المقدمة الثالثة
في صحة التفسير بالرأي ومعناه
لم تتسع التفاسير وتتفنن مستنبطات معاني القرآن وتتعدد جهاته في الفقه والأحكام ‏التشريعية والتوحيد ومقاصد السور والقواعد الكلية، إلا بما رزقه الذين أوتوا العلم من ‏فهم في كتاب الله. ‏
شرط التفسير الصحيح كما قال الطيبي في حاشيته على الكشاف: أن يكون مطابقا للفظ من ‏حيث الاستعمال، سليما من التكلف عريا عن التعسف. ‏
ولو كان التفسير مقصورا على معاني مفردات القرآن، لكان نزرا. ‏
وليس كل ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن منقولا عن النبي عليه الصلاة ‏والسلام، لأنه لم يثبت عنه عليه السلام إلا تفسير آيات قليلة، ولاختلافهم في وجوه ‏التفسير. فأكثر ما ورد عنهم استنباط برأيهم وعلمهم. ‏
وأما ما ورد مما ينافي ظاهره التفسير بالرأي، من نحو ما رواه الترمذي عن ابن عباس أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، وفي ‏رواية "بغير علم"، وما رواه أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام ‏قال:"من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".‏
فالجواب عنه من وجوه: ‏
الأول: المراد بالرأي القول عن مجرد الخاطر دون استناد إلى نظر في الوسائل وآليات التفسير ‏ومقاصد الشريعة وتصاريفها ومعرفة الناسخ والمنسوخ ونحو ذلك. ‏
الثاني: أن لا يتدبر القرآن حق تدبره فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب ‏الآية ومواد التفسير مقتصرا على بعض الأدلة دون بعض. ‏
الثالث: أن يجر الآية إلى مذهبه أو نزعته التي ينزع إليها، ويصرفها عن المراد منها بحسب ‏ظواهر الأدلة والقوانين التفسيرية. ‏
الرابع: أن يزعم أن ما ظهر له لا يمكن أن يفهم غيره من الآية، وفي هذا تحجير بلا دليل. ‏
الخامس: أن يحمل ذلك التحذير الوارد في الأحاديث والآثار على وجوب الحرص والتدبر، ‏وعدم التسرع في التأويل.‏
فالجمود على ما يسمى بالمأثور مبناه عدم ضبط هذه المعاني، فضلا عن أن من قال بذلك لم ‏يضبط مراده بالمأثور وعمن يؤثر. فإن أرادوا الاقتصار على مجرد ما ورد عن النبي وصح ‏سنده، فقد ضيقوا واسعا، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه في التفاسير، وغلَّطوا سلفهم فيما ‏تأولوه.‏
وإن أضاوفا إلى لمأثور أقوال الصحابة وأصحابهم وتلاميذهم، فقد اضطروا إذن إلى إدراج ‏ما قاله هؤلاء برأيهم، فلا يمكنهم أن ينكروا أنهم اجتهدوا في التفسير برأيهم بحسب ‏علمهم.‏
وإذ أجزنا التفسير بالرأي بضوابطه، فإنا لا نجيز صرف ظواهر الألفاظ إلى ما يسمى ‏بالباطن، كغلاة الشيعة والإسماعيلية. وتأثر كثير منهم بقواعد الفلسفة الإشراقية ومذهب ‏التناسخ والحلولية، ومن طقوس اليهود والنصارى والأديان القديمة. فلا ضبط للباطن، ‏وسيؤدي ذلك إلى التعارض والتناقض في المعاني التي يقال بها، وتنسب إلى القرآن، ولا ‏خفاء لما في ذلك من مفاسد. ‏
أما إشارات الصوفية في بعض آيات القرآن فلا تجري مجرى التفسير، بل يعنون أن ما قالوا ‏يصلح للتمثيل بها في الغرض المتكلم فيه. فلذلك سمَّوها إشارات، فهي من باب التنبيهات ‏الملائمة لظاهر اللفظ أو سياقه. وإما أن يكون تمثيلا لحال شبيه بما تدل عليه الآية، أو من ‏باب التفاؤل بذكر معنى للكلمة يسبق من صورتها هو غير معناها المراد، كم قال في قوله ‏تعالى(من ذا الذي يشفع): أي من ذلَّ ذي، يريد النفسَ. وقد تكون من باب العبر والمواعظ. ‏
والاحتياط في نحو هذا واجب، ولا يصح أخذ قول القائل في التفسير إلا إذا توافرت فيه ‏شروط الضلاعة في العلوم التي سبق ذكرها. وقد تهافت الناس في تفسير القرآن، فمنهم من ‏يضع الآية ثم يركض في أساليب المقالات تاركا معنى الآية جانبا، جالبا من معاني الدعوة ‏والموعظة ما كان جالبا.فمن يركب متن عمياء فحق على أساطين العلم تقويم اعوجاجه، ‏وتمييز حلوه من أجاجه.



يتبع إن شاء الله....