الحمد لله رب العالمين ،لك الحمد يارب العالمين حمد الشاكرين ، سبحانك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت علي نفسك ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله كان أتقي خلق الله وأعبد خلق الله اخشي خلق الله ،اللهم صل على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا بهد يه وتمسكوا بسنته وصدقوا فيما عاهدوا الله عليه .
أما بعد عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، واعلموا أن من أصلح ما بينه وبين الله ، أصلح الله ما بينه وبين الناس ، ومن أصلح أمر آخرته ،أصلح الله له أمر دنياه ، ومن كان له من نفسه واعظ ، كان عليه من الله حافظ .( )
أيها المؤمنون : يقول الله تعالى في كتابه العزيز : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ثلاثة سرد ، وواحد فرد ، وقد رجح بعض علماء السلف أن أفضل الأشهر الحرم شهر الله المحرم ( ).
لكنهم قيدوا هذه الأفضلية على ما بعد رمضان ، فشهر رمضان هو أفضل الشهور على الإطلاق .وتليه في الفضل الأشهر الحرم وأفضل الأشهر الحرم شهر الله المحرم .
وقد كان السلف يعظمون من هذه الأشهر عشرات ثلاث وهي ، العشر الأواخر من رمضان ، والعشر الأول من ذو الحجة ، والعشر الأول من المحرم .
فأفضل الليالي في عشر رمضان ليلة القدر وفيها أنزل القرآن ، وأفضل العشر من ذي الحجة يوم عرفه وفيه أكمل الله الدين وأتم النعمة ورضي لآمة سيدنا محمد الإسلام دينا ، وافضل العشر من محرم يوم عاشوراء وفيه نجى الله موسى وأهلك فرعون وجنوده ، فصام موسى شكرا لله ، وفيه استوت سفينة نوح علي الجودي ، فصام نوح شكرا لله .
وقد سمى النبي المحرم شهر الله ، وإضافته إلى الله سبحانه تدل على شرفه وفضله ، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته ، ونسب إليه بيته وناقته .
هذا وقد ورد في فضل صيام شهر المحرم أحاديث كثيرة ، ترغيبا للمؤمنين وتشويقا للعاملين في فضل رب العالمين ، وهذا الصيام مستحب وهو علي قسمين :
الأول عام فيه ، والثاني خاص فيه :
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ *رواه مسلم
و عَنْ أَبِي مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا نَبِي اللَّهِ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتُكَ عَامَ الْأَوَّلِ قَالَ فَمَا لِي أَرَى جِسْمَكَ نَاحِلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكَلْتُ طَعَامًا بِالنَّهَارِ مَا أَكَلْتُهُ إِلَّا بِاللَّيْلِ قَالَ مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَقْوَى قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا بَعْدَهُ قُلْتُ إِنِّي أَقْوَى قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ قُلْتُ إِنِّي أَقْوَى قَالَ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَصُمْ أَشْهُرَ الْحُرُمِ *رواه ابن ماجه
فهذه أحاديث شريفة تحث المسلمين على صيام الأشهر الحرم مطلقا ،من أولها ومن وسطها ومن آخرها، وكان السلف يسردون صيام الأشهر الحرم ، فمن الصحابة عمر وأبو طلحة وعائشة وابن عمر وغيرهم . ولكن حال كل إنسان مع نوافل الصيام يختلف عن الآخر . فعلينا معشر المسلمين في هذه الأزمان أن نأخذ ما تطيقه أنفسنا وظروفنا.
وأما الصيام الخاص : فهو صيام يوم عاشوراء وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على فضل صيامه فإليكم بعضها:
1738 عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ *رواه ابن ماجه
3397 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ * رواه البخاري .
وقد أمر رسول الله أمته أن يخالفوا اليهود في صيامهم فيصوموا يوما قبله أو يوما بعده :
فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا *رواه أحمد.2155
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَاقال : صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ * رواه مسلم 1134
أيها المؤمنون :ومن فضائل عاشوراء أنه يوم تاب الله فيه على قوم ، ويتوب فيه على آخرين ، ففي حديث علي الذي خرجه الترمذي أن النبي قال لرجل : إِنْ كُنْتَ صَائِمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصُمِ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ فِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ * رواه الترمذي
وفي قول النبي ويتوب علي آخرين ، حث لنا معشر المسلمين على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء ، وترجية لقبول التوبة . فمن تاب فيه إلى الله عز وجل من ذنوبه تاب الله عليه كما تاب على من قبلهم .
وقد قال الله تعالى عن آدم عليه السلام { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا :{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }، كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابا وقال فيه : قولوا كما قال أبوكم آدم عليه السلام :{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } وقولوا كما قال نوح عليه السلام { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } ، وقولوا كما قال ذي النون علبه السلام : {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }.
واعتراف المذنب بذنبه مع الندم عليه توبة مقبولة ، قال الله عز وجل : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم } . وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبي يستفتح به : اللهم أنت ربي لاإله إ أنت ظلمت نفسي ،واعترفت بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وفي الدعاء الذي علمه النبي للصديق أن يقوله في صلاته : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . وفي حديث شداد بن أوس عن النبي قال : سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لاإله إلا أنت خلقتني ,أنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . الاعتراف يمحوا الاقتراف كما قيل :
فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه كما أن إنكار الذنوب ذنوب
قال بعض السلف : آدم أخرج من الجنة بذنب واحد ، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا الجنة .
فاحذروا هذا العدو الذي أخرج أباكم من الجنة فإنه ساع في منعكم من العود إليها بكل سبيل ، والعداوة بينكم وبينه قديمة فإنه ما أخرج من الجنة وطرد منها إلا بسبب تكبره على أبيكم وامتناعه من السجود له لمّاأمر به ، وقد ابلس من الرحمة ، وايس من العود الى الجنة ، وتحقق خلوده في النار ، فهو يجتهد على أن يخلد معه في النار بنى آدم بتحسين الشرك ، فإن عجز قنع بما هو دونه من الفسوق والعصيان ، انه زين المعاصي لكثير من الناس فتجدهم ملؤا أوقاتهم بأجهزة كثيرة ما صنعها الأعداء إلا لشغل المسلمين عن التفكر في كتاب الله وفهم أسراره ومعرفة إعجازه ، ولوأنهم استعملوها لخدمة الدين الإسلامي ونشر محاسنه لكانت عونا على طاعة الرحمن ، وأبطالا لتزيين الشيطان ، إني رأيت من شبابنا من لاينام إلا على صوت الموسيقى المبثوثة في القنوات المختلفة ،وبعضهم يبيتون علي الفجور والفسوق ألا يخشى هؤلاء ومن تبع خطوات الشيطان مثلهم أن يفجأهم دخول ملك الموت عليهم وهم على تلك الحالة . كيف سيتذكروا شهادة ألا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وهؤلاء قد امتلأت قلوبهم وعقولهم ولبهم بأجهزة الصد عن ذكر الله وعن الصلاة . فهذه القلوب قلوب منكوسة لا يستقر فيها الخير والحكمة كالكأس المقلوب ، أفتر ى أن الماء يستقر في الكأس المقلوب ، وقد ورد في الحديث تحذير عظيم للمسلمين أن يحذروا من الفتن التي تقلب القلوب وتسودها وتجعلها قاسية الطبع :
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ *رواه مسلم 144 أحمد 22769 .
ومعني الحديث إجمالا أن الفتن تدخل القلوب شيئا فشيئا كما يصنع صانع الحصير حصيره عودا عودا فهو ينسجه نسجا فأي قلب أشربها أي ملىء بها وحلت منه محل الشراب في الكأس نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين : أبيض مثل الصفا أي في شدة بياضه لأنه محصن بنور الإيمان وحب الرحمن فهذا القلب لا تضره فتنة مادامت السموات والأرض والآخر أسود مربدا أي مسودا كا لكوز أي كالكأس مجخيا أي مقلوبا لايستقر فيه الهدى ولا يؤثر فيه الوعظ والإرشاد لأنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلاماأشرب من هواه . نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من ذلك .
فخذوا حذركم عباد الله واعتصموا بكتاب ربكم وسنة نبيكم وتوبوا إلى الله من ذنوبكم في عاشوراء وغيره واتقوا الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . { يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } العجب كلّ العجب ممن عرف ربه ثم عصاه ، وعرف الشيطان ثم أطاعه : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا )
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . ألقيت بتاريخ 7/ 1 /1417
كتبها الفقير إلى الله / أسامة بن سعيد العنقاوي


رد مع اقتباس