الربا
السلام عليكم,
هذا جزء من مقال ترجمته اليوم, يتحدّث فيه صاحبه عن الخديعة الكبرى المسماة بالنظام المالي الأمريكي, وكيف أن هذا النظام يغرق العالم كله بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليحقق مآربه, وكيف أن هذا النظام, ممثلا بالقائمين عليه, يصدّر الأزمات التي تحدث في الداخل الأمريكي ليتحلل من تبعاتها فيلقيها على كاهل الشعوب الأخرى, وأغلبها الشعوب الفقيرة المطحونة. يتحدث الكاتب عن أمور مذهلة تحدث هنالك في الخفاء دون أن يشعر الناس.
هل تعلم يا أخي بأن الولايات المتحدة, وخوفا من تدفق مليارات الدولارات عليها (تلك المليارات التي أفسدت بها العالم, فزادت عدد الجوعى والعرايا فيه)( تدفق الأموال الكبيرة على بلد معين يعني التضخم الذي يشل اقتصاده وكل مرافقه), في حال قالت الشعوب الغارقة في وحلها كلمتها رافضة التحكم الأمريكي بها وباقتصادها وحريتها, هل تعلم بأنها فكرّت بطباعة طبعتين مختلفتين من الدولارات بتغيير بعض الألوان قليلا, وهما طبعة تتداولها أيدي المواطنين الأمريكيين في الداخل, والثانية في الخارج, مع شعوب العالم الأخرى التي ربطت مصيرها بدولار العم سام, حتى إذا أرادت تلك الشعوب التخلص من تلك الدولارات - في حال أرادت أن تكون لها عملتها المؤثرة- بإدخالها إلى أمريكا والتجارة فيها في الداخل الأمريكي فإنها لن تستطيع إلى ذلك سبيلا لأن هذه العملة وبهذه المواصفات ستكون عندها غير قانونيية لأنها غير معمول بها في الداخل ومن ثم ستعتبر هذه الأموال كالحبر على الورق ولن تنفعهم بشيء, وستجلس تلك الشعوب على أبواب العم سام الحاني تندب حظها وتستجدي قوتها.
الربا
في الأزمنة الغابرة, كان الربا يعرّف بأنه فائدة على الدين, أية فائدة كانت على أي دين. أما في عصرنا الحاضر, فقد أعيدت صياغة تعريف الربا ليعني الفائدة الجامحة الفاحشة على الدين.
لنفرض أن شخصا يريد بناء منزل يكلفه 100,000 دولار. ولنفرض أن 30,000 دولار منها ستذهب لشراء قطعة الأرض التي سيقام عليها المنزل ولأجرة المهندس المصمم, وللرسوم المطلوبة وإلى ما شابه ذلك. وستذهب ال 70,000 دولار المتبقية في أجرة البناء الفعلي للمنزل من المواد الأساسية للبناء وأجرة للعمال وما شابه ذلك.
سنفرض الآن أن هذا الشخص سيذهب إلى البنك ليودع 20% وليقترض باقي المبلغ بنسبة فائدة (ربا) تصل إلى 10% لمدة 30 عاما. إذا حسبنا هذه الأرقام حسبة سريعة, سنكتشف بأن هذا الشخص سيدفع للبنك مبلغ 172,741 دولارا بالمقارنة مع 70,000 دولار وهو الثمن الحقيقي للبناء. فالذي سيُدفع للبنك أضعاف ما سيُدفع لمن سيقومون بعملية البناء وتوفير المواد الأساسية للإنشاء.
ولكن قد تقول لنفسك, نعم ولكن هذا فيه نوع من الإنصاف, فبعد 30 عاما تمر على الدين وهي أعوام ضحّى فيها أصحاب المال بجهدهم وتعبهم لأجل هذا الشخص, أفلا يستحقون التعويض عن تجميد أموالهم؟ لا ليست هذه الأموال!
فلم يعمل أحد لأجل هذا المال, ولم يدّخر أحد هذه الأموال! ولم يكن هنالك أدنى معيار للتضحية المزعومة. فهذه الأموال قد تولدت من لا شيء, ومبلغ 172,471 دولار هو ربا فاحش على مبلغ جاء من لا شيء!
باعتقادي فقد آن الأوان أن نعيد تعريف الربا كما يلي:
( أية زيادة ولو كانت ضئيلة على أي دين لا أساس لأمواله ولا حقيقة "وهي الأموال التي تولدت من اللاشيء").
المثال السابق عن البيت الذي يكلف 100,000 دولار والذي يولّد 172,741 دولار من الربا غير المستحق, وعلى الرغم من أن هذا الرقم يصيب الإنسان بالصدمة, إلا أنه كحبة الرمل في الصحراء الكبيرة المفتوحة. عليك أن تضاعف هذا المبلغ وتسحبه على كل البيوت في أمريكا, وعلى كل الفنادق, وناطحات السحاب, والمصانع, والطيارات , والسيارات, والمزارع, والمدارس وكل الممتلكات المادية في الولايات المتحدة الأمريكية. فهل تستطيع أن تتخيل حجم المأساة؟ فنحن نتكلم عن نهر جارف من الثراء المختلق والذي لن تستطيع تجاوزه مهما كان معك من معدات, والذي يصب تباعا في جيوب أصحاب البنوك الكبرى!
بهذه الطريقة, فإن الأموال تؤخذ من الناس الذين يكدّون ويجتهدون ليحصلوها, وهم لا يعلمون بأن أموالهم تؤخذ منهم لتصب في هذا النهر الجارف والذي بدوره يصب في جيوب هؤلاء.
ولكن السؤال هنا أين هي الوجهة الأخيرة لهذه الأموال أو لهذا النهر الجارف؟
هذا النهر من الأموال يصب في بحيرة في مكان ما, وربما قد بني على أحد أطرافها سداّ منيعاّ يحوي داخله كل هذا الثراء الفاحش وهؤلاء قد استولوا عليه. استولوا عليه؟!
لا, هم ينفقونه! فهم لا يكدّسونه أبداّ. ولكن على أي شيء ينفقونه؟ ربما ستندهش من الإجابة, فهم لا يشترون بهذه الأموال اليخوت الفارهة, أو القصور العظيمة, فهم يملكونها مسبقا ويملكون كل ما يمكن أن يتخيلوه أو يحلموا به ومنذ زمن بعيد, وربما تراهم قد ملّتها أنفسهم فتخلصوا منها. عندما يتحصل المرء على كل ما يمكن أن يحلم به من الثراء والنعمة والدّعة, فما الذي يمكن أن يبقى؟ السلطة والسيطرة! فهم يستخدمون هذا النهر الجارف من الثراء ليسيطروا عليك وعليّ وعلى أبناءنا.
هم ينفقون هذه الأموال لسيطروا على مراكز القوى في المجتمعات. ومراكز القوى هي تلك المجموعات أو المؤسسات بحيث يعتمد عليها أفراد المجتمعات في حياتهم ونشاطاتهم وتحصيل علومهم ومعلوماتهم. فهم يشترون العالم بكل ما تحمل الكلمة من معنى, ليست العقارات والشوارع, إنما السيطرة على المؤسسات والمجموعات والمعاهد والتي بدورها تسيطر على الأفراد. وبتعبير آخر, فهم يشترون السيطرة على السياسيين, والأحزاب السياسية , وشبكات التلفاز, وشبكات الإنترنت, والصحف والمجلات ودور النشر والاتصالات واستوديوهات الصور المتحركة والجامعات واتحادات العمال والكنائس ومنظمات التجارة والضرائب والمؤسسات المتعددة الجنسيات وسمِّ أنت ما شئت. أكتب القائمة التي تعجبك وضمّنها أسماء المؤسسات وسوف تكتشف أين كان يختبئ هؤلاء طيلة هذه العقود الطويلة من الزمن ينفقون من نهر الثراء الجارف ليكتسبوا السيطرة الفعلية وخصوصا على هذه المؤسسات وهؤلاء الأفراد.
هذه العملية لم تكن مقتصرة على الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الصناعية الأخرى في العالم بل تعدّتها إلى ما يسمى بدول العالم الثالث أو الدول النامية إلى درجة أنني أجزم بأنها قد اكتملت تماما. فهم يملكون تلك البلاد كلياً! هل تساءلت يوما ما لذي يحدث في أروقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؟ هنالك عمليات غامضة تحدث في تلك الأماكن,ولا يقرأ المرء عنها كثيرا في الصحف أو يسمع عنها في الأخبار إلا مرة عابرة في كل فترة في الصفحة الأخير من الصحيفة, فإنك تجد خبرا مفاده أن الكونغرس وتحت إصرار الرئيس أمر بمنح 100 مليار دولار أخرى لصندوق النقد الدولي. وتخبرك الصحيفة بعدها بأن هذه الأموال سوف تذهب إما على شكل مساعدات أو قروض للدول النامية لكي توظف في تحسين الوضع المعيشي للشعوب هنالك. فهل تصدّق ذلك؟! فلو أن هذه الأموال قد وظفت لرفع المستويات المعيشية للشعوب فإنها لم تؤد وظيفتها جيداّ, لأننا بعد كل هذه العقود الطويلة, وبعد مئات المليارات من الدولارات, لا نستطيع أن نشير إلى بلد من هذه البلدان أو إلى شعب من هذه الشعوب لنقول إنه قد تطور وقد تحسّنت ظروف معيشته, أبداً. في الحقيقة في أغلب الأحيان فإن الذي نراه هو عكس هذا, وهذا لم يأت هكذا اعتباطاً لأن هذه الأموال لم تستخدم لرفع المستويات المعيشية للناس. فهذه الأموال لا تذهب إلى شعوب تلك البلدان,إنما تذهب إلى السياسيين في تلك البلدان, وإلى حكوماتهم, وهذه الأموال قد صُممت وأنفقت في تقوية سطوة هؤلاء وسيطرتهم على شعوبهم. فهم لديهم الجيش المدجج بالسلاح, والذي يكبح جماح تلك الشعوب. هكذا توظف وتنفق تلك الأموال.
لقد تم شراء تلك البلاد لأن السياسيين فيها هم الآن مدمنون على هذه الأموال. نحن نتكلم عن العائلات الثرية في أمريكا والتي تمتد من الجيل الثالث أو الرابع في الثراء, والتي لا تحلم بأكثر من ذلك, وهي التي قد شابهت السياسيين في تلك البلاد الذين ورثوا الثراء من حسابات صندوق النقد الدولي من الجيل الثاني والثالث وفي بعض الحالات الرابع. هؤلاء لا يحملون أية أيدولوجية أو فكر ديني أو اشتراكي أو اجتماعي أو رأسمالي أو حتى فاشي فما الفرق الذي ستشكله كل هذه الأفكار؟! المهم أين المال, أين المال!! فطالما أنهم يعيشون حياةً رغيدة في قصورهم الفارهة ويخوتهم, ويستطيعون أن يذهبوا إلى نيويورك ويحصلون على ألبستهم الباهظة من أفضل دور الأزياء, فاليذهب كل شيء آخر إلى الجحيم, فهذا كل ما يحملون همه في حياتهم.
لقد تم شراء هذه البلاد بهذه الطريقة وهي الآن مملوكة بالكامل من قبل هذه المجموعة في الأمم المتحدة وهي (هذه البلاد) في مكان ما من النظام العالمي الجديد بحيث تنتظر ما يرمى لها. وهذا كله جزء من الخطة الكبيرة, أهدر المال وأنفقه بل وتخلص منه وتخلص من القوى الفاعلة في البلاد لتبقي تحت سيطرتك الجميع.
والذي أحاول قوله هو أن عنوان اللعبة هنالك لهذه الطغمة ليس الثراء إنما السيطرة والسطوة.
إليك وإلا لا تشد الركائب ــــــــــ ومنك وإلا فالمؤمل غائب
وفيك وإلا فالرجاء مضيع ــــــــــ وعنك وإلا فالمحدث كاذب