وأخيرا نأتي إلى قضية الفرق بين كلام الله لموسى وكلامه لغيره ، وقد زعمت أن الفرق هو أن الله كلم موسى في الأرض ، والباقون إما وحيا أو كلمهم في السماء !!!!! .
فأقول لك :
1 ـ
قال تعالى : (( وكلم الله موسى تكليما )) ولم يقل في الأرض .
وقال تعالى : (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله )) ولم يقل في الأرض .وقال : (( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي )) ولم يقل في الأرض .
وفي الأثر الصحيح عن ابن عباس : أتعجبون أن موسى كليم الله ... ولم يقل في الأرض
وأجمعت الأمة أن موسى كليم الله ، من غير أن تقيد ذلك بالأرض ، فما يقوله أهل السنة مرتكز إلى قوله تعالى : (( بكلامي )) لاحظ الإضافة هنا ، لا دخل للأرض فيها ولا للسماء ، وغيرها من الآيات .
ففي هذه الدلائل وهذه الآيات يبين الله تعالى أن موسى مخصوص بنفس التكليم وذاته ، لا كون التكليم في الأرض ، وإلا لقيده ولو مرة واحدة ، فدل ذلك على أن التفضيل لم يكن مرجعه إلى مكان التكليم هل هو فوق أو تحت ، بل إلى نفس التكليم ، أي هو كلم ، وغيره لم يكلم ، وهذا مجمع عليه .
2 ـ لوكان التفضيل راجعا إلى المكان الذي حصل فيه التكليم ، لكان سر التفضيل وعظمته في المكان لا في ذات التكليم ، وهذا خلاف ما كليه المسلمون من كون مبنى التفضيل على التكليم دون التفات إلى شيء آخر .
3 ـ إرجاع الفضلية إلى مكان التكليم ـ مع كونه معارض للآيات مخالف لما دلت عليه النصوص من كون الفضيلة بسبب التكليم لا شيء آخر ـ مع هذا فلا فائدة في هذا التقييد أي كون التلكيم في الأرض أو في السماء ، لأن كلا المكانين مخلوق لله ، السماء مخلوقة ، والأرض مخلوقة ، ولا تفاضل بينهما من هذه الجهة ، ولا يعقل بناء الأفضلية على الأماكن المخلوقة .
4 ـ لو جاز رجوع التفاضل إلى مكان التكليم ، لكان المكلم في السماء أفضل من المكلم في الأرض ، لأن السماء أشرف من الأرض بالكتاب والسنة والإجماع ، وإلا لما عرج بالنبي إليها ولما أهبط منها آدم وحواء وإبليس ، والأرض فيها الكفر بالله ، ولو كانت تسوى عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ، وفيها النجاسات والقذارات وفيها وفيها بخلاف السماء ، والجنة التي كلم فيها آدم وحواء أشرف وأشرف ، فلو أنصفت لجعلت من كلم في السماء أو الجنة أشرف فيكون إبليس المكلم فيها أشرف !!!!! وهذا باطل كله فبطل ما أدى إليه وهو كون الأفضلية مرجعها إلى المكان .
5 ـ دعواك أنه لم يكلم في الأرض إلا موسى باطلة ، فقد كلم الله فيها كثيرين :
ـ (( يا نوح اهبط بسلام منا وبركات .. ))
ـ (( قال يا نوح إنه ليس من أهلك .. ))
ـ (( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا .. )) .
ـ (( وقلنا يا نار كوني بردا وسلاما .. ))
ـ (( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي .. ))
ـ (( قلنا يا ذا القرنين .. ))
ومع نداء الله لإبراهيم في الأرض فقد ثبت في الصحيح أن الناس يوم القيامة يستشفعون به فيحيلهم على موسى بحجة أنه عبد كلمه الله !!! .
6 ـ لا يشهد لكلامك آيو ولا سنة ولا أثر ، فما قال أحد أن المسألة متعلقة بالأرض ولا بالسماء من السف ، ولو كان ما قلته أنت حقا لوجد ذلك عن السلف .
فمن هذه الوجوه وغيرها بان أن الفرق الذي أبديته أنت لا شيء ، بل باطل بالكتاب والسنة والإجماع ، وأن هناك فرقا آخر غير ما ذكرت ، وتبين أن حقيقة مذهبك في أفضلية موسى لا ترتكز على الاختصاص بالتكليم ، بل بالأرض ، وإلا فالتكليم حاصل لكثيرين غيره حتى إبليس عدو الله ، وحواء التي ليست نبيا بل والناس جميعا وأنا وأنت في عالم الذر كما قال تعالى : (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى .. )) . فلا يرجع مذهبكم يفي تكليم موسى إلى دليل واضح عن السلف ، ولو أنك أردت شرح وإيضاح هذه المسألة على وجهها فلا مانع لدي في عنوان خاص بها لاحتياجها للبسط والإيضاح .