الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له أنزل في كتابه المبين (يَنِسَآءَ النّبِيّ لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَآءِ إِنِ اتّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مّعْرُوفاً) ( )، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل ( لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ )( ) ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله البررة الأتقياء، وأصحابه المخلصين الأصفياء.
أما بعد فيا عباد الله أوصيكم وإيايّ بتقوى الله والحذر من معصيته ، واعلموا أن في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مواقف كثيرة تستحق منا الوقوف عندها ، والحديث عنها ، لما فيها من العبر والعظات ، التي تنفع واقع الأمة في أيامها هذه ، ومن تلك المواقف ، حادث الإفك ، التي ترأسه وتولى كبره رأس المنافقين - عبد الله بنُ أُبيٍّ ابنُ سلول ( الذي أشاع في الناس تهمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عرضها ) - وكان الهدف من ذلك ، إيذاءرسول الله صلى الله عليه وسلم في عِرْضِه ، وإيذائه في أهل بيته ، فاستمعوا هذه الحادثة الأليمة ، وسوف نرى كيف أن الله أحق الحق ، وأبطل الباطل دفاعا عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعن عرضه في آيات تتلى إلى يوم القيامة، ولنستمع القصة من صاحبتها أم المؤمنين عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ( أجري القرعة بينهن ) فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا( نصيبها وحظها ) خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي ، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي (وهو ما تركبه المرأة فوق الدابة في السفر ) وَأَنْزِلُ فِيهِ مَسِيرَنَا ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ ( وعاد ) وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ ( أي أعلم )، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي ، أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي ، فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ( أي عقد من خرز يماني ) قَدِ انْقَطَعَ ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي ، فَاحْتَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ ( أي طلبه ) ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ ( أي الجماعة من الرجال دون العشرة ) الَّذِي كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي ، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي ، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ ، قَالَتْ كَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبِّلْهُنَّ ( أي لم يمتلئن لحما ) وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ ( يكثر عليهن كناية عن النحافة ) ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ ( أي القليل من الطعام )، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا ، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ، فَيَمَّمْتُ ( أي قصدت )مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُوا إِلَيَّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ ، قَدْ عَرَّسَ وَرَاءَ الْجَيْشِ ( والتعريس : نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة )،، فَأَدْلَجَ ( فسار في الليل ) فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَإِنْسَانٍ (أي شخصه ) نَائِمٍ ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ( أي انتبهت من نومي بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون )، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي ( أي سترت وجهي )، فَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ ، حَتَّى أَنَاخَ ( أي أبرك )رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ( أي وقف الجيش عن السير في وقت اشتداد حر الظهيرة )، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي ( أي تكلم من تكلم في تهمتي )، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ( أي معظمه ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ ( مرضت )حِينَ قَدِمْنَا شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ( والإفك الكذب والافتراء )، وَلَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي (أي أنها كانت تعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا يصيبها المرض ، لطفا وسؤالا، ورفقا وبرا، لكنها في تلك المرضة لاحظت منه عدم السؤال )، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ، ثُمَّ يَقُولُ : كَيْفَ تِيكُمْ ( أي يشير إلى أم المؤمنين عائشة )، فَذَاكَ يَرِيبُنِي ( أي يدعوني إلى الإحساس بأمر خافٍ علىَّ ) ، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقِهْتُ ( أي شفيت من مرضي ) وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ( وهي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها ) ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ ( أي مكان قضاء الحاجة ) قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا ، وَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ ،- ثم - أَقْبَلْتُ - معها - قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ ( أي تعرقلت ) أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا ( أي في كسائها ) فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ ( دعت على ابنها لأنه خاض في كلام أهل الإفك )، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ !! تَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا !! قَالَتْ : أَيْ هَنْتَاهُ ( أي يا بلهاء : كأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم ) أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ (أي مسطح ): قُلْتُ وَمَاذَا قَالَ ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ تِيكُمْ ؟ قُلْتُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي : يَا أُمَّتَاهْ ،،مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ فَقَالَتْ : أَيْ بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً ( أي جميلة حسناء ) عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ، وَلَهَا ضَرَائِرُ( أي ولزوجها زوجات أخر)، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا( أي أكثرن القول في عيبها ونقصها ) ، قَالَتْ : قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ !! أَوَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا !! قَالَتْ : فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ (أي لاينقطع ) وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ( أي لا أنام )، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ ( أبطأ وتأخر ) لِيَسْتَشِيرَهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ : فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ (قال العلماء : ما أشار به عليٌّ رضي الله عنه هو الصواب ، لأنه رأى قلقه صلى الله عليه وسلم من الأمر، فرأى أن راحة خاطره أهم ، وكل واحد منهما مصيب فيما أشار به ، أما علي فلأنه رأى أن منصب النبوة يجلِّ عن المقام ، مع المتكلم فيها ، وإن كان كذبا ، وبإنصافه أرشد إلى سؤال الجارية بريرة هل تعلم ما يريب )، قَالَتْ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ : قَالَ أَيْ بَرِيرَةُ : هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ ( أي أعيبها ) عَلَيْهَا،، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ ( ومعنى هذا الكلام أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلا ، ولا فيها شيء من غيره ، إلا نومها عن العجين ، فتأتي الشاة فتأكله ، وهي لا تشعر ، فهي من باب أولى بريئة مما يقوله أهل الإفك )، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَعْذَرَ ( أي فاستنصر المؤمنين على ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ،( الذي أشاع في الناس تهمة أم المؤمنين عائشة في عرضها ) فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي( ينصرني ويساعدني إن كافأته على قبيح فعاله ولا يلومني ) في رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا( يقصد بذلك صفوان بن المعطل الذي نقل أم المؤمنين عائشة على بعيره بعدما سار الجيش )، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : أنا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ( أي أنا أنتصف لك فأقوم بما يجب لك )، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ : فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ( أي استخفته وأغضبته وحملته على الجهل )، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : كَذَبْتَ ، ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ( أي تناهضوا للنزاع والعصبية ) حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ ، قَالَتْ وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَاكَ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي ( وهذا كناية عن شدة الهم والضيق ) ، قَالَتْ : فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي ، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي ).
عباد الله : ولطول الحديث فسأكمله لكم بعد جسلة الاستراحة ،،،أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
*****
الحمد لله كثيرا ، كما أنعم علينا كثيرا ، ,أشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له شهادة لولاها لما قامت السموات والأرض ، ولاقبلت السنة والفرض ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشافع المشفع يوم العرض ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ، الذي كشفت به الغمة ، وهديت به الأمة، وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد : فلا نزال نستمع أيها المؤمنون لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تحكي لنا قصة الإفك قالت : فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ ( أي من البكاء والهم الشديد )ومعها امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ ، قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ، قَالَتْ : فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ : فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ ، ثُمَّ تُوبِي إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَتْ : فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ ، قَلَصَ دَمْعِي ( انضم وارتفع استعظاما للكلام ) حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً ، فَقُلْتُ لِأَبِي : أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ ، فَقَالَ : مَا أَدْرِي وَاللَّهِ مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي : أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،( وفي هذا من أدبها رضي الله عنها ، تفويض الكلام للكبار ، لأنهم أعرف بمقاصده ، واللائق بالمواطن منه ، وأبواها يعرفان حالها ، وأما قول أبويها لا ندري ما نقول ، فمعناه : أن الأمر الذي سألها عنه ، لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي ، من حسن الظن بها، والسرائر إلى الله تعالى ) قَالَتْ : فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ، إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ،،لاَ تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ تُصَدِّقُونِي ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ : ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )، قَالَتْ : ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي ، قَالَتْ : وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى ،،وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَجْلِسِهِ ( أي ما فارقه )، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ ، وَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ ( أي الشدة والتغير في الحال ) عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ( أي ينزل ويقطر ويتصبب ) مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ (شبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم من جبينه الوضاح المشرق ، كحبات اللؤلؤ في صفاء الفضة من الحسن والبهاء ) قَالَتْ : فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أي فرغ من تلقي الوحي ) وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ : أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ ، أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَكِ ،، فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قُومِي إِلَيْهِ ،، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي (معناه : قالت أمها قومي فاحمديه وقبلي رأسه ، واشكريه لنعمة الله تعالى التي بشرك ، فقالت عائشة ما قالت ادلالا عليه وعتبا ، لكونهم شكوا في حالها، مع علمهم بحسن طرائقها ، وجميل أحوالها ، وارتفاعها عن كل هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون ، ولاحجة له ولاشبهة فيه ، قالت إنما أحمد الله سبحانه وتعالى ، الذي أنزل براءتي ، وأنعم عليّ بما لم أكن أتوقعه ، كما قالت ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فىّ بأمر يتلى ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) عَشْرَ آيَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي ، قَالَتْ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ - وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلاَ يَأْتَلِ ( أي ولا يحلف )أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَاْ أُوْلِي الْقُرْبَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا .
قَالَتْ عَائِشَةُ وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ ( أي صَفْوَان بْن الْمُعَطَّلِ) لَيَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ ( أي ما كشف عن ثوب أنثى قط وهو كناية عن عدم جماع النساء جميعهن ومخالطتهن )، قَالَتْ : ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدًا ) .أخرجه أحمد(25095 ).
أيها المؤمنون : خذوا العبر العظيمة من هذا الحديث العظيم ، ففيه من الدروس الإيمانية الشيء الكثير الذي لا أستطيع بسطه لكم هنا ، ولكن لا بأس بذكر شيء من ذلك : ففيه حسن سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لهذا الأمر الذي حلَّ به وبأهل بيته ،فلم يطلقها بمجرد سماع الخبر ، ولم يضربها أو غير ذلك مما لو حصل لبعض الناس لفعل مافعل ، ومن الدروس المستفادة أيضا فضل أم المؤمنين عائشة وصبرها على البلاء شهرا ، قال العلماء وهي بريئة من الإفك براءة قطعية بنص القرآن فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين ، قال ابن عباس وغيره لم تزن امرأة نبي من الأنبياء قط صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا من إكرام الله لهم وفضل أبو بكر الصديق في قوله : (وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ ) الآية ، وفضل صفوان بن المعطل ، وكيف كان أديبا مع أم المؤمنين عائشة ، وفيه من الدروس تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره ، وفيه غير ذلك من الدروس والعبر مما هو مبسوط في كتب السيرة النبوية العطرة ، التي تنتظر منا ومن أبنائنا قراءتها ، وتعلمها وأخذ العبر منها ، خصوصا وأن أبناءنا يعيشون هذه الأيام في إجازة ، فاشغلوهم أيها الآباء الكرام بما ينفعهم ، وألحقوهم بحلقات القرآن الكريم ، واملؤا قلوبهم بحب الله ، وحب رسوله وحب العلم وأهله تفلحوا ، ويسعدوا .
جمع وترتيب / أسامة سعيد العنقاوي المالكي
22 صفر، 1418هــ


رد مع اقتباس