بسم الله الرحمن الرحيم
قولك: (ذكرتَ في أكثر من موضع عبارة... : كون الزائد مساوياً للناقص، أليس سبب ذلك هو فرضية تساوي اللامتناهيات؟ كيف يمكننا أن نستعمل دليلاً يقوم جزئياً على أن اللامتناهيات متساوية في نفي وجود اللامتناهيات؟)
الجواب: الأكبر والأصغر والمساوي مدركات ببداهة العقل ومركوزة فيه. وكون الأكبر لا يساوي الأصغر أمر بدهيّ، فيستحيل أن يسلّم العقل بالتساوي بين ما حكم بتفاوتهما في الصغر والكبر. ولا علاقة لحكم العقل بعدم تساويهما بكونهما نهائيين أو غير نهائيين.
وبرهان التطبيق يا هيثم كما أرجو منك أن تلاحظه لا يفترض مسبقاً تساوي اللانهايات أو عدم تساويها. بل يسلم جملتين لانهائيتين من الحوادث يقر بهما الخصم، ويقول إنهما متفاوتتان في الطول بدليل البداهة وبما لا يستطيع الخصم إنكاره، ثم يبدأ بالتطبيق.
فما هي نتيجة التطبيق عند بدئه من نقطتين متفاوتتين:
إما أن السلسلة الأقصر والمعروف كونها الأقصر ببداهة العقل ستستغرق الأطول أو لا تستغرقها.
فإن استغرقتها كان الأطول مساوياً للأقصر. وهو منقوض ببداهة العقل. وإذا بلغنا في خطوات البرهان إلى تناقض عرفنا أن الفرض الذي فرضناه محال. ويكون القول الصحيح هو نقيض ما فرض صحيحاً. لأن النقيضتين لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً. فيعلم منه استحالة سلسلة لانهائية من الحوادث.
وإن لم تستغرقها فإن علة عدم الاستغراق ليست إلا انقطاع السلسلة الأقصر دون انطباقها بالكامل على السلسلة الأخرى. فيعلم أنها نهائية بخلاف فرضنا. هذا خلف يلزم منه نقيض الفرض.
وأيضاً السلسلة الثانية معلوم بالبداهة أنها تزيد بمقدار متناه في الطول عن السلسلة الأولى، والزائد على المتناهي بقدر متناهٍ فهو لا محالة متناهٍ. وهذا أيضاً يناقض الفرض. فيلزم استحالة الفرض.
والمشكلة عندك يا هيثم أنك تتصور أن برهان التطبيق فيه نوع مصادرة على المطلوب. والأمر ليس كذلك. بل هو يدلل على استحالة استغراق إحدى السلسلتين للأخرى بأدلة بدهية يسلمها الخصم، كتسليمه أن إحدى السلسلتين أطول من الأخرى. وتسليمه بأن الأصغر مطلقاً لا يساوي الأكبر. وهاتان المقدمتان ليستا نفس الفرض ولا نقيض الفرض الذي هو نتيجة القياس. فالقياس صحيح ولا مصادرة. وكون النتيجة مناقضة للفرض فهذا ليس من المصادرة في شيء. ونحن لم نستخدم هذه النتيجة في أي من المقدمات، بل مشينا في المقدمات مشياً صحيحاً فظهرت لنا نتيجة تناقض الفرض، فعرفنا أن الفرض محال.
وأرجو أن يكون هذا الكلام واضحاً مبيناً، ويحل الإشكالات التي عندك. وأريد أن أذكرك أن أصل كلامك كان في أن هذا البرهان يحتقر من لهم أدنى معرفة بالعلوم الرياضية....إلخ والآن الكلام قد اختلف. وعلى أي حال فقد أجبنا عن جميع ما أثرته من إشكالات. والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين



رد مع اقتباس