الأخ الفاضل،
هذا بعض ما ذكرته في شرح كتاب الاقتصاد في الاعتقاد الذي سميته خلاصة الاقتصاد، أرجو أن يكون كافياً لتوضيح المقام، قلت:"الدعوى الثالثة
صانع العالم الموجود القديم باقٍ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، لأن عدمه لو جاز لكان ممكناً، وكل ممكن حادث، وقد ثبت أن صانع العالم ليس بحادث.
وما دام قد ثبت وجود الصانع وقدمه، فإذا فرضنا عدم بقاءه فلا يخلو أن يكون سبب عدم بقاءه من أمور ثلاثة:
- إما فاعلٌ يُعْدِمُه بقدرته واختياره.
- وإما ضِدٌّ يدافع وجودَه فيعدمه.
- أو ينقطع شرط من شروط وجوده فينعدم.
وكل هذه الاحتمالات باطلة.
أمَّا الأول فلو جاز للفاعل أن يعدمه لكان هذا القديم ممكناً، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات، ولو كان ممكناً لاستحال كونه قديماً، ولكن ثبت كونه قديماً. وأيضا فالقدرة يكون أثرها الوجود ولا يكون أثرها العدم، فالفاعل لا يفعل العدم لأن الفعل يكون دائماً وجودياً. وقد يقول قائل: لِمَ لا يقال إن فعل القدرة هنا معناه انقطاع تعلقها بالقديم، فلو انقطع تعلق القدرة بالقديم لم يبق موجوداً. فالجواب: لا يقال هذا لأمرين؛ الأول: لأنا لو فرضنا تعلق القدرة بأمر لاستحال أن يكون ذلك الأمر قديماً، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن، والممكن لا يكون إلا حادثاً. والثاني: أن انعدام التعلق هو في معنى انقطاع شرط من شروط وجوده، وسوف نناقشه في الاحتمال الثالث.
فآثار القدرة تكون دائماً وجودية، ومعنى قول من قال من أهل السنة أن القدرة تتعلق بالإيجاد والإعدام ليس أن القدرة تخلق العدم، بل إن معناه أن القدرة إذا تعلقت بأمر فإنه يترتب على ذلك وجود ذلك الأمر، وإذا انقطع التعلق انعدم ذلك الأمر لذاته لأنه لا بقاء له من ذاته، فبقاؤه إنما هو لتعلق قدرة القادر به.
ومن هذا ظهر أن المتكلمين اتفقوا على أن أثر القدرة الوجود، فلا يصح لأحد أن يقول إن الله القادرَ لم يوجد شيئاً أو أن آثار قدرته مجرد أمور اعتبارية. أما المعتزلة القائلون أن الأشياء ثابتة لنفسها في الأزل، فلا يريدون بلفظ الشيء الموجود، بل المعلوم، وهو صادق على الثبوت، ويبنون قولهم هذا على أن الأمور ثابتة في حال عدمها بناءً على الأحوال، وهي لا موجودة ولا معدومة. فكونها أشياء ليست أثراً من آثار قدرة الله، بل بأنفسها، وأما قدرة الله تعالى فأثرها إيجاد هذه الأشياء أو ترك إيجادها، فلا يلزم أن الله لم يفعل شيئاً بمعنى موجوداً، لأن الشيء الثابت ليس فعلاً لله عندهم، ولكن هذا الثابت يمكن أن يرفعه الله عن رتبة الثبوت إلى رتبة الوجود، فيكون كونه شيئاً موجوداً بقدرة الله تعالى.
والحاصل أنه يستحيل القول أن الله لم يستعمل قدرته في أثر وجودي أو موجود ألبتة، لأن هذا معناه أن الله بقي كما كان ولم يوجد شيئاً، فالله أوجد العالم بعد أن لم يكن.
وأما الاحتمال الثاني، وهو أن يُعْدِمَه ضِدٌّ، فهذا الضد إما أن يكون حادثاً أو قديماً، فإن كان حادثاً اندفع وجوده بمضاده القديم، ولم يكن بقاؤه أولى من بقاء القديم وإلا لزم الترجيح بين متساويين بلا مرجح، وربما يلزم ترجيح المرجوح. وإن كان قديماً موجوداً مع القديم ولم يعدمه وقد أعدمه الآن، فهو محال للزوم الرجحان بلا مرجح، حيث إنه لِمَ أعدمه الآن ولم يعدمه قبل الآن؟، وأيضا كيف يكون ضدان قديمان معاً؟.
وأما الاحتمال الثالث، وهو أنه انعدم لانعدام شرط وجوده، فهو محالٌ أيضاً، لأن الشرط إن كان حادثاً استحال أن يكون وجود القديم مشروطاً بحادث، وإن كان قديماً فالكلام في استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط، فلا يتصور عدمه."اهـ
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب