[ALIGN=JUSTIFY]تتمة مناقشة المقالة:
أشكرك أيتها الأخت الفاضلة على متابعتك لهذا الموضوع، ومراسلة الكاتب ثم الإتيان برده. فهذا يدل على حرصك على البحث عن الحق ومعرفة الصواب في هذا المبحث.
أريد أن أعلق هنا على بعض المواضع من كلامه لأبين فقط مقدار التزامه بالمنهج العلمي وهل يصح أن يكون كلامه معيارا للحق أم لا.
أولا: قال هذا الكاتب:" لأن العقل لا يمكن أن يعمل في المغيبات"اهـ
المغيبات اسم مأخوذ من الغيب ، والغيب ما غاب عن الحس، والمشاهدة.
ومن المغيبات وجود الله تعالى، وكونه قادرا، وكونه عالما، وكون قدرته متعلقة بجميع الممكنات، ومن المغيبات أيضا حقيقة ذاته وحقيقة صفاته.
والكاتب المحترم أطلق القول ههنا بأن العقل لا مدخلية له في المغيبات بشكل عام، بدون تخصيص.
والحق الذي لا شك فيه أن للعقل مدخلية في معرفة كون الله تعالى موجودات، وكونه قادرا، وكونه عالما.
وليس له مدخلية في العلم ببحقيقة الله تعالى وحقيقة صفاته، مثلا.
فالعقل له مدخلية في العلم ببعض المغيبات، وغير قادر على العلم بالبعض الآخر.
فإطلاق القول بنفي مدخلية العقل في المغيبات باطل إذن.
ثم قال هذا الكاتب :" ، وإذا فعل فلا سبيل إليه إلا من خلال المحسوس. وأفكار علم الكلام تخالف ذلك بشكل صريح، من هنا لا نستبعد أن تكون أفكاره بعيدة عن الواقع."اهـ
أقول: ومن قال لك إن المتكلمين أهملوا الحس مطلقا، فإنهم هم الذين قالوا إن الحس شرط التعقل، ولم يخصصوا ذلك بالحس الخارجي أو الحس الباطني. وهم الذين قالوا إن من فقد حسا فقد علما.
فمن أين علمت أن المتكلمين أنكروا مدخلية الحواس في التفكير، مطلقا.
ثم إن قولك :" وأفكار علم الكلام تخالف ذلك بشكل صريح، من هنا لا نستبعد أن تكون أفكاره بعيدة عن الواقع"اهـ
بعدما بينته لك، دليل على عدم علمك ولا معرفتك بعلم الكلام. فأنت نفيت كون علم الكلام يعتبر الحس بجهة من الجهات، والمتكلمون صرحوا بخلاف ذلك في متونهم التي يعملونها للصغار.
وأنت اعتمدت على مجرد عدم الاستبعاد في حكمك على كون أفكار علم الكلام بعيدة عن الواقع، وأنا لا أعرف أحدا من المفكرين الذين يعتدون بأنفسهم ويريدون أن يؤثروا في الناس من يعتمد على مجرد عدم الاستبعاد في بناء الأفكار!
ثانيا: وأما قول هذا الكاتب " فقد شنع عليهم اعتبار القواطع العقلية هي الأساس، فقد نقض ذلك ونقده نقداً شديداً معتبراً أن القول بأن السمع ليس قطعياً دونه خرط القتاد"اهـ
فإنما يدل فعلا على أنه لم يمسك كتابا لعلم الكلام ولا يدري آراء هؤلاء العلماء الكبار، فمن منهم أنكر أن يكون في المسموعات والمنقولات قطعيا، ألا يعرف هذا الكاتب أن علماء الكلام صرحوا بأن المنقول نوعان الأول آحاد والثاني متواتر، والمتواتر قطعي، ألا يعرف أيضا أنهم قالوا أن الآحاد إذا اقترنت به قرائن فإنه قد يفيد القطع.
إن هذا الكاتب متابع أمين لابن تيمية في اتهاماته للمتكلمين بشتى التهم التي لا تقوم على أساس.
ثالثا: أما كلام هذا الكاتب عن الضربتين !!! اللتين تلقاهما علم الكلام، الأولى من ابن تيمية والثانية من النبهاني.
فهذا نوع غلو ومكابرة.
فابن تيمية مات في القرن الثامن، وفكره هو الذي مات طوال هذه القرون الستة إلى القرن الماضي، ولم يزل علم الكلام هو المسيطر تاريخيا على أفكار العلماء طوال تلك الفترة، قبل ظهور ابن تيمية وبعد ظهوره، وبعد ظهور النبهاني. فإن كان فعلا ابن تيمية قد ضرب علم الكلام ضربة قوية لعلم الكلام، لكان الواجب أن يموت علم الكلام لا فكر ابن تيمية.
ولكن الذي حصل هو العكس فعلا.
إلا في القرن الماضي، حيث كان إحياء فكر ابن تيمية،وهو أصل للفكر الوهابي قد أحياه بعض الاتجاهات الاستعمارية وقد وضحت شيئا من ذلك في مقالة خاصة، وها هي الآن نفس تلك الدول الاستعمارية أو ورثتها تحاول التعديل من هذا الفكر وتحسينه ليكون تابعا مخلصا لها بعد أن أدى دوره المطلوب منه في ضرب كافة المذاهب الإسلامية الأخرى، بمعونة الثروات المالية الهائلة التي أنفقت عليه خلال كل السنين السابقة.
وقد نص على ذلك أيضا-أقصد علاقة الفكر والهابي بالاستعمار- حزب التحرير نفسه وعلى رأسه أتباع النبهاني الذي يستند إليه هذا الكاتب المحتار، والذي يختار عبارة من هنا وعبارة من هناك. ويبني أفكارا خاصة له ملتقطا إياها من مزارع شتى.
فيوجد إذن تناقض واضح بين كون ابن تيمية قد ضرب علم الكلام ضربة مؤلمة، وبين كون فكر ابن تيمية قد مات بعد ذلك لمدة ستة قرون إلى أن أحياه الغرباء عن هذه الأمة في القرن الماضي؟؟؟ وبين كون فكر ابن تيمية هو الأقوى وكونه على زعم هذا الكاتب هو الذي تبناه السلف على ما يفهم من كلامه. وكونه هو الموافق للعقل والذي يرتاح إليه القلب أيضا. فإذا كان علماء الأأمة المشهود لهم قد انصرفوا عن هذا الفكر بل هاجمه أكثرهم، وتغافل عنه الأكثرون ولم يلتفتوا إليه، فلم يؤثر في قلوبهم، ألا يلزم على ذلك أن أكثر علماء الأمة قد انحرفت قلوبهم عن ما هو الحق في نفسه وعن العقيدة الصحيحة طوال هذه القرون.
ترى هل يوافق الكاتب الفاضل على هذه النتيجة المحزنة؟!
وأنا قد وعدت أكثر من مرة بالكلام على فكر النبهاني، وسوف يكون ذلك قريبا، مع خالص احترامنا له ولمن اتبعه.
رابعا: والفقرة التي طالبت الأخت الكريمة بنقدها هي فعلا خطيرة وتحتوي على تهافتات فكرية مؤسفة، وها نحن نتكلم عليها ههنا.
قال الكاتب " الاعتماد على الواقع في التفكير، بدلاً من الخوض في فرضيات وتخيلات لا أساس لها. فالذين يقولون ـ مثلاً ـ إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، يمكن أن يقال لهم: وهو في العالم وخارجه معاً، أو مرة هنا ومرة هناك، أو في أي منها بشكل لا نتصوره. على أن هذا القول النظري ترد عليه إشكاليات، منها: أين الله قبل خلق العالم؟ هل كان أيضا لا داخل العالم ولا خارجه؟ وهذا القول هو باعتبار العالم فقط. كذلك من يقول إن الله لا تحده حدود، فبعد خلقه العالم ماذا حصل لهذا الواقع؟ كذلك القول بأنه قديم، هو باعتبار العالم، فهل الحكم مستمر قبل ذلك، والنسبة لا تكون إلا إليه؟
والمقصود أن التفكير في المغيبات ترد عليه إشكاليات كثيرة تبدو متناقضة، يهدم بعضها بعضاً؛ لأنها تفتقر إلى المرجعية. لهذا ليس من طريق سليم إلا الالتزام بنصوص الكتاب والسنة والعض عليها بالنواجذ."اهـ
فهو يريد أن يناقس عبارة لا داخل العالم ولا خارجه، ويريد أن يتخذ منها مثالا على التناقضات الفكرية التي يقع فيها المفكرون إذا قالوا بها نتيجة لتمسكهم بعلم الكلام، على زعمه.
فهو يفترض جوابا مقابل جوابهم فيقول:"يمكن أن يقال لهم: وهو في العالم وخارجه معاً، أو مرة هنا ومرة هناك، أو في أي منها بشكل لا نتصوره."اهـ
يعني يريد أن فرضا مقابل عبارة أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، فيقول لم لا يكون الله تعالى داخل العالم وخارجع معا؟؟!!
ولم لا يكون مرة داخل العالم ومرة خارجه؟؟!!
ولم لا يكون في أي منها بشكل لا نتصوره؟؟
وهو يرى إذن أن هذه الاحتمالات منطقية تماما كعبارة لا داخل العالم ولا خارجه.
فهل هذا صحيح أيها الكاتب الجهبذ، ومن هو معجب بأفكاره. هل ترى فعلا أن القول بكون الله تعالى مرة داخل العالم ومرة خارجه مساويا في احتمال الصواب لقولنا لا داخل العالم ولا خارجه؟؟
هل ترى تساوي احتمالات الصواب بين المقترحات الساذجة التي تقترحها وبين قولنا أنه لا داخل العالم ولا خارجه؟؟
أولا وقبل أن نستمر في هذا الكلام نبين باختصار ما معنى كون الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، لمن لا يعلم معناها أو يتنكر ظاهرها.
إن الله تعالى موجود. ووجوده لا يشترط فه أن يكون متحيزا، لا بحيز منفصل عنه، ولا يجوز أن يقال أيضا إن ذاته أيضا محدودة من جميع الجوانب كما يقوله ابن تيمية، وسائر المجسمة. ومعنى الحيز والمكان ههنا هو كون الذات متحيزة، أي تأخذ قدرا من الفراغ المتوهم فتحل فيه.
كما يعتقد بعض الناس أن العالم أو الكون عبارة عن فراغ لا نهائي، وأن العالم عبارة عن قدر معين من الأجسام، يحل من هذا الفراغ اللامتناهي في حيز معين. وهو تصور ساذج لحقيقة الوجود. وبناء على ذلك يقولون إن الله تعالى أيضا موجود في حيز آخر فوق هذا العالم. وبذلك ينتج أن الله تعالى محدود من جميع الجهات أو أن هذا منبن على ذاك ، والحاصل أن كلا من هذين القولين متلازمان.
إن من الواضح أن من يتصور الله تعالى محدودا متحيزا لذاته حد وقدر تنتهي إليه، فإن عقله لا يمكن أن يتصور الله تعالى إلا إما داخل العالم أو خارجة أو أحيانا داخله وأحيانا خارجه، كما قال هذا الكاتب المحترم!!!
ولكن من اعتقد بهذه العقيدة، فإنه قطعا مجسم يشبه الله تعالى بمخلوقاته. ووجه التشبيه هو وصفه بالتحيز والحدود، وغير ذلك مما لم يرد في نقل ولا يؤيده عقل، بل أتى النقل بما ينقضه وينفيه، كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) وغيرها.
فالحاصل أن التفكير الصحيح أيها الكاتب المحترم!! أن يقال، إن كان الله تعالى محدودا، فهو قطعا إما أن كون داخل العالم أو خارجه، أو مرة داخله ومرة خارجه.
ولكن إثبات كون الله تعالى متحيزا محدودا دونه خرط القتاد!!! فأين ورد أن لله تعالى حدا في الكتب والسنة، وما دليل العقل على ذلك، وهل يجرؤ الكاتب المحترم على التصريح بهذه العقيدة المخبوءة في فكره انتبه لذلك أو لم ينتبه؟؟
ترى هل نستطيع تجويز كون الله تعالى خارج العالم من دون أن نثبت أن الله تعالى محدود؟؟ وهل يمكن أن نثبت أن الله تعالى داخل العالم من دون أن نثبت أن الله تعالى محدود كذلك.
أليس المحددودية ههنا شرطا للدخول والخروج.
فإن الدخول معناه أن يكون حيز الذات الأولى داخلا في حيز الذات الثانية.
والخروج معناه أن يكون حيز الذات الأولى ليس داخلا ولا محايثا لحيز الذات الثانية، أي لا يكون بجانبه ولا داخله.
وإذا كان الله تعالى موجودا، ولكن لا يوصف وجوده بحد ولا مقدار ولا امتداد كباقي الأجسام، فمن أين نستطيع أيها الكاتب المحترم أن نثبت كونه خارج أو داخل العالم؟؟؟ بل من أين يمكن أن نجوز ذلك مجرد تجويز.
فإن الشرط العقلي لكونه داخلا أو خارجا هو المحدودية كما قلنا، وإذا انتفت انتفى ما يتوقف عليها.
ولذلك قال علماءنا من الأشاعرة وأكثر الفرق المسلمة كالمعتزلة والإباضية ، إن الله تعالى لا يقال هو خارج العالم بهذا المعنى، ولا داخل العالم أيضا.
ولم يخالف في ذلك إلا هؤلاء المجسمة وعلى رأسهم قدوة هذا الكاتب الفحل أعني ابن تيمية.
ولفقدان شرط إمكان كونه داخلا أو خارجا، نفى عنه علماؤنا كونه داخل العالم ونفوا عنه كونه خارجا عنه خروج الجم من الجسن وخروج المتحيز عن المتحيز، وهو الأمر الذي يثبته ابن تيمية ومن يدور في فلكه. وإن جهل هذا الأمر كاتبنا المبارك الذي يتعالى عن أن ينتسب إلى أي طائفة أو فرقة من الفرق الإسلامية، إلا أنه خاضع لمجرد اسم ابن تيمية.
خامسا: وأما قوله " منها: أين الله قبل خلق العالم؟ هل كان أيضا لا داخل العالم ولا خارجه؟ وهذا القول هو باعتبار العالم فقط."اهـ
فالله تعالى قبل العالم كان ولا مكان، أي ليس متحيزا، ولا مقيسا بموجود آخر في وجوده ولا صفته، وهو الآن كما كان عليه، وذلك بعد أوجد العالم، لم يتغير عليه شيء ، أي لا يقال إن الله تعالى بعد أن خلق العالم صار في مكان بعد أن لم يكن.
ولذلك فقولنا إنه لا داخل العالم ولا خارجه صحيح مطلقا قبل إيجاد العالم وبعد إيجاد العالم، وذلك لأن وجود الله تعالى ليس من جنس وجود العالم، حتى يصبح له قرينا ومشاركا في أصل التحيز والمحدودية.
وهذا هو الذي أراده الإمام الطحاوي عندما قال:"لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته"اهـ وقد شرحت هذه العبارة في شرح العقيدة الطحاوي فلتراجع هناك.
ألا ترى أنك تعتمد على مقدمات تأخذها أيها الكاتب الفحل من ابن تيمية ولما تُجرِ عليها بعد أن تنقيح وهذا يتعارض بشدة مع ادعائك العلمية والموضوعية... وغير ذلك من دعاوى عريضة.
سادسا:وأما قوله". كذلك من يقول إن الله لا تحده حدود، فبعد خلقه العالم ماذا حصل لهذا الواقع؟ كذلك القول بأنه قديم، هو باعتبار العالم، فهل الحكم مستمر قبل ذلك، والنسبة لا تكون إلا إليه؟"اهـ
فهو كلام يضحك الثكالى حسة بشرط علمهن بعلم الكلام، لكي يدفعهن علمهن بقوانين العلم إلى الاستغراب من هذا الكلام، ومن لا يعلم لا يستغرب، لأن الضحك أصلا مشروط بالاستغراب.
فإن كان الله تعالى لا تحده الحدود قبل إيجاد العالم، فهل يقول الكاتب المحترم، أنه بعد خلقه لعالم صار محدودا؟؟؟ هل يقول إذن إن وجود العالم أثَّر ف وجود الله تعالى فبعد أن لم يكن محدودا صار محدودا.... ؟؟
بالطبع ليس هذا الذي يريده الكاتب، بل المقصود عنده مجرد استعراض عضلات منفوخة ببعض حبوب التقوية، وليست مبنية بالممارسة العلمية الحقيقية، ولا بالنظر الصحيح.
إن الذي يخبئه الكاتب من مقصده هو أن الله تعالى محدود قبل وجود العالم وبعد وجوده، وهو عين مذهب المجسمة، كما يلاحظ.
وإلا فيلزمه القول بتأثر وجود الله تعالى بالعالم المخلوق.
وكلا هذين القولين قبيح.
وإنما أوقع الكاتب في هذا القبح لدخوله فيما لا يتقنه.
وأما كلامه عن القِدَم، فهو لعمري نكتة أخرى من نكاته المضحكة، فمن قال له إن القدم، مجرد أمر نسبي، أي من قال له إن القدم لا نعلمه ثابتا لله تعالى إلا بعد وجود العالم، وأنه لا يكون وصفا لله تعالى إلا بمقارنته بالعالم، وهل قال أحد من المتكلمين ذلك.
كلا طبعا، وحاشاهم من هذا الهراء.
بل قالوا ، إن القدم هو نفي سبق العدم للذات مطلقا. ولم يشترطوا لكون الله تعالى قديما أن يكون موجودا قبل العالم. فليس وجود العالم الحادث شرطا في كمال وصف الله تعالى بالقِدَمِ.
فالقدم هو سلب العدم السابق لله تعالى تعالى، وهو رد على من توهم جواز كون الله تعالى حادثا.
وإذا كانت عبارة هذا الكاتب متهافتة إلى هذا الحد، فإن لنا أن نتساءل، من أين استمد الكاتب هذا المفهوم من القدم؟؟
الحقيقة أنني لا أجد له مصدرا إلا ما هوَّل به ابن تيمية وأتباعه كابن قيم الجوزية وابن باز وغيرهم في هذا العصر، من كون الله تعالى لا يصح أن يوصف بالقدم.
فهو في هذا الاعتراض أيضا يكون تابعا مخلصا وعن تقليد محض-لابن تيمية، ومع ذلك يدعي التحرر من ربقة أي فرقة من الفرق؟؟؟؟
والاحتمال الآخر هو أن يكون مجرد اجتهاد له، وهذا أستبعده أنا بعدما لاحظته فيه من كثرة تأثره بابن تيمية. ولكن لو صح أنه مجرد اجتهاد خاص له، فإن ذلك يثبت ضعف عقله وهشاشة أفكاره، وتسرعه بحيث يعارض الآخرين بدون معرفة معاني المصطلحات التي يستعملونها.
وهذا بلا شك مخالف للمنهج العلمي الذي يدعيه؟؟؟
فالله تعالى متصف بالقدم قبل وجود العالم وبعده ومعه.
سابعا: أما قوله " والمقصود أن التفكير في المغيبات ترد عليه إشكاليات كثيرة تبدو متناقضة، يهدم بعضها بعضاً؛ لأنها تفتقر إلى المرجعية. لهذا ليس من طريق سليم إلا الالتزام بنصوص الكتاب والسنة والعض عليها بالنواجذ"اهـ
فأنا لم أرَ إشكاليات واردة إلا في رأس هذا الكاتب، وسبب ورودها عليه وإيرادها لغيره من الناس وهو يحسب أنه يحسن صنعا، هو اختلاط طريقة تفكيره وكونها مزيجا ضخما ملتقطا من هنا ومن هناك.
وأما اقتراحه كون المرجعية هي الكتاب والسنة، فإننا نقول إن أحدا من المتكلمين لم يدع أنه لا يرجع إلى الكتاب والسنة، بل هذا أصل أصيل لهم، وأقصد متكلمي أهل السنة من الأشاعرة أصالة. ولا يصح لأحد أن يزاود على غيره بالتزامه بهذا الأصل، لأن الجميع يعلم أن خلافهم إنما هو في طريقة فهم الكتاب والسنة، فإن الذي لا يلتزم بالكتاب والسنة هكذا على الإطلاق، يكفر قطعا.
والكاتب حتى في هذه الخاتمة ، ما هو إلا عبارة عن مردد لأفكار ابن تيمية الذي يعشقه كما قال، فهنيئا له به.
ثامنا: "وأما ما نقلته الأخت الفاضلة عنه من قوله:" بالنسبة لانتمائي المذهبي فلا بد انك قد توصلت بنباهة الادراك الواسع الذي تحدثت عنه في مقالاتي الى انه لا يمكن لمثلي ان ينتمي الى اية جماعة . فالجماعات والاحزاب ايا كان توجهها فهي في النهاية تؤدي الى حالة الاستقطاب التي تباعد بين الناس . وتفكيرنا الواسع المتشعب لا تتسع له بيوتات الجماعات كلها."اهـ
فغاية تعليقي عليه بعدما قلته سابقا، وبعدما بينته من تناقضاته الفكرية وتسرعاته، أنه مجرد اعتداد بالنفس غسر مبرر ولا مسوغ له، إلا عدم رؤية الغير.
ولا ريب أنه لما حسب اتساع فكره وتشعبه، اعتقد أنه أحاط بما لم يحط به الأولين والمتأخرين. وهيهات!!!
وأخيرا، فاهتمامنا بتجديد علم الكلام وتطويره وتقريبه إلى الناس من أهل هذا الزمان، هو من اهتمامنا منذ أزمان، وليس مجرد ردة فعل لما قاله هذا، وإن أوهم أو توهم هو ذلك في قوله :" غير ان رد سعيد فودة اخذ يتجه فيما بعد الى الروية والنقاش الهادئ وادرك لا محالة ان لا فرار من التطوير والتغيير"اهـ.
وقد كتبت عدة أبحاث في ذلك، وأيضا فإن أحد تلامذتي قد ألف كتابا خاصا في هذا المبحث، أعني تجديد علم الكلام وحيثيات ذلك الموضوع. وهذا الهم والهدف كان أكبر الدوافع إلى تأسيس هذا الموقع الذي أدعو الله تعالى بفضله أن يؤتي ثماره.
وبعد فإن كان لهذا الكاتب أي ملاحظات على هذا الكلام، فانا على استعداد لأي ملاحظة، ولا أترفع عن خطابه، على ضعفه كما فعل هو عندما وصف الكلام الذي يدور في هذا المنتدى بمجرد الجدل، وأنه نتاج لفلسفة أرسطو، مترفعا جاهلا أن الجدل ومجادلة المخالفين قد أمرنا الله تعالى به في الكتاب العزيز، وأنه فرض كفاية على المسلمين.
ولو شئت أن أعلق على بقية المقالة لطال المقام، لامتلائها بالتناقضات والادعاءات التي تلقى بلا سند.
وعدم موافق الكاتب على التعليق على ما أوردناه نقدا لمقالته، يبين بوضوح عدم قدرته على التواصل مع المخالفين. وموافقتنا على نقده وتتبعه مع ما يأخذه ذلك من الوقت الثمين، دليل على محبتنا للوفاق لا للخلاف لأننا نبين بكتابتنا هذه رأينا، وننقد مواضع من كلام غيرنا لنببهه إلى محل الخلاف، ونحن لا نفعل ذلك إلا دفعا لغيرنا ممن يخالفنا إلى إعادة النظر.
فإن بقي رافضا للنظر في ما نقول، فإن هذا يكون دليلا على عدة أمور يأباها الملتزم بالشرع الحنيف!!!
والله الموفق. [/ALIGN]
أرجو أن لا تتضايقي أنت وصاحباتك من بعض الحدة التي في هذا المقال فإن المقام مهم، ولا يقدر الواحد دائما على التكلم ببرودة كمن يتكلم عما لا يعنيه. ومع هذا فأنا أعلم أننا ما قلت شيئا إلا بدليل بخلاف الكاتب ، مع الدعاء للمسلمين كافة.


رد مع اقتباس

