قرأت ما كتبه الأخ ماهر حول توجيهه لعبارات الأئمة في إقرار المشركين بالربوبية ، وأن هناك فرقاً بين العلم والمعرفة وبين الإذعان والخضوع ، وأن معرفة المشركين بربهم مثل معرفة أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يعرفونه حق المعرفة إلا أنهم لم يؤمنوا به ولم يذعنوا له !!! .
قلت : هذا التفريق بهذه الحيثية مخالف لنصوص القرآن وتفسير السلف وأئمة الإسلام ، وكذلك استشهاده بمعرفة أهل الكتاب غير صحيح .
فالمشركون كانوا مقرين بوجود الله وأنه هو الخالق الرازق المدبر المالك لكل شيء ، فالأخ ماهر لم ينتبه لكلمة "الإقرار" وأن ثمة فرقاً بين الإقرار ومجرد العلم والمعرفة . فاليهود مع معرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم إلا أنهم لم يؤمنوا به وجحدوه وأنكروا نبوته ولم يقروا به بخلاف موقف المشركين من الربوبية ، فإنهم كانوا يعرفون الله ويقرون به ويؤمنون بربوبيته سبحانه مع شركهم في عبادته .
فالإقرار بربوبية الله تعالى وبخصائصه المذكورة أعلاه هو ما يسمى بتوحيد الربوبية ، نعم : لا نقول بأنهم حققوا الربوبية تحقيقاً تاماً ، ولا شك أن لهم خللاً في الاعتقاد إلا أنه يصح أن يقال : إنهم مؤمنون بربوبية الله تعالى .
ولذلك وصفهم الله تعالى بالإيمان مع شركهم في الألوهية ، قال الطبري : (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك :
حدثنا بن وكيع قال ثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وما يؤمن أكثرهم بالله ...)الآية ، قال : من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال قالوا الله وهم مشركون .
حدثنا هناد قال ثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة في قوله : (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) قال : تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون الله ، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره) .
فانظر يا أخ ماهر كيف أن إمام المفسرين وحبر هذه الأمة ابن عباس قال : من إيمانهم ، وقال عكرمة : فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره .
فعُلم من هذا التفسير : أن المشركين كاتوا يؤمنون بالله تعالى بوجوده وبأنه هو الخالق الرازق المدبر ، إلا أنهم يصرفون العبادة لغير الله تعالى .
فالمقصود من هذا الكلام : أن موقف المشركين إزاء ربوبية الله تعالى لم يكن مجرد علم ومعرفة كما عبر ماهر وإنما كان إقراراً واعتقاداً .
وأما دعواك بأن المشركين كانوا يعتقدون أن الأصنام تنفع وتضر فغير مسلمة ، فها هو إمام المفسرين وحبر هذه الأمة يقول ونقله الرازي في التفسير الكبير : (المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع ) .
ثم لماذا أعرضت يا ماهر عن كلام إمامك الرازي إمام الأشاعرة في زمانه ، قال : (بين تعالى أن الرسول عليه السلام ، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام : فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ، يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية ، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه ، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة) .
وإن أكبر دليل على هذا ، أنهم إذا أصابهم الكرب لجؤوا إلى الله ودعوه مخلصين له الدين لعلمهم أن الأصنام لا تضرهم ولا تنفعهم شيئاً .
فقارن هذه العبارة بكلامك السابق : (كما أنهم جعلوا لأصنامهم شركاً له في خصائص الربوبية من اعتقادهم أنهم يضرون وينفعون وغير ذلك على النحو الذي ذكرناه آنفاً ) .
وقال الرازي أيضاً عن فوم هود : (كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها ..) .
وقال ابن كثير : (يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية وأنه لا شريك له فيها ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا ولا يمكون شيئا ولا يستبدون بشيء بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى ، مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) .
وقال رحمه الله : (يقول تعالى مقرراً أنه لا إله إلا هو لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم فتفاوت بينهم فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلا منهم ومن يستحق الغني ممن يستحق الفقر فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره ولم يتوكل على غيره فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته ، وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالإعتراف بتوحيد الربوبية وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) .
فتأمل يا ماهر في عبارات العلماء ، وكيف أنهم متفقون في إثبات إقرار المشركين وإيمانهم بربوبية الله تعالى ، مع أنهم كانوا مشركين في ألوهيته وعبادته ، وهذا ما يقوله السلفيون تماماً ، فلا فرق والحمد لله رب العالمين .




رد مع اقتباس