و قال الإمام الماوردي في "النكت والعيون":
{فإن قيل : الله أعلم بالأشياء قبل كونها ، فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟ قيل : في قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } أربعة تأويلات :
أحدها : يعني إلا ليعلم رسولي ، وحزبي ، وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه ، كما قالوا : فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا .
والثاني : أن قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى : إلا لنرى ، والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كما قال تعالى { ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ } [ الفيل : 1 ] يعني : ألم تعلم .
والثالث : قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم ، فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها .
والرابع : أن قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، وهذا قول ابن عباس .}اهـ.
و قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير و التنوير":
{..وجعْلُ علم الله تعالى بمن يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه علةَ هذين التشريعين يقتضي أن يحصل في مستقبل الزمان من التشريع كما يقتضيه لام التعليل وتقدير "أن" بعد اللام و"أن" حرف استقبال، مع أن الله يعلم ذلك وهو ذاتي له لا يحدث ولا يتجدد، لكن المراد بالعلم هنا علم حصول ذلك وهو تعلق علمه بوقوع الشيء الذي علم في الأزل أنه سيقع فهذا تعلق خاص وهو حادث لأنه كالتعلق التنجيزي للإرادة والقدرة وإن أغفل المتكلمون عدّه في تعلقات العلم.
ولك أن تجعل قوله : { لنعلم من يتبع الرسول } كناية عن أن يعلم بذلك كل من لم يعلم على طريق الكناية الرمزية فيذكر علمه وهو يريد علم الناس كما قال إياس بن قبيصة الطائي:
... وأقَدْمتُ والْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بينَنَا لأَعْلَمَ مَنْ جُبَّاؤها مِن شُجاعِها ...
أراد: ليظهر من جبانها من شجاعها فأعلمه أنا ويعلمه الناس؛ فجاء القرآن في هذه الآية ونظائرها على هذا الأسلوب ، ولك أن تجعله كناية عن الجزاء للمتبع والمنقلب كل بما يناسبه ولك أن تجعل ( نعلم ) مجازاً عن التحيز لنظهر للناس بقرينة كلمة ( مَنْ ) المسماة بمن الفصلية كما سماها ابن مالك وابن هشام وهي في الحقيقة من فروع معاني من الابتدائية كما استظهره صاحب «المغني» ، وهذا لا يريبك إشكال يذكرونه ، كيف يكون الجعل الحادث علة لحصول العلم القديم، إذ تبين لك أنه راجع لمعنى كنائي .}اهـ
و قال رحمه الله أيضا في آية العنكبوت:{ { فليعلمن الله الذين صدقوا } تفريع على جملة { وهم لا يفتنون } ، أي يفتنون فيعلم الله الذين صدقوا منهم والكاذبين . والمفرّع هو علم الله الحاصل في المستقبل كما يقتضيه توكيد فعل العلم بنون التوكيد التي لا يؤكد بها المضارع إلا مستقبلاً . وهو تعلق بالمعلوم شبيه بالتعلق التنجيزي لصفتي الإرادة والقدرة وإن لم يسموه بهذا الاسم [...]لمّا كان علم الله بمن يكون إيمانه صادقاً عند الفتون ومن يكون إيمانه كاذباً بهذين المعنيين متقرراً في الأزل من قبل أن يحصل الفتون والصدقُ والكذب تعيّن تأويل فعل { فليعلمن } بمعنى : فليعلمن بكذب إيمانهم بهذا المعنى ..}اهـ
و قال الإمام ابن عطية في "المحرر الوجيز":
{ومعنى قوله تعالى : { لنعلم } أي ليعلم رسولي والمؤمنون به ، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته ، وهذا شائع في كلام العرب كما تقول : فتح عمر العراق وجبى خراجها ، وإنما فعل ذلك جنده وأتباعه ، فهذا وجه التجوّز إذا ورد علم الله تعالى بلفظ استقبال لأنه قديم لم يزل ، ووجه آخر : وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك ، والله تعالى متصف في كل ذلك بأنه يعلم ، فأراد بقوله { لنعلم } ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة والمعصية ، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب ، فليس معنى { لنعلم } لنبتدىء العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجوداً ..}اهـ
و قد نقلت سابقا كلام إمام أهل الغة والتفسير أبي الحيان الأندلسي في تفسيره "البحر المحيط" ، و هو ممن قال فيهم الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(7/250):
{ويمكن أن نذكر في كل طبقة بعد ذلك أئمة على هذا النمط، إلى زماننا، فرأس المحدثين اليوم أبو الحجاج القضاعي المزي، ورأس الفقهاء القاضي شرف الدين البارزي، ورأس المقرئين جماعة، و رأس العربية أبو حيان الأندلسي، ورأس العباد الشيخ علي الواسطي، ففي الناس بقايا خير، ولله الحمد..}اهـ
و قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (2/125):
{..قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره على غير ذلك وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم وكان كثير النظم من الأشعار والموشحات وكان ثبتاً فيما ينقله عارفاً باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يذكر أحد في أقطار الأرض فيهما غيره وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم وخصوصاً المغاربة وله التصانيف التي سارت في آفاق الأرض واشتهرت في حياته وأقرأ الناس قديماً وحديثاً حتى ألحق الصغار بالكبار وصارت تلامذته أئمة وأشياخاً وهو الذي جسر الناس على قراءة كتب ابن مالك ورغبهم فيها وشرح لهم غامضها..}اهـ
هذه بعض نصوص أئمة التفسير التي تقول إن الآية و مثيلاتها مؤوّلة على معنى مجازي لائق بالله تعالى و ليست على ظاهرها حتما، و هي غير النصوص التي لم تقرأها في مقالتي الأولى لشدة تعصبك.
و هؤلاء الأئمة لا يُذكر ابن عثيمين هذا حين يُذكرون ، و لا يقارن هو بهم أصلا باتفاق العقلاء و المجانين .
فإن كان الذي قلتُه جهلا وتعاميا فقد وصفت هؤلاء الأئمة و غيرهم بذلك ، و يكفيك ذلك جهلا و تعالما و خزيا !!!
و أقول: أنت لم تفهم- كما هو المتوقع منكم- صلب الموضوع و لب النقد الموجه إلى ابن عثيمين و من على شاكلته..فسأحاول إفهامك حتى ينتفع القراء إن شاء الله تعالى، فقد ابتلانا الله تعالى بقوم لهم قلوب لا يفقهون بها و أفئدة لا يعقلون بها كلامهم و لا كلام أئمتهم و سادتهم!!! و الله المستعان.
أهل السنة يقولون: إن لفظ النزول في حديث النبي صلى الله عليه و سلم ليس على ظاهره و حقيقته اللغوية، و إن كان النبي صلى الله عليه و سلم أضافه إلى ربه سبحانه. فاللفظ مضاف إلى الله تعالى و لكن المقصود به غيره سبحانه كملائكته أو استجابته و رحمته.
فيعترض عليهم المجسمة خذلهم الله تعالى قائلين: لو كان المقصود من اللفظ غير الله مع أنه مضاف إليه في كلام النبي صلى الله عليه و سلم للزمكم أن تنسبوا النبي إما إلى العي و عدم الفصاحة لأنه أضاف اللفظ إلى غير الموصوف به، و إما إلى الجهل بربه لأنه لم يعلم المقصود من اللفظ إذ لو علمه لأضافه إلى مستحقه، و إما إلى الغش و عدم النصح لأنه يعلم المقصود باللفظ لكنه أضافه إلى غيره تعمية و لو أراد النصح لأبان و لنسب الوصف إلى الموصوف به لا إلى غيره كما هنا.
هذا اعتراض المجسمة على كلام أئمة السنة رضي الله عنهم !!! فهل هذا اعتراض عالم أم جاهل ؟؟ .. عند أئمة أهل السنة هذا اعتراض من لا صلة له بالعلم أصلا !!! فضلا عن أنه اعتراض من لا يستحي من نسبة أئمة أهل السنة ساداته -و من هو عالة عليهم و لا يصلح أن يكون طالب علم عندهم- إلى أشنع الأوصاف كهذه التي حكيناها عنه.
لماذا ؟؟ لأن كل مبتدئ في العلوم يعلم من أئمة اللغة و الشروح و التفسير- أن إضافة فعل أو صفة إلى شيء لا تعني بالضرورة أن المقصود بها ذلك الشيء الذي أضيفت إليه، بل جائز أن يضاف فعل إلى غير فاعله الحقيقي و أن يضاف وصف إلى غير الموصوف به حقيقة . و لكي أدلل على ذلك-بمثال واحد من بين ألوفها- ذكرت آية البقرة التي فيها (إلا لنعلم من يتبع الرسول) حيث أن الفعل المستقبل أضيف إلى الرب سبحانه و لكن المقصود غيره سبحانه كما نص عليه المفسرون الذين ذكرت نصوصهم رحمهم الله تعالى و نفعنا بهم.
يتبع..




رد مع اقتباس
. و هذا مربط الفرس و صلب الموضوع. فافهم!!