤدي ما تريد من إلزامي بالدور. لأنه حتى على هذه الصورة لا يلزمني الدور. فحتى لو كنت أقول بالترهات التي نسبتها لي، فيمكنني أن أنفك عنه. ولكني أبيّن لك تخبّطك بما يلي:
أ: أنا لا أقول إن العادة شرط للمعقول بل أقول الحس شرط العقل.
ب: هنالك فرق كبير بين العقل والمعقول.
ج: هنالك فرق كبير بيان شرط الجواز وتجويز الشرط.
د: أنا أقول إن حدوث خلاف العادة أمر جائز عقلاً مستحيل عادة. لأنّ هنالك فرقاً كبيراً بين حكم العقل وحكم العادة.
فتأمل ما وقعتَ فيه من تخبّط في إلزامي بما لا يلزمني.
سادساً: قولك: (ودليلك على جواز خرق العادة هو قصة إبراهيم (عليه السلام))
أقول: أنا لم أصرح بأن دليلي على انخراق العادة هي قصّة إبراهيم عليه السلام. ولكني أقبل هذا القول على أنه دليل قطعي من الشرع الشريف على جواز انخراق العادة. فلا مشكلة.
سابعاً: قولك: (فأنت تجيز اضطراب شروط العقل إذاً. فشرط الحس والتجربة يوجب الإحراق، وشرط الخبر الصادق يُجيز عدمه، فتعارضت الشروط عندك)
أقول: اضطراب شروط العقل أمر جائز فعلاً كما هي الحال عندك. ولكن لا أدري من أين عرفت ذلك من كلامي السابق. ثم أين وجدتني أقول بأن (شرط الحس والتجربة يوجب الإحراق) أنا أقول بأن العادة أو التجربة توجب الإحراق، وليس شرط الحس هو الذي يوجب الإحراق، أو شرط التجربة يوجب الإحراق. فأنا لم أتكلّم مطلقاً في شرط الحواس، ولا في شروط التجربة، بل تكلّمت في الحس والتجربة والعقل وشرط العقل. وفرق كبير أيها البليد بين قولي: إن العادة أو التجربة توجب الإحراق أو تحيل عدم الإحراق، وبين ادعائك علي أني أقول: بأن شرط الحس والتجربة يوجب الإحراق. ولو كنت تفهم ما تقول لعرفت أن الشرط لا يوجب شيئاً مطلقاً، لأن الشروط لا يلزم من وجوده وجود المشروط. فالوضوء شرط للصلاة، كما مثل به الشيخ سعيد، فهل إذا توضأت وجدت صلاتك. فكيف تقول إن شرط الحس والتجربة يوجب الإحراق، وأين وقع في كلامي هذا أيها الأحمق.
أما قولك: (وشرط الخبر يجيز عدمه) فليس كذلك. بل الخبر الصادق هو الذي نص على جواز عدم احتراق الإنسان إذا وقع في النار كما جاء في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فمان دليلاً قاطعاً على جوازه. وليس شرط الخبر هو الذي أجاز عدمه!!!!!! وهذا يدل على أنك لا تقرأ ما أكتب، أو لا تفهم ما تقرأ، لأني ذكرت لك تعريف الشرط في رسالتي السابقة!!!!!!! ومع ذلك أنت لا تدرك بعد ما هو الشرط، مما يدلّ على أنّك لا تحقيق لك لا بالفقه ولا بالأصول ولا بالنحو ولا بالرياضيات ولا بالفيزياء ولا بأي علم ذكر فيه تعريف الشرط وطبق فيه مفهومه، فضلاً عن اعترافك بجهلك في علمي الكلام والمنطق. ومع كلّ هذا الجهل الذي عندك أنت فخور وفرح بحالك، وفوق ذلك تتحداني بأن تناظرني في بيتي... ولعلك تحلم بإفحامي أيضاً... إن هذا لشيء عجاب! تعال إلى بيتي إن كنت رجلاً مسؤولاً عن كلامه، وناظرني في هذه المسألة، وسأسجل لك شريطاً أنشره في هذا المنتدى لمن يحب أن يطلع على ما سيدور بيننا، وأرني ماذا بوسعك أن تفعل.
قولك: (ودون التمثيل لذلك بمثال من الشرع (كما مثل الأخ سعيد فودة بمثال اشتراط الوضوء للصلاة) خرط القتاد)
أقول: أولاً: أنت لا تفهم ما هو الشرط، فكيف تمنع مثال الشيخ، وترفض تقريبه لكون التجربة ليست جزءاً من العقل بهذا المثال؟ ثانياً: ما هو المانع من مثال الشيخ، أهو مانع عقليّ أم شرعيّ أم لغويّ... ما وجه منعك لتمثيل الشيخ بهذا المثال، إن كنت تفهم ما تكتب!
قولك: (ولا أجد مخرجاً لك من هذا الاضطراب سوى الإقرار بأن: المعجزة هي أمر مخالف للمعقول، وكفى. وأن عدم احتراق إبراهيم (عليه السلام) في النار إنّما بهر الناس لأنه مخالف لمعقولاتهم، أو: مخالف لما تحكم به عقولهم. ولذلك فإن الذي لا يعرف عادة النار بالإحراق، وبالتالي لا يحكم عقله باحتراق ما يسقط فيها، لن يتأثّر بما يراه، لأنه لم يخالف معقوله)
أقول: لماذا تنسب إليّ هذا الكلام الفارغ يا هيثم. إنك أنت المضطرب. وكيف أقول بأن المعجزة أمر غير معقول وهي الدليل عندي على وجوب صدق الرسول صلى الله عليه وسلّم. أما عدم انبهار الناس بعدم احتراق إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلأن ذلك أمر مخالف للعادة، لا لأنه مخالف للمعقول. فالعقل يجيز انخراق العادة. وأنا ذكرت لك في كلامي بالنصّ أن انخراق العادة أمر جائز عقلاً، والجواز ههنا حكم عقليّ فكيف تدّعي عليّ بأني أقول إن المعجزة تخالف حكم العقل بالجواز.
وأما الذي لا يعرف النار وعادتها في الإحراق فهو -لن يتأثر على حدّ تعبيرك- ليس لأن ما حصل لا يجيزه العقل، لأنه لو كان ما حصل لا يجيزه العقل لاستحال وقوعه أصلاً، ولكنه حصل وماذا أكثر من حصول الشيء بالفعل أمام عينيك دليلاً على جوازه العقليّ. ولكن الشاهد الجاهل بتلك العادة لن يتأثر لأن ما حصل لا معرفة له به، فلا يمكنه أن يقرر أهو شيء عاديّ أو غير عاديّ.
قولك: (فالأفضل (إخوتي الكرام) هو أن ننهي النقاش)
أقول: أي نقاش هذا الذي تريد إنهاءه، وهل وقع فعلاً نقاش، إنك سارعت بالهرب لمجرّد تدقيقنا عليك ومطالبتك بالإجابة عن بعض الأسئلة. وتسمي هذا نقاشاً. فإذا كنت تريد الهرب فانصرف لشأنك، ويمكن لأي واحد أن يجد عذراً لإنهائه النقاش، وقد ناقشت أحد السلفية منذ أيام فطلب إنهاء النقاش لأن بطنه تؤلمه ولأن عنده ظرفاً صحّياً خاصّاً بعد حوالي الساعة الكلام معه. وكنّا بعد في أول الكلام. وقد قبلت عذره إذ ذاك، لأنه عذر لا يعلمه إلا الله تعالى وهو، أما أنت فعذرك أقبح من اتهاماتك الباطلة لي. أنت لم تقم عليّ حجّة يا فالح، ولم تسمع بعد جوابي عن توهّماتك، فهل من آداب البحث أن تنهي النقاش على هذا النحو؟!!
قولك: (ولا أخفي سعادتي به -والله- وبالفائدة التي استفدتها منك أخي بلال)
أقول: أنت للأسف لم تستفد شيئاً، ولو كنت صادقاً مع نفسك، لأحسنت انتهازك لفرصة كلامك معي، والتزمت الأدب، وأكملت مستفهماً لعلّ الله تعالى يمنّ عليك بمعرفة شيء من العلم، ويخرجك من ظلمات أوهامك. ولكن ليقضي الله تعالى أمراً كان مفعولاً. ولعمري كيف يحصّل العلم وينتفع به من يزدريه، ويحمد الله على جهله!
لعمري ما هوّن عليّ من أمرك إلا تعريضك بشيخي وختم أبي الطّيب في لك يا منازل. ولو علمت من هو شيخي:
إن الذي صوّر الأشياء صوّره بأساً من النار في بحر من الجود.
ولقد أطلنا وكان يخلق بنا أن نجيبك إلا سلاماً.
والحمد لله على كلّ حال.



رد مع اقتباس
