النتائج 1 إلى 15 من 42

الموضوع: لماذا نزول الله على حقيقته و ظاهره؟؟!!

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    710

    بقية الرد

    و قال الإمام الماوردي في "النكت والعيون":
    {فإن قيل : الله أعلم بالأشياء قبل كونها ، فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟ قيل : في قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } أربعة تأويلات :
    أحدها : يعني إلا ليعلم رسولي ، وحزبي ، وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه ، كما قالوا : فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا .
    والثاني : أن قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى : إلا لنرى ، والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كما قال تعالى { ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ } [ الفيل : 1 ] يعني : ألم تعلم .
    والثالث : قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم ، فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها .
    والرابع : أن قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، وهذا قول ابن عباس .}اهـ.

    و قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير و التنوير":
    {..وجعْلُ علم الله تعالى بمن يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه علةَ هذين التشريعين يقتضي أن يحصل في مستقبل الزمان من التشريع كما يقتضيه لام التعليل وتقدير "أن" بعد اللام و"أن" حرف استقبال، مع أن الله يعلم ذلك وهو ذاتي له لا يحدث ولا يتجدد، لكن المراد بالعلم هنا علم حصول ذلك وهو تعلق علمه بوقوع الشيء الذي علم في الأزل أنه سيقع فهذا تعلق خاص وهو حادث لأنه كالتعلق التنجيزي للإرادة والقدرة وإن أغفل المتكلمون عدّه في تعلقات العلم.
    ولك أن تجعل قوله : { لنعلم من يتبع الرسول } كناية عن أن يعلم بذلك كل من لم يعلم على طريق الكناية الرمزية فيذكر علمه وهو يريد علم الناس كما قال إياس بن قبيصة الطائي:
    ... وأقَدْمتُ والْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بينَنَا لأَعْلَمَ مَنْ جُبَّاؤها مِن شُجاعِها ...
    أراد: ليظهر من جبانها من شجاعها فأعلمه أنا ويعلمه الناس؛ فجاء القرآن في هذه الآية ونظائرها على هذا الأسلوب ، ولك أن تجعله كناية عن الجزاء للمتبع والمنقلب كل بما يناسبه ولك أن تجعل ( نعلم ) مجازاً عن
    التحيز لنظهر للناس بقرينة كلمة ( مَنْ ) المسماة بمن الفصلية كما سماها ابن مالك وابن هشام وهي في الحقيقة من فروع معاني من الابتدائية كما استظهره صاحب «المغني» ، وهذا لا يريبك إشكال يذكرونه ، كيف يكون الجعل الحادث علة لحصول العلم القديم، إذ تبين لك أنه راجع لمعنى كنائي .}اهـ

    و قال رحمه الله أيضا في آية العنكبوت:{ { فليعلمن الله الذين صدقوا } تفريع على جملة { وهم لا يفتنون } ، أي يفتنون فيعلم الله الذين صدقوا منهم والكاذبين . والمفرّع هو علم الله الحاصل في المستقبل كما يقتضيه توكيد فعل العلم بنون التوكيد التي لا يؤكد بها المضارع إلا مستقبلاً . وهو تعلق بالمعلوم شبيه بالتعلق التنجيزي لصفتي الإرادة والقدرة وإن لم يسموه بهذا الاسم [...]لمّا كان علم الله بمن يكون إيمانه صادقاً عند الفتون ومن يكون إيمانه كاذباً بهذين المعنيين متقرراً في الأزل من قبل أن يحصل الفتون والصدقُ والكذب تعيّن تأويل فعل { فليعلمن } بمعنى : فليعلمن بكذب إيمانهم بهذا المعنى ..}اهـ

    و قال الإمام ابن عطية في "المحرر الوجيز":
    {ومعنى قوله تعالى : { لنعلم } أي ليعلم رسولي والمؤمنون به ، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته ، وهذا شائع في كلام العرب كما تقول : فتح عمر العراق وجبى خراجها ، وإنما فعل ذلك جنده وأتباعه ، فهذا وجه التجوّز إذا ورد علم الله تعالى بلفظ استقبال لأنه قديم لم يزل ، ووجه آخر : وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك ، والله تعالى متصف في كل ذلك بأنه يعلم ، فأراد بقوله { لنعلم } ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة والمعصية ، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب ، فليس معنى { لنعلم } لنبتدىء العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجوداً ..}اهـ

    و قد نقلت سابقا كلام إمام أهل الغة والتفسير أبي الحيان الأندلسي في تفسيره "البحر المحيط" ، و هو ممن قال فيهم الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(7/250):
    {ويمكن أن نذكر في كل طبقة بعد ذلك أئمة على هذا النمط، إلى زماننا، فرأس المحدثين اليوم أبو الحجاج القضاعي المزي، ورأس الفقهاء القاضي شرف الدين البارزي، ورأس المقرئين جماعة، و رأس العربية أبو حيان الأندلسي، ورأس العباد الشيخ علي الواسطي، ففي الناس بقايا خير، ولله الحمد..}اهـ

    و قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (2/125):
    {..قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره على غير ذلك وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم وكان كثير النظم من الأشعار والموشحات وكان ثبتاً فيما ينقله عارفاً باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يذكر أحد في أقطار الأرض فيهما غيره وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم وخصوصاً المغاربة وله التصانيف التي سارت في آفاق الأرض واشتهرت في حياته وأقرأ الناس قديماً وحديثاً حتى ألحق الصغار بالكبار وصارت تلامذته أئمة وأشياخاً وهو الذي جسر الناس على قراءة كتب ابن مالك ورغبهم فيها وشرح لهم غامضها..}اهـ

    هذه بعض نصوص أئمة التفسير التي تقول إن الآية و مثيلاتها مؤوّلة على معنى مجازي لائق بالله تعالى و ليست على ظاهرها حتما، و هي غير النصوص التي لم تقرأها في مقالتي الأولى لشدة تعصبك.
    و هؤلاء الأئمة لا يُذكر ابن عثيمين هذا حين يُذكرون ، و لا يقارن هو بهم أصلا باتفاق العقلاء و المجانين .
    فإن كان الذي قلتُه جهلا وتعاميا فقد وصفت هؤلاء الأئمة و غيرهم بذلك ، و يكفيك ذلك جهلا و تعالما و خزيا !!!

    و أقول: أنت لم تفهم- كما هو المتوقع منكم- صلب الموضوع و لب النقد الموجه إلى ابن عثيمين و من على شاكلته..فسأحاول إفهامك حتى ينتفع القراء إن شاء الله تعالى، فقد ابتلانا الله تعالى بقوم لهم قلوب لا يفقهون بها و أفئدة لا يعقلون بها كلامهم و لا كلام أئمتهم و سادتهم!!! و الله المستعان.
    أهل السنة يقولون: إن لفظ النزول في حديث النبي صلى الله عليه و سلم ليس على ظاهره و حقيقته اللغوية، و إن كان النبي صلى الله عليه و سلم أضافه إلى ربه سبحانه. فاللفظ مضاف إلى الله تعالى و لكن المقصود به غيره سبحانه كملائكته أو استجابته و رحمته.
    فيعترض عليهم المجسمة خذلهم الله تعالى قائلين: لو كان المقصود من اللفظ غير الله مع أنه مضاف إليه في كلام النبي صلى الله عليه و سلم للزمكم أن تنسبوا النبي إما إلى العي و عدم الفصاحة لأنه أضاف اللفظ إلى غير الموصوف به، و إما إلى الجهل بربه لأنه لم يعلم المقصود من اللفظ إذ لو علمه لأضافه إلى مستحقه، و إما إلى الغش و عدم النصح لأنه يعلم المقصود باللفظ لكنه أضافه إلى غيره تعمية و لو أراد النصح لأبان و لنسب الوصف إلى الموصوف به لا إلى غيره كما هنا.
    هذا اعتراض المجسمة على كلام أئمة السنة رضي الله عنهم !!! فهل هذا اعتراض عالم أم جاهل ؟؟ .. عند أئمة أهل السنة هذا اعتراض من لا صلة له بالعلم أصلا !!! فضلا عن أنه اعتراض من لا يستحي من نسبة أئمة أهل السنة ساداته -و من هو عالة عليهم و لا يصلح أن يكون طالب علم عندهم- إلى أشنع الأوصاف كهذه التي حكيناها عنه.
    لماذا ؟؟ لأن كل مبتدئ في العلوم يعلم من أئمة اللغة و الشروح و التفسير- أن إضافة فعل أو صفة إلى شيء لا تعني بالضرورة أن المقصود بها ذلك الشيء الذي أضيفت إليه، بل جائز أن يضاف فعل إلى غير فاعله الحقيقي و أن يضاف وصف إلى غير الموصوف به حقيقة . و لكي أدلل على ذلك-بمثال واحد من بين ألوفها- ذكرت آية البقرة التي فيها (إلا لنعلم من يتبع الرسول) حيث أن الفعل المستقبل أضيف إلى الرب سبحانه و لكن المقصود غيره سبحانه كما نص عليه المفسرون الذين ذكرت نصوصهم رحمهم الله تعالى و نفعنا بهم.

    يتبع..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    710

    الرد 2

    فقد قال الإمام الطبري سيد المفسرين و هو من السلف رحمه الله-:{..إن قال: فما معنى ذلك؟ قيل له : أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:"إلا لنعلم"، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤهُ من حزبه، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس، ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم:"فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق، وجَبى خَرَاجها"، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني... فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.
    وقد حكي عن العرب سماعًا:
    "أجوع في غَيْر بَطني، وأعرى في غير ظهْري"، يعنى: جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم، فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي
    .}اهـ كلامه رحمه الله تعالى.

    فهذا دليل واضح صريح على أن إضافة فعل أو صفة إلى شيء يمكن أن يكون المقصود بها غير الذي أضيفت إليه بل غيره ممن له علاقة به. فقد أضاف الله تعالى العلم إلى نفسه و المقصود غيره و هم أولياؤه و حزبه و رسوله صلى الله عليه و سلم.
    فهل يستطيع المجسم أن يطرد قاعدته هنا كما في حديث النزول ؟؟؟ بالطبع لا .
    هل يستطيع أن يقول: ( إن الله هو الذي أضاف فعل العلم إلى نفسه، فمن جاء يقول ان المقصود غيره لا هو، فهو لا يخرج عن ثلاث خيارات: إما أن يقول ان الله عيي لا يعرف الإفصاح عن مقصوده حيث أضاف العلم إلى غير الموصوف به حقيقة؛ و إما أن الله جاهل لا يعلم الموصوف بالعلم و علمتموه أنتم دونه فلو علمه لأضاف الفعل إليه لا الى غيره؛ و إما أنه غاش للناس غير ناصح لهم و لو نصح لما عمّى عليهم بإضافة الفعل إلى غير فاعله) !!!!!!!
    هل يستطيع أحد من المجسمة أن يقول هذا الكلام الفارغ المتهافت ليفتضح هو و عصابته ؟؟؟
    إذن فقد تبين أن اعتراض المجسم على أهل السنة حين قالوا ان النزول مضاف الى الله تعالى و لكن المقصود غيره ، اعتراض جاهل بكلام العرب و بكلام أفصح العرب صلى الله عليه و سلم . ففي الحديث القدسي قول الله تعالى : (..مرضتُ فلم تعدني.. استطعمتك فلم تطعمني..استسقيتك فلم تسقني..). فهل يجرأ المجسم أن يقول: كل من يزعم " أن ألفاظ المرض و الاستطعام و الاستسقاء مضافة إلى الله تعالى و لكن المقصود بها غيره" فيلزمه تلك الجهالات الثلاث المذكورة سابقا؟؟؟؟؟؟!!!!!
    يا أخ جانجو .. هل فهمت ما قلناه ؟؟ أتمنى ذلك ..و أتمنى أن تكون عرفت قيمة كلام ابن عثيمين.. فلو كان طالب علم لاستحيى من ذكر ذلك الاعتراض لظهور سقوطه و تهافته ، و لو أنه قال مثلا ان حمل النزول على ظاهره واجب لأن السلف أجمعوا عليه ، لكان لنا معه كلام آخر و لما شنّعنا عليه بمثل هذا ..

    أما المثال الذي تقول فيه ان سياق الكلام يدل على أن ظاهر المعنى مختلف من متكلم الى آخر.. فأقول: يا أخي قد بينت لك أوّلا مصبّ نقدي و اعتراضي على ابن عثيمين، فإن كنت توافقه على كلامه ذاك فهنيئا لك بالعلم و أهله !!!!!
    ثانيا: قولك أن الآية على ظاهرها، مخالف لكلام أئمة اللغة والتفسير فلا عبرة به أصلا.
    ثالثا: الظاهر من كلامك و أمثلتك أنك تقول: العلم مضاف إلى الله في صيغة الاستقبال و الاشتراط و لكن المقصود أن يعلم غيره لا هو، إذ هو عالم منذ الأزل، كما أن المتحدي لسامي يقول له: هيا لنعلم النتيجة..و المقصود: لتعلم أنت يا سامي النتيجة.
    فأقول: إذن إضافة لفظ العلم إلى الله تعالى ليس المقصود بها هو سبحانه بل غيره ، أي ليعلم الناس لا ليعلم هو بعد جهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فأنت تردّ بهذا على ابن عثيمين الذي يزعم أن اللفظ إذا أضيف إلى أحد فليس المقصود غيره و إلا لزمت-عنده- تلك الشناعات الثلاث التي قالها عن حديث النزول . و هذا مربط الفرس و صلب الموضوع. فافهم!!
    أما زعمك مع ذلك- أن اللفظ على ظاهره و ليس مؤوّلا و إن قلنا ان المقصود غير من أضيف اللفظ إليه ، فهذا أتاك من جهلك و تقليدك لشيوخ التلبيس و التضليل هؤلاء !!! و المثالان اللذان ذكرتهما و تعليقك عليهما يدلان على ذلك..
    فالمثال الأول فيه أن المتحدي العارف يقول : هيا افعل كذا لنعلم كذا.. فتقول أنت: ان سياق الكلام و حال المتكلم يجعلنا نحكم بأن ظاهر كلامه معناه أنه يعلم و إن قال : لنعلم. بخلاف المثال الثاني الذي يطلب فيه الجاهل بحال الشخصين أن يتسابقا ليعرف ما يجهله، فظاهر كلامه من السياق و الحال يلزمنا أن نقول انه لا يعرف الأمر حقا.
    أقول: يا هذا أما علّمك الجهلة الذين تقلدهم أن سياق الكلام وسباقه و حال المتكلم و المخاطب و حقيقتهما و غرضهما، هي من القرائن التي تجعل السامع يُخرج الألفاظ عن ظاهرها وحقيقتها اللغوية إلى مآلاتها المجازية اللائقة بتلك القرائن و الحقائق ؟؟؟؟!!!!
    قال الإمام السيوطي في المزهر في اللغة:
    { وقال الإمام [الرازي] وأتباعه: الفرقُ بين الحقيقة والمجاز إما أن يقعَ بالتنصيص أو بالاستدلال. أمَّا التَّنصيصُ فمن وجهين: أحدهما - أن يقول الواضِعُ: هذا حقيقةٌ وذاك مجاز، أو يقول ذلك أئمةُ اللغة، قال الصفي الهندي: لأن الظاهرَ أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة. والثاني - أن يقول الواضعُ هذا حقيقة، أو هذا مجاز؛ فيثبت بهذا أحدهما، وهو ما نصّ عليه.
    وأما الاستدلال فبالعلامات؛ فمن علامات الحقيقة تبادرُ الذّهن إلى فَهم المعنى، والعَراء عن القرينة، أي إذا سمعنا أهل اللغة يعبِّرون عن معنى واحد بعبارتين، ويستعملون إحداهما بقرينة دون الأخرى؛ فنعرفُ أن اللفظَ حقيقةٌ في المستعملة بدون القرينة؛ لأنه لولا استقرار أنفسهم على تعيّن ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوَضْع لم يقتصروا عادة.
    ومنْ علامات المجاز: إطلاقُ اللفظ على ما يستحيل تَعَلُّقه به(كقول الله تعالى: فاسأل القرية)، واستعمال اللفظ في المعنى المنسيّ كاستعمال لفظ الدابَّة في الحمار، فإنه موضوع في اللغة لكل ما يدبّ على الأرض
    ..} اهـ

    و قال إمام اللغة عبد القاهر الجرجاني في "أسرار البلاغة" في باب "الحذف والزيادة"من كتاب "الحقيقة والمجاز" :
    {واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز لنقلك لها عن معناها، كما مضى، فقد توصف به لنقلها عن حُكمٍ كان لها، إلى حُكْمٍ ليس هو بحقيقة فيها، ومثالُ ذلك أن المضاف إليه يكتسي إعرابَ المضافِ في نحو: " وَاسْئَلِ القَرْيَةَ " " يوسف: 82 " ، والأصل: واسئل أهل القرية، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة هو الجرُّ، والنصبُ فيها مجازٌ. وهكذا قولهم: بنو فلانٍ تَطَؤُهم الطريقُ، يريدون أهلَ الطريق، الرَّفع في الطريق مجاز، لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف الذي هو الأهل، والذي يستحقّه في أصله هو الجرُّ[...]ومما يجب ضبطه هنا أيضاً: أن الكلام إذا امتنعَ حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقديرِ حذفٍ، أو إسقاطِ مذكورٍ، كان على وجهين: أحدهما: أن يكون امتناع تركه على ظاهره، لأمرٍ يرجع إلى غرض المتكلم، ومثاله الآيتان المتقدم تلاوتهما[أي "و اسأل القرية" و "ليس كمثله شيء"] و الوجه الثاني: أن يكون امتناعُ تَركِ الكلام على ظاهره، ولزومِ الحكم بحذفٍ أو زيادةٍ، من أجل الكلام نفسِه، لا من حيث غَرَض المتكلم به، وذلك مثل أن يكون لمحذوف أحدَ جزءي الجملة، كالمبتدأ في نحو قوله تعالى: " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ " " يوسف: 18 - 83 " ، وقوله: " مَتَاعٌ قَلِيلٌ " " النحل: 117 " ، لابُدَّ من تقدير محذوف، ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه، سواءٌ كان في التنزيل أو في غيره، فإذا نظرتَ إلى: صَبْرٌ جميلٌ في قول الشاعر:ف أحدَ جزءي الجملة، كالمبتدأ في نحو قوله تعالى: " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ " " يوسف: 18 - 83 " ، وقوله: " مَتَاعٌ قَلِيلٌ " " النحل: 117 " ، لابُدَّ من تقدير محذوف، ولا سبيل إلى أن يكون له معنى دونه، سواءٌ كان في التنزيل أو في غيره..}اهـ

    و قال الإمام السكاكي في "مفتاح العلوم":
    {وأما المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة على نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع..}اهـ

    يتبع..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    710

    آخر الرد

    و قال الإمام القزويني في "الايضاح":
    {..وأما المجاز فهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل.
    وللفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب فإسناده إلى الفاعل إذا كان مبنياً له حقيقة كما مر وكذا إلى المفعول إذا كان مبنياً له. وقولنا ما هو له يشملها، وإسنادها إلى غيرهما لمضاهاته لما هو له في ملابسة الفعل: مجاز، كقولهم في المفعول به: " عيشة راضية " و " ماء دافق " وفي عكسه سيل مفعم، وفي المصدر شعر شاعر، وفي الزمان نهاره صائم وليله قائم، وفي المكان طريق سائر ونهر جار، وفي السبب: بنى الأمير المدينة، وقال: إذا رد عافي القدر من يستعيرها
    ولا بد له من قرينة إما لفظية - كما سبق في قول أبي النجم - أو غير لفظية كاستحالة صدور المسند من المسند إليه المذكور أو[استحالة] قيامه به عقلاً كقولك: محبتك جاءت بي إليك، أو عادة كقولك: هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة وبنى الوزير القصر، وكصدور الكلام من الموحّد في مثل قوله: أشاب الصغير.. البيت..}اهـ

    فهذا كلام أئمة اللغة مصرّح بأن حال المتكلم و غرضه و حقيقة المتكلَّم عنه و سياق الكلام و سباقه هي من القرائن والعلامات الحاكمة على السامع بأن يُخرج الكلام عن ظاهره و حقيقته اللغوية إلى مجازات لائقة بتلك القرائن و الأحوال.

    فقول الله تعالى مثلا: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) إذا رأينا سياقها و حقائق كلماتها و المتكلمين بها حَمَلنا ذلك على تأويل الألفاظ فيها وحملها على مجازاتها اللائقة بسبب تلك القرائن والأحوال ، فنقول معنى الآية: واسأل أهل القرية لا القرية، لأنا نعلم من حال القرية و من حقيقة السؤال و من سياق الكلام و حقيقة المتكلم به و هم أبناء يعقوب أن المقصود سؤال أهل القرية ، و ذلك يسمى مجاز الحذف كما في قوله تعالى (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) أي أتاهم عذاب الله حذفت "عذاب" لشدة التهويل و التعظيم و التخويف فإن الله تعالى لم يذهب إلى بني النضير في المدينة بل جاءهم المسلمون فأجلوهم و قتلوا منهم.و الله تعالى أصلا لا يليق به ظاهر الإتيان أي الانتقال و الحركة كالمخلوقات تعالى اللرب عن ذلك علوا كبيرا.
    و كقول الله تعالى مثلا : ( ..بين يدي عذاب أليم) يفهم منها العربي أن النذير مؤذن بالعذاب فكأنما العذاب أمامه و النذير خلف العذاب، لما أنا عرفنا من حال المتكلم و حقيقة العذاب أن ظاهر لفظ اليد و هو العضو و الجارحة من الجسم- لا تليق بالعذاب و لا تجوز عليه أصلا فكان لزاما تأويلها على معنى مجازي لائق بالمتكلم و المتكلَّم عنه.
    و القرآن العظيم و السنة النبوية مملوآن بهذه المجازات، بل إعجازها وفصاحتها إنما جاء أساسا من ذلك ...فتعلّم قبل أن تتكلم..
    فحال المتحدي العارف بما في الظرف (و ليس المظروف!!!) و تحديه للمنكر عليه، هما من القرائن و العلامات التي تجعلنا نحكم على كلامه بأنه ليس على ظاهره و ذلك قوله: "هيا لنعلم كذا.."، فلا يفهم السامع من كلامه أنه جاهل بما في الظرف، من أجل أن السامع يعلم حال المتحدي، و تلك قرينة و علامة له تجعله يؤوّل ظاهر كلامه قائلا: هذا المتحدي عارف بما في الظرف و هذه قرينة كافية لأقول ان قوله:"هيا لنعلم" مضافة إليه و لكن مقصوده غيره لا محالة ..
    و هذا تأويل للكلام بسبب القرينة الصارفة عن الظاهر المخالف لتلك الحال المعلومة للسامع.
    فقولك (ان تلك القرائن و الأحوال هي التي جعلتني أفهم أن ظاهر كلامه هو علمه بالعدد و لكنه قصد التحدي و التظاهر بالجهل) .. هذا من أكبر القرائن و الأحوال و العلامات الدالة على جهلك بمعنى " الحمل على الظاهر و الحقيقة" و معنى "التأويل و الحمل على المجاز" و شروط كل منهما .. بسبب تقليدك الأعمى لأولئك العميان المكفّرين لأمة النبي صلى الله عليه و سلم ..
    يا أخي..ظاهر الكلام هو المتبادر منه الذي لا يحتاج إلى قرائن وأحوال لفهمه بعكس المؤوّل أو المجازي، فكيف-بربك- لا تستحي من قلب الأمور على هواك و هوى شيوخك ؟؟؟؟!!!
    تقول ان المثال الأول فهمتَ من ظاهر كلام المتحدي فيه أنه يعلم الأمر، بسبب تلك الأحوال و القرائن..و في المثال الثاني أيضا تقول أنك فهمت من ظاهر الكلام أن السائل جاهل بالأمر، بسبب الأحوال والقرائن أيضا !!!! يا بني كيف يكون هذا بربك الذي خلقك ؟؟؟؟!!! الظاهر من لفظ "لنعلم" في الأول هو العلم بالأمر ، و الظاهر أيضا من لفظ "لنعلم" في الثاني هو الجهل بالأمر ؟؟؟!!
    يا أخي.. "الظاهر" هو المعنى الحقيقي المتبادر أو الموضوع أوّلا للفظ، كقولك: هذا أسد..
    ظاهر لفظ "أسد" أي حقيقته اللغوية: هو الحيوان المعروف، و يطلق مجازا أي بتأويل- على الرجل الشجاع، إذا كانت هنالك قرائن تصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر .
    فلو فرضنا شخصين يقولان: هذا أسد.. و رأينا الأول في حديقة الحيوانات يشير إلى الحيوان المسمى بذلك الإسم، فسنفهم أن لفظه على ظاهره المتعارف المتبادر، لأن ذلك هو الأصل و ليس هنالك قرينة تجعلنا نخرج عن الأصل أي الظاهر.
    و رأينا الثاني يشير إلى رجل مجاهد في الحرب و يقول : هذا أسد.. فسنفهم أن ظاهر اللفظ غير مقصود له بل استعار لفظ الأسد لهذا الرجل لأجل اشتراكهما في الشجاعة، فلمبالغته في وصفه بها سمّاه أسدا ، و لكن العلامات تدل على أنه أراد معنى مجازيا لا حقيقيا .
    فلفظ "أسد" في الكلام الأول على ظاهره أي أصله اللغوي المتعارف، و لكنه في الكلام الثاني مصروف عن ظاهره بل مؤوّل بمعنى مجازي معروف.
    فلا يقول -مجنون فضلا عن عاقل- ان اللفظ على ظاهره في المثالين و عند الشخصين!!!!
    و كذلك لفظ "لنعلم" فهو في ظاهره أي في أصله اللغوي إنما هو دال على علم مستقبلي معلول لأمر ما ، و لكن قد يراد به مجازا- معنى آخر غير معناه الظاهر المتبادر منه إذا احتفت به القرائن الصارفة له عن ذلك الظاهر الأصلي. فالأصل في كلمات اللغة أنها تحمل على ظاهرها أي حقيقتها اللغوية ، و لكنها تصرف عن ذلك الظاهر و الحقيقة لقرينة مانعة منها. و هذا يعلمه المبتدؤون ..
    فأنت أخي تؤوّل ثم تزعم جاهلا أنك تحمل على الظاهر.. فإن كان الكلام في الحالتين المتناقضتين على ظاهره و حقيقته، فمتى يكون مجازا مؤوّلا ؟؟؟؟؟!!!!
    و أنا أعذرك .. لأن شيوخ التضليل و التلبيس و التجهيل أولئك يقعون في مثل هذه الجهالات فكيف بك أنت المقلد الأعمى ؟؟!!
    و لكن كيف يُعذر من أعرض عن كلام أئمة و سادات أهل السنة من الحفاظ و الشراح و المفسرين و الفقهاء والمتكلمين و القراء و اللغويين ، و قدّم عليه نكرات مجاهيل من الخوارج المكفّرين لأكثر الموحّدين من خير أمة أخرجت للناس ؟؟؟!!!

    أسأل الله تعالى بجوده و كرمه و رحمته و بحق و جاه سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلم أن يكفي المسلمين شر هذه الفتنة و دعاتها و أن يردّ إليه ضال هذه الأمة المعصومة أمة حبيبه و خليله و مصطفاه عليه أفضل صلاة و سلام و أزكاه..
    و الله تعالى أعلم وأحكم .. و الحمد لله رب العالمين..
    التعديل الأخير تم بواسطة سليم حمودة الحداد ; 18-02-2007 الساعة 00:22

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •