2) ينبغي الرجوع في الأحكام الفقهية إلى الله ورسوله لا إلى أقوال الفقهاء قال - جل جلاله -: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ:

ويجاب عنه: بأن ظاهر الآية يقتضي أن التنازع واقع في غير المنصوص عليه؛ إذ كانت العادة أن التنازع والاختلاف بين المسلمين لا يقعان في المذكور بعينه في نص قرآني أو سنة نبوية؛ لذلك أمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حياته, وسنته بعد وفاته. والرد إلى الكتاب والسنة إنما هو باستخراج حكمه منه بالاجتهاد والنظر .
ويدل عليه قوله - جل جلاله - أيضاً: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم), وأولي الأمر، هم أولو العلم، فأمر باستنباط ما أشكل عليه حكمه .
ويدلّ عليه أيضاً: قوله - جل جلاله -: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)، وقوله - جل جلاله -: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم)، وقال - جل جلاله -: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، فإذا لم نجد فيه كل حكم منصوصاً, علمنا أن بعضه مدلول عليه, ومودع في النص, نصل إليه باجتهاد الرأي في استخراجه.
الثالثة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر وينهى دون أن يفصِّل بالمراتب المعروفة لدى الفقهاء من واجب وسنة ومندوب ومكروه وغيرها، فلا حاجة لهذا التفصيل.
ويمكن الجواب عن هذا بأنه غدت الحاجة للتفصيل لأسباب منها:
فساد الزمان وقلّة العمل وكثرت السؤال من الناس بخلاف عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان عصر صلاح وفلاح بفضل بركة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف الرجل ولا يستحلف)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهنّ في القرآن منهن: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)، قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.
حفظاً لعلوم الدين بعدما توسعت رقعة الإسلام.
تسهيلاً على المتعلمين لأحكام الشريعة والمطبقين لها.
تباين العلوم والتخصص في كل منها، فكانت وظيفة الفقيه هي بيان التفاريع الفقهية وحكمها على ما اصطلح عليه بدقّة متناهية.
أنه لكل فنٍّ وعلم اصطلاحاته الخاصة به التي تزداد كلما نما هذا العلم، وعلم الفقه كغيره برز وظهر بعدما كان مختلطاً بغيره في بداية الإسلام، وكان لا بدّ لتميزه من ظهور ألفاظ خاصّة به بيّنها أهله.
أن هذه المراتب للأحكام ليست عقلية، وإنما أخذت بالنظر المستفيض في نصوص الشرع، وقوة دلالتها على الأحكام، فأريد بها التعبير عن مقصود الشارع في الالتزام بهذه الأحكام.
أن مبنى حال الشارع على التعليم والتذكير معاً: (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ)، فكان يعبر بما هو أدعى للعمل وأبعد عمّا يوجب الكسل، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذا أمروا بشيء أخذوا بجميع مراتبه، وإذا نهوا عنه تركوه بالكلية، فلم تكن حاجة إلى البحث.
وأجاب العلامة محمد الحسن الحجوي الفاسي (ت1367هـ) عن كيفية أخذ الفقهاء الأحكام الخمسة من القرآن بكلام طويل، أذكره بعضه، إذ قال: ((غير خفي أن القرآن ليس من الأوضاع البشرية الموضوعة لبيان علم من العلوم بمصطلحاته، بل هو كلام الله الذي أنزله على عبده لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، جعله في أعلى طبقات البلاغة؛ ليحصل الإعجاز وتثبت النبوة وساقه مساق البشارة والإنذار والوعظ والتذكير؛ ليكون مؤثراً في النفوس رادعاً لها عن هواها سائقاً لها بأنواع من التشويق إلى الطاعة وترك المعصية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر بتنوع العبارة التي تؤدي بها تلك الأحكام.
ومن طبيعة البشر أن يملّ من عبارة واحدة ولا يحصل بها التأثير المطلوب، فلو قيل في كل مسألة: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام، هذا مكروه، هذا جائز، لتكرر اللفظ ولم يكن هناك الفصاحة المؤثرة فلذلك تجد القرآن تارة يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحلية، قال - جل جلاله -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)، ويعبر بالوجوب بمادة فرض: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِم)، .)).