لأخينا هاني الرضا تعليق مفيد جدا علي مقولة القرطبي أنقله لنفاسته

قال أخونا هاني- حفظه الله -معلقا علي مقولة القرطبي هذه و رادا علي أحد المخالفين ويدعي حسام:

قال الأخ هاني :

ليست المشكلة في كلام القرطبي ولكن المشكلة في فهمك انت لكلام القرطبي ..

أنا وأنت متفقان على أن الإمام القرطبي من أهل السنة والجماعة السادة الأشاعرة صح !! طيب عندما تقرأ كلاما للقرطبي الذي تقر أنت بأشعريته أليس من الواجب عليك أن تفهم من أين يتكلم القرطبي وماذا يعني بكلامه هذا ؟؟!! هو أشعري فيجب أن تفهم كلامه في هذا المحتوى وتفهم أنه ينطلق في تعريفه وتصنيفه من أشعريته لا أن تأتي لألفاظ تعني عند الأشاعرة شيئا مخالفا لما تعنيه عندكم وتلفظ بها القرطبي على مفهوم الأشاعرة ثم تقول أن القرطبي يقصد بها ما تفهمونه أنتم .. هل وضحت الصورة ؟؟

سأوضح لك أكثر ..

يقول القرطبي :
( قوله تعالى: "ثم استوى على العرش" هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء.......... والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: واستوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته؛ أي استقر. واستوى إلى السماء أي قصد. واستوى أي استولى وظهر. قال:
[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
قد استوى بِشر على العراق= من غير سيف ودم مهراق [/poem]
واستوى الرجل أي انتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" [طه: 5] قال: علا. وقال الشاعر:
[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة= وقد حلق النجم اليماني فاستوى [/poem]
أي علا وارتفع.
قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه؛ لكنه العلي بالإطلاق سبحانه. ) انتهى من تفسيره

هذا كلام القرطبي بتمامه في هذا الموضع ..

ولو أنك تأملت في كلام الإمامين النووي والقاضي عياض الآتي لوجدت فيه جوابا على كل كلامك و لفهمت عما يتكلم القرطبي ولعلمت أنه أبعد ما يكون عما فهمت انت ..
نقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض قوله :

قال القاضي عياض :
لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدِّثهم ومتكلِّمهم ونظَّارهم ومقلِّدهم أنَّ الظَّواهر الواردة بذكر الله في السَّماء كقوله تعالى: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ونحوه ليست على ظاهرها بل متأوّلة عند جميعهم، فمن قال: بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين تأوَّل في السَّماء أي : على السَّماء.
ومن قال من النظَّار والمتكلِّمين، وأصحاب التَّنزيه بنفي الحدِّ واستحالة الجهة في حقِّه سبحانه، تأوَّلوها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما سبق ( أي ما سبق للنووي إيراده من مواقف العلماء من أحاديث الصفات ) .
قال ( أي القاضي عياض ) : ويا ليت شعري! ما الَّذي جمع أهل السُّنَّة والحقُّ كلّهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذَّات، كما أمروا وسكتوا لحيرة العقل، واتَّفقوا على تحريم التَّكييف والتَّشكيل، وأنَّ ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاكٍّ في الوجود والموجود، وغير قادح في التَّوحيد بل هو حقيقته، ثمَّ تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشياً من مثل هذا التَّسامح، [[[ وهل بين التَّكييف وإثبات الجهات فرق؟ ]]]
لكن إطلاق ما أطلقه الشَّرع من أنَّه القاهر فوق عباده، وأنَّه استوى على العرش مع التَّمسُّك بالآية الجامعة للتَّنزيه الكلِّي، الَّذي لا يصحُّ في المعقول غيره وهو قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } عصمة لمن وفَّقه اللَّه، وهذا كلام القاضي -رحمه اللَّه-. )

لو رجعت لكلام الإمام النووي وكلام القاضي عياض لعلمت أن لأهل السنة والجماعة في الصفات موقفين :
1- التفويض وهو مذهب السلف ويعني النطق بما جاء في الكتاب والسنة دون الخوض فيه وإمراره كما جاء مع رد علمه إلى الله تعالى وهو المذهب الأسلم والأعلم والذي يتبعه العبد الضعيف في غالب شأنه .
2- التأويل : وهو مذهب الخلف من أهل السنة الاضطراري الذي لجأوا إليه لرد شبهات المجسمة والمشبهة
.

فعندما يتحدث أي أشعري عن مذهب السلف الصالح في الصفات فإنما هو يعني التفويض لا شيء سواه ولا يعني البتة مذهبكم التجسيمي المثبت لظاهر المعاني التي نهايتها التجسيم والتشبيه .

من هنا دعنا نتأمل كلام القرطبي مرة أخرى :

1- يثبت القرطبي أن المتقدمين ( أي السلف ومذهبهم التفويض ) والمتأخرين ( أي الخلف ومذهبهم التأويل ) متفقون على تنزيه الله تعالى عن الجهة .. يقول القرطبي :
(والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم )
انتهى.

2- بعد أن قرر القرطبي إجمالا موقف أهل السنة بسلفهم وخلفهم من القول بالجهة وهو تنزيه الله تعالى عنها يبدأ في تفصيل قول أهل السنة وبيانه وشرحه أكثر ..
فيبدأ ببيان مذهب السلف الذي يعني التفويض عند القرطبي الأشعري فيقول :

(وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته )
انتهى

فهو هنا يعرض مذهب السلف ويتبين ذلك لو تأملت من استعماله لكلمات : ( لا يقولون ) ( لا ينطقون ) ( نطقوا هم والكافة بإثباتها ... ) .
فلم يقل أن السلف ( اعتقدوا ) بل ( نطقوا ) ، فقصده بيان مذهب السلف الذي هو النطق بما جاء في النصوص وتفويضه .. وهو يريد بذلك أنه لا يمنع إطلاق الألفاظ الواردة كالفوق والاستواء مادام تنزيه الله عن الجهة قائما .. لهذا أثبت أولا أن المتقدمين من السلف متفقون على منع الجهة ثم بين أنهم مع ذلك ينطقون بهذه الألفاظ الواردة مما يعني عدم حملهم إياها على معناها الظاهري .

وحتى يتضح لك معنى كلام القرطبي أكثر أدعوك لقراءة النقل الآتي بتمعن :

يقول القرطبي في تفسيره لـ ( وهو العلي العظيم ) :

( و"العلي" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان؛ لأن الله منزه عن التحيز. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه ألا يحكى. وعن عبدالرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى: سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى. والعلي والعالي: القاهر الغالب للأشياء؛ تقول العرب: علا فلان فلانا أي غلبه وقهره؛ قال الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر
ومنه قوله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض" [القصص: 4]. ) انتهى

فتأمل كلامه .. يحكي عن الطبري نقله عن قوم أنهم قالوا بإثبات الجهة لله سبحانه وقالوا بارتفاع مكانه عن مكان الخلق ، وهذا هو معتقدكم اليوم وما تزعمون أنه معتقد السلف الصالح ثم يقرر القرطبي رأيه في هذا القول بالجهة بأن أورد كلام الإمام ابن عطية : ( وهذا قول جهلة مجسمين وكان الوجه ألا يحكي )
والآن استعمل عقلك قليلا رجاء ..

هل يعقل ويمكن أن القرطبي يذم المثبتين للجهة لله المعتقدين لها في مكان ويصفهم بأنهم جهلة مجسمين ثم يأتي في موضع آخر من نفس الكتاب ليثني عليهم ويقول أن هذا هو اعتقاد السلف الصالح !!!!! ؟؟؟؟؟
ألا ترى التناقض !!!

إذن هنالك مشكلة في فهمك لكلام القرطبي كما قدمت والقرطبي عندما قال ما قال عن السلف ونطقهم بالجهة إنما قصد بيان مذهبهم في ذلك وهو أن إطلاق مثل هذه الألفاظ كما جاءت في الكتاب والسنة لا بأس به ولكن لا تحمل على معناها الحسي الظاهري لأن ذلك كما قرر أعلاه هو قول ( جهلة مجسمين ) .. وقطعا أن القرطبي لم يقصد السلف بوصف ( جهلة مجسمين ) وبالتالي انتفى أنه قصد بكلامه عن إثبات السلف للجهة أنهم كانوا يعتقدون بالجهة الحسية .. هل فهمت يا حسام ؟؟
ثم تأمل تقرير القرطبي لمعتقده هو في هذه المسألة والذي هو التأويل فيقول :
( قلت - أي القرطبي - : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته. ) انتهى
فهل يعقل يا حسام أن إماما مثل القرطبي يرى السلف الصالح على شيء ويخالفهم فيه !!؟؟

وأختم لك بنقل عن القرطبي يقرر فيه صراحة وبكل وضوح مذهب السلف بكلام لا يحتاج لكثير إيضاح وهو ينسف ادعائك من أصله :

يقول القرطبي في ( التذكار في فضل الأذكار ) عند كلامه عن المتشابه :
( ثم متبعو المتشابه لا يخلو :
1-أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة والطاعنون في القرآن ،
2- أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم وصورة مصورة وذات وجه وغير ذلك من يد وعين وجنب وإصبع تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،
3-أو تتبعوه على جهة إبداء تأويلها أو إيضاح معانيها ،
4-أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال ، فهذه أربعة أقسام :

الأول : لا شك في كفرهم وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة .

الثاني : الصحيح القول بتكفيرهم ، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد .

الثالث : اختلف في جواز ذلك بناء على الاختلاف في جواز تأويلاتها ، وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمروها كما جاءت ، وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها ، وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين محتمل منها .
الرابع : الحكم فيه الأدب البليغ كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ ) انتهى

فها هو القرطبي يقرر مفهوم مذهب السلف عنده بكل وضوح وجلاء وأنه يعني عنده التفويض وعدم الحمل على الظواهر ..

فاجمع كلامه هنا مع كلامه في تفسيره عن قول السلف بالجهة يستبن لك ماذا كان يعني بالضبط عن قول السلف ويزول هذا الإشكال من عندك يا حسام .
والله الموفق