منقول
المهم أن عدد الشاعرات في الأندلس كان من الوفرة والنضوج بحيث شكل ملمحا بارزا من ملامح الشعر الأندلسي , فانهن من ناحية القول والصوغ والجرس والإشراق والرصانة والجزالة والإطراف مما يدفع بالدارس إلى ضرورة الوقوف في ساحته بعض الوقت فاحصا متأملا مستبينا ما فيه من أسباب الجدة ومظاهر الإمتاع
شاعرات من الأندلس قد رتبهن الكاتب حسب القرون بدءً من الثالث وانتهاءً بالسادس في أربعة فصول كالتالي
شاعرات الحقبة الباكرة
الجارية العجفاء
هي أول شاعرة أندلسية كانت من الجواري الوافدات وهي تجيد العزف على العود والغناء
ومن شعرها التي غنته قولها
بَــرِحَ الخفاء فأيما بـك تكتـــم
ولســوف يظهر ما تُـسر فَيُعْلَمُ
ممـا تضمّـَنَ مـن عـــزيز قلبــه
يا قلـب إنك بالحسان لمغـــرم
يا ليت أنك يا حـسام بأرضنـا
تُـلقي المراسيَ طائعا وتخَـيّم
فتـذوق لـذة عـيشـنا ونعيمه
ونكون إخوانا , فماذا تنقــم
حسانة التميمية
هذه أول شاعرة مولودة على أرض الأندلس وهي من الحرائر وليست من القيان تعتبر قصيدتها التي مدحت فيها الحكم بن هشام مسترفدة إياه بعد موت والدها من أهم قصائدها وهي قصيدة عمودية الشعر ومشرقية السمات غلفت شكواها بغلالة رقيقة من نسيج المديح في قولها
إنـي إليك أبـي العــاصي مُـوَجِّـعَة
أباالحسين ,سَـقَـته الواكفَ الدّيَـم
قــد كنت أرتع في نعماه , عاكفة
فاليـوم آوي إلـى نعماك يا حـكــم
أنـت الإمـام الذي انقاد الأنــــام لــه
وملَّــكتـه مقاليــــد النهـى الأمـــــم
لا شئ أخشى إذا ما كنت لي كنفا
آوي إليـه ولا يَـعْــرُو لـيَ العـــــدم
لا زلتَ بالعــزة القعساء مرتـديــــا
حتـى تـذل إليـك العـرب والعجـــم
شاعرات القرنين الثالث والرابع
أبرزهن
قمر
حملت قمر معها من بغداد بعض صنعة شعرائها من جناس بين خلق وأخلاق ومن صور ناعمة اللون في الجمع بين الضباء وسحر الأحداق , والوجزه كالأهلة , فوق الأطواق منساحة على صفحات الفرات فلنستمع إلى رقة قمر وتشوقها وحنينها إلى موطنها الأصلي ( بغداد )
آهــاً على بغــــداد وعــــراقـهــا
وضبائها والسحـــر في أحداقهـا
ومجالها عنـد الفـــــرات بأوجـــه
تبـدو أهِـلَّـتُها على أطـــواقهـــا
متبختــرات في النعيــم كأنـمـــا
خُـلق الهوى العذريُ من أخلاقها
نفسي الفـــداء لها فأيُ محاسن
في الدهرتشرق من سناإشراقها
عائشة القرطبية
( مديح وفخر )
شاعرة تقول الشعر ارتجالا ماتت عذراء لم تتزوج ورغم أنوثتها إلا أنها ذات إباء وهمة وترفع خطبها بعض الشعراء فلم تر أنه كفء لها وكان ملحا في رغبته فكتبت إليه
أنــا لبــوة لكنـنـي لا أرتضــي
نفسي مُناخا طول دهري من أحد
ولو أنني أختـــار ذلك لم أُجـِــبْ
كلباً وكم غَـلَّقْتُ سمعي عن أسد
حفصة بنت حمدون الحجارية
( هي أول شاعرة أندلسية طرقت باب الغزل في شعرها ) من طريف ما أنشأت في مقام الغزل إظهار شخصيتها كاأنثى وإبداء الدلال والتيه على من يدل عليها أو يتيه مستمسكة كل الإستمساك بكبرياء المرأة ذات الجمال , تقول حفصة :
لـي حبيـــــب لا ينثنـي بعتــاب
وإذا مــا تركـتــــه زاد تيهــــا
قال لي:هل رأيتِ لي من شبيهٍ
قلتُ أيضا وهل ترى لي شبيها
شاعرات القرن الخامس
1 ـ شاعرات المَـرِيّة نسبة إلى مدينة المَـرِيّة
أبرزهن
الغسانية البجانية ( نسبة إلى إقليم بجانة )
( أبياتها التي بين أيدينا قيلت في الغزل وشكوى الفراق , غير أنها تجري بها في مسارب الحكمة متأرجحة بين الجزع والتصبر فتقول )
أتجــزع أن قالوا سترحل أضعان
وكيف تطيق الصبر ويحك إذ بانوا
فما بعــدُ إلا المـوت عند رحيلهــم
وإلا فصبـــرٌ مثل صبـــرٍ وأحــزان
عَـهدتهمُ والعيــش في ظل وصلهــمُ
أنيق وروض الوصل أخضـــر فينان
فيا ليت شعري والفراق يكون , هل
يكونون من بعد الفـــراق كما كانوا
زينب المَـرِيّة
( تقدم شعرا ناضجا كل النضوج نابضا بالحياة صافي الأسلوب في غير عسر , صادق الحس في غير خفاء ) لم يجد المؤلف لها سوى هذه الأبيات الثلاثة )
يا أيها الراكــب الغادي لطيتــه
عرج أُنَبْئك عن بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تَـضَمّـنهـم
إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه وأنَّي في مسرته
وَ وُ دِّهِ آخــــر الأيـــــام أجتهــد
غاية المنى
سألها ابن الفراء الخطيب ليختبرها وكان مكفوفا , فلما وصلته سألها : ما اسمك ؟ فقالت : غاية المنى , فقال : أجيزي
سَلْ هوى غاية المنى
من كسى جسمي الضّنا
فقالت تجيزه :
و أرانـــِي متيمـــا
سيقول الهوى أنا
أم الكرم بنت المعتصم بن صُمادِح
وهي أميرة من بيت الملك أحبت فتى من قصر أبيها اسمه السمّار وكانت تشهر بحبها له وتصرخ طالبة خلوة بحبيبها وهي تتغزل فيه لعل غزلها كان صريحا أكثر من غزل أي امرأة
تقول أم الكرم
يا معشر الناس ألا فاعجبوا
مما جنته لوعة الحب
لولاه لم ينزل ببدر الدجى
من أُفقه العلوي للتُرب
حسبي بمن أهواه لو أنه
فارقني تابعه قلبي
وتقول أيضا
ألا ليت شعري هل سبيل لخلوة
يُـنّـــزه عنــها سمع كل مراقب
ويا عجبا أشتاق خلوة من غدا
ومثواه ما بين الحشا والترائـب
2 ـ شاعرات غرناطة
أبرزهن
حمدونة بنت زياد ( شاعرة الطبيعة الأولى بين شاعرات الأندلس )
استوحت حمدونة شعرها من سحر وجمال الطبيعة الخلابة وهذا ما يلمسه القارئ من أن الطبيعة كان لها دور كبير في تفجير طاقات شاعريتهم
( تقول حمدونة وهي تصف وادي الاشات وقد خلعت عليه من شاعريتها السخية الندية ما خلده بين أودية الأندلس وتصف الحياة فيه )
أباح الدمع أسراري بِوَادي
له للحسن أثار بَوَادي
فمن نهر يطوف بكل روض
ومن روض يرف بكل وادي
ومن بين الضباء مهاة أنس
سبت لبي وقد ملكت فؤادي
لهــا لحـــظ ترقــده لأمــــر
وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلــت ذوائبها عليهــا
رأيت البدر في أفق السواد
كأن الصبح مات له شقيــق
فمن حزن تسربل بالســواد
نزهون الغرناطية
يقول المؤلف ( أنها كانت تراسل الرجال شعرا وتساجلهم نظما وتهاجيهم قولا فاحشا في نطاق ما يسمى بالأدب المكشوف )
وقع أحدهم في فتنتها فقال لها ماعلى من أكل معك خمسمائة سوط ؟
فأجابته على الفور
وذي شقــوة لما رآنــي رأى لــــه
تمِّـنيه أن يصلى معي جاحم الضرب
فقلــت لــه كُـلْهـــا هنيئــا فإنما
خُـلِقتُ إلى لبس المطارف والشــرب
3 ـ شاعرات اشبيلية
مريم بنت يعقوب الأنصارية
من شعرها ردا على أمير وشاعر أندلسي وقد جاءت على نفس الوزن والقافية
من ذا يجاريك في قول وفي عمل
وقــد بــدرت ألى فضل ولــم تسل
مالي بشكر الذي نظمت في عنقي
من اللآلي وما أولـيـــت مــن قبلي
حليتني بحلي أصبحـــت زاهية
بها على كل أنثى من حلي عطل
لله أخلاقك الغـــر التي سقيت
ماء الفرات فرقّت رقّـــة الغزل
أشبهت مروان من غارت بدائعه
وأنجدت وغدت من أحسن المثل
من كان والده العضب المهند لم
يلد من النسل غير البيض والأسل
بثينة بنت المعتمد بن عباد
الكل يعرف النكبة التي حلت بأبيها
لا تنكروا أني سبيت وأنني
بنت لملك مــن بنــي عبـــاد
ملك عظيم قد تولى عصـــره
وكذا الزمان يؤول للأفســـاد
لمــا أراد الله فرقــة شملنــا
وأذاقنا طعم الأسى مــن زاد
قام النفاق على أبي في ملكه
فدنا الفــراق ولم يكن بمــــراد
الشاعرة أم العلاء بنت يوسف
هي شاعرة وادي الحجارة في القرن الخامس . وهي من نفس من موطن الشاعرة حفصة بنت حمدون في القرن الرابع
مما قالت أم العلاء في الغزل تناجي من أحبته
إفهم مطارح أحوالي وما حكمت
بـــه الشواهد واعذرني ولا تلـــم
ولا تكلنــــي إلى عــــذر أُبَينـــه
شر المعاذيــــر ما يحتاج للكلــــم
وكــل ما جئتـــه من ذلــة فبمــا
أصبحت في ثقة من ذلك الكــرم
شاعرة قرطبة والأندلس ولادة بنت المستكفي
إن ولادة مقرونة دائما بأبي الوليد أحمد بن زيدون المخزومي الوزير والشاعر الذي منحته الكثير من الحب ووهبته الفير من الود فقال فيها أجمل الغزل وأرقه , وأنشأت بدورها فيه الرائق نت الأبيات اللطاف , والعذب من القصائد الآسرة
كان من أسباب خلافها مع إبن زيدون جاريتها عتبة التي كانت تتمتع بصوت حسن وهي أيضا بارعة في العزف على العود وقد غنت ذات ليلة وقد أحسنت الأداء مما دفع بابن زيدون إلى التحمس لها وطلب إعادة اللحن فتحركت غيرتها
فانشأت تقول
لوكنت تنصف في الهوى مابيننا
لم تهـــوَ جـــاريتي ولـم تتخّيـــر
وتـركـــت غصنا مثمرا بجمالـــه
وجنحــت للغصـــن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بــدر الدجى
لكن دٌهيتَ لشقوتي بالمشتري
آخر شاعرات القرن الخامس
مهجة بنت التياني القرطبية
كانت من أجمل نساء زمانها ولكنها ليست من طبقة ولادة ابنة الملك فقد ابو مهجة بائع تين
وقد كانت ولادة معجبة بظرف مهجة وخفة روحها ورقة شعرها وجمال محياها فعلقت بها ولزمت تأديبها ولكن علاقتهما مالبثت أن ساءت فقالت فيها هجاء فاحشا ومما قالت في هجاء من أنعمت عليها
ولادة قــــــد صـــرت ولادة
من غير بعل , فضح الكاتم
حكــــت لنــا مريـــم لكنـــه
نحلــــة هذي ..........قائــم
ومن أجمل ما قالت مهجة
لئن حلأت عن ثغرها كــل قائم
فما زال يحمي عن مطالبه الثغر
فذلك تحميه القواضب والقنـــا
وهذا حِماه من لواحظها السحر
الفصل الرابع
شاعرات القرن السادس
حفصة بنت الحاج ( الركونية )
شاعرة غرناطة في القرن السادس
شاعرة لم تجد ـ في ذلك العصر ـ حرجاً في الكشف عن لهفتها وشدة اشتياقها للحبيب؟ إنها تعلنها صريحة في أبيات عذبة تضع فيها حفصة الركونية من المحسنات البديعية ما يزيدها حسناً وجمالاً دون أن يخل بروعتها إذ تخاطب من
(المرأة مهما لج بها العشق ومهما صنعت بها الصبابة فإنه يجمل بها , ولو من باب المراعاة لجنسها أن تخفي بعض ما تجد وأن تكون مطلوبة لا طالبة ومرغوبة لا راغبة ) لكن شاعرتنا عكست الآية عندما بعثت هذه الأبيات إلى من تحب وقد فقدت دلال المرأة وكبرياءها
أزورُكَ أمْ تزورُ؟ فإنّ قلبي
إلى ما تشتهي أبداً يميلُ
فثغري موردٌ عذبٌ زُلالٌ
وفرعُ ذؤابتي ظِل ظليلُ
وقد أملتُ أن تظما وتُضحي
إذا وافى إليك بي المقيلُ
فعجلْ بالجوابِ فما جميلٌ
إباؤُك عن بثينةَ يا جميلُ
وقالت تتغزل في حبيبها الوزير أبي جعفر أحمد بن سعيد
أغار عليك من عيني رقيبي
ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني
إلى يوم القيامة ما كفاني
وقولها:
ثنائي على تلك الثنايا لأنني
أقول على علم وأنطق عن خبر
وانصفها لا أكذب الله إنني
رشفت بها ريقاً ألذ من الخمر
ولما طمع أمير غرناطة الموحدي أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن في حبها، وقتل حبيبها أبا جعفر سنة 559 هـ/1198 م من أجل ذلك حزنت عليه حفصة كثيرا وجاهرت برثائه والبكاء عليه ولبست الحداد، فهددها المؤمن، فقالت:
هددوني من أجل لبس الحداد
لحبيب اردوه لي بالحداد
رحم الله من يجود بدمع
أو ينوح على قتيل الأعادي
وسقته بمثل جود يديه
احيث أضحى من البلاد، الغوادي
ومن مراثيها فيه:
ولو لم يكن نجما لما كان ناظري
وقد غبت عنه مظلما بعد نوره
سلام على تلك المحاسن من شج
تناءت بنعماه وطيب سروره
ومن ذلك أيضا:
سلوا البارق الخفاق والليل ساكن
أظل بأحبائي يذكرني وهنا
لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة
وأمطرني منهل عارضه الجفنا
من شاعرات القرن السادس
أسماء العامرية الإشبيلية
لم يصل من شعرها الا القليل جدا ومن شعرها الذي وصل
عرضنا النصر والفتح المبينا
لسيدنا أميـر المؤمنيـــا
إذا كان الحديث عن المعالي
رأيت حديثكم فينا شجونــا
رويتم علمــه فعلمتمــوه
وصنتم عهده فغدا مصونـا
الشاعرة ام الهناء بنت القاضي أبي محمد بن عبد الحق بن عطية
من أقوالها
جاء الكتاب من الحبيب بأنه
سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور عليّحتى أنه
من عظم فرط مسرتي أبكاني
ياعين صار الدمع عندك عادة
تبكين في فرح وفي أحزان
فاستقبلي بالبشر يوم لقائه
ودعي الدموع لليلة الهجران
تظهر في نهاية القرن السادس شاعرة جريئة على الحكام وهي الشلبية
هكذا وصل اسمها فقط . وما وصل من شعرها الا القليل الذي وجهته للسلطان يعقوب المنصور أحد ملوك الطوائف
قد آن أن تبكي العيون الآبية
ولقد أرى أن الحجارة باكية
ياقاصد المصر الذي يُرجى به
إن قدر الحمن رفع كراهية
ناد الأمير إذا وقفت ببابه
ياراعيا إن الرعية فانية
أرسلتها هملا ولا مرعى لها
وتركتها نهب السباع العادية
" شِلبٌ " كلا شِلبٍ وكانت جنة
فأعادها الطاغون نارا حامية
خافوا وماخافوا عقوبة ربهم
والله لا تخفى عليه خافية
وتظهر في نهاية القرن السادس شاعرة يهودية من يهود الأندلس
اسمها قسمونة بنت إسماعيل
تقول قسمونة وقد نظرت إلى المآة ذات يوم وهي في شرخ شبابها ولم تتزوج بعد
أرى روضة قد حان منها قطافها
ولست أرى جان يمد لها يدا
فوا أسفا يمضي الشباب مضيعا
ويبقى الذي ما إن أُسميه مفردا
يقع بصر قسمونة على ظبية كانت تقتنيها فتقول مخاطبة إياها
ياظبية ترعى بروض دائما
أني حكيتك في التوحش والحور
أمسى كلانا مفردا عن صاحب
فلنصطبر أبدا على حكم القدر
ختاما لهذا الباب يقول المؤلف
( شاعرات الأندلس أفسحن لشعرهن مكانا رحيبا , وفرضن وجودهن بصورة لم تحدث للقلة من زميلاتهن في المشرق العربي إلا أنهن لم يسهمن في كل فنون الشعر وموضوعاته , وأكثر ما قلن فيه من الأغراض الغزل والمديح ووصف الطبيعة والهجاء وكما اتثفت بعضهن بالعفة والتعقل في غزلهن ذهبت بعضن الأخريات إلى غاية من التطرف والمجون ... )
انتهى من كتاب الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه
اتمنى أن يكون ماقدمته نال رضاكم احبابنا