3) انقسم التابعين ومَن بعدهم إلى مدرستين فقهيتين: مدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي، فالأولى تعتمد على النصوص الشرعية في استنباط الأحكام؛ لتوافرها لديها، والثانية: اعتمادها على الرأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها, ويدل عليه كلام إبراهيم النخعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن:
والجواب عنها على التفصيل التالي:
بعد أن وقعت جلّ الدول الإسلامية تحت وطأة المستعمرين في مطلع القرن العشرين، كان لا بدّ من حيلة لهم للسيطرة على المسلمين واستمرار الولاء لهم أمام تمسّك الناس بدينهم وأحكامه الثابتة ووقوف الأزهر ـ الذي كان يعتبر منارة المشرق الإسلامي في القرون المتأخرة ـ سداً منيعاً في وجههم، حملت هذه الحيلة شعارات براقة في ظاهرها: كفتح باب الاجتهاد، والرجوع إلى الكتاب والسنة، والسير على طريق السلف، ودراسة الفقه المقارن؛ من أجل الإصلاح الديني والاجتماعي كما يزعمون، لكن الواقع يثبت أن خلافه الذي حصل؛ لما تحويه من السم الذي دسَّ في الباطن.
وكان من أكبر الدعاة لهذه الحركة محمّد عبده وتلميذه محمّد رشيد رضا (ت1935م) الذي أصدر مجلة ((المنار)) لبث هذه الأفكار، وألف كتاباً سمّاه ((يسر الإسلام وأصول التشريع العام))
جعل الفقهاء فيه قسمين: أهل حديث وأهل رأي.
يقول الإمام الكوثري - رضي الله عنه - عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا: ((ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذاً من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد.
وأما ما وقع في كلام إبراهيم النخعي وبعض أهل طبقته من القول: بأن أهل الرأي أعداء السنن، فبمعنى الرأي المخالف للسنة المتوارثة في المعتقد، يعنون به الخوارج، والقدرية، والمشبهة، ونحوهم من أهل البدع، لا بمعنى الاجتهاد في فروع الأحكام، وحمله على خلاف ذلك تحريف للكلم عن مواضعه، فكيف! والنخعي نفسه، وابن المسيِّب نفسه من أهل القول بالرأي في الفروع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذلك)).
فما تخيّله وتصوره محمد رشيد رضا من وجود مدرستين: مدرسة أهل الحديث ممثلة بالمدينة وعلى رأسها الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومدرسة أهل الرأي ممثلة بالكوفة وعلى رأسها الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، مشى عليه من جاء بعده وتوسَّعوا في الكلام والتعليل له بما يطول الكلام فيه، فإن ثبت أن هذا التصور غير صحيح، ثبت سقوط كلّ ما أحيط به من الهالة، وتحقيق ذلك بالنقولات التالية:
ذكر ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) الفقهاء بعنوان أصحاب الرأي، ويَعدُّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس - رضي الله عنهم -.
وذكر الحافظ محمد بن الحارث الخشني، أصحاب مالك - رضي الله عنه - في ((قضاة قرطبة)) باسم أصحاب الرأي.
وهكذا فعل أيضاً الحافظ أبو الوليد بن الفرضي في ((تاريخ علماء الأندلس)).
وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي، يقول في شرح حديث الداء العضال من ((الموطأ)) في صدد الردّ على ما يرويه النقلة عن مالك - رضي الله عنه -، في تفسير الداء العضال: ((ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من أهل الرأي من أصحابه))، يعني من أهل الفقه، من أصحاب مالك - رضي الله عنه -، إلى غير ذلك، مما لا حاجة إلى استقصائه هنا.
وقد بيَّن العلامة أبو زهرة - رضي الله عنه - زيف هذه النظرية، وانتقد المعاصرين القائلين فيها، فقال: ((قد وجدنا أن كتاب تاريخ الفقه في عصرنا يعدون مالكاً - رضي الله عنه - فقيه أثر لا فقيه رأي، وسايرناهم في بعض كتابتنا السابقة في هذا المقام، وقلنا أن طريقة فقهاء المدينة في الاستنباط تقابل طريقة فقهاء العراق، وأن أهل المدينة يعتمدون على الأثر في أغلب استنباطاتهم وأن العراقيين يغلب على فقههم الرأي، ولكنا عند دراسة مالك خاصة وجدناه فقيه رأي كما هو فقيه أثر، وأن ما يقال عن فقه المدينة في كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك - رضي الله عنه - الذي طبع به الفقه المدني في عصره، وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك - رضي الله عنه - ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره.
وتلك قضية قد لمحناها في دراستنا السابقة، وفحصناها في الدراسة، فوجدنا أن ما أدركناه بلمح النظر، وهو ما انتهينا إليه بعد ترديد البصر.
وبذلك تنهار النظرية التي تقرِّر أن سببَ الإكثار من الرأي هو قلّة العلم بالحديث، فما كان علم مالك - رضي الله عنه - بالحديث قليلاً، بل كان كثيراً ولكنّ الحوادث التي وقعت، والمسائل التي سئل فيها كانت أكثر بقدر كبير جداً، فكان لا بُدّ من الرأي، ولا بُدّ من الإكثار منه، ما دام يفتي ويستفتي، ويجيء إليه الناس من الشرق والغرب سائلين مستفتين)).
وممّا يؤيِّد سقوط مثل هذه النظرية أن ربيعة الرأي سمّي بذلك لاشتهاره في القول بالرأي مع أنه كان أحفظ الناس لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن الماجشون - رضي الله عنه -: ((والله ما رأيت أحداً أحفظ لسنَّة من ربيعة)).
وقال أبو زهرة أيضاً: ((إننا في هذه الدراسة سنرى أن مالكاً - رضي الله عنه - لم يكن في اعتماده على الرأي مقلاً كما توهم عبارات الذي كتبوا في الفقه الإسلامي، حتى إنهم ليقسموا الفقه إلى فقه الأثر، وفقه الرأي، ويعدون موطن الأول المدينة، ويعدون موطن الثاني العراق، ويذكرون أن مالكاً فقيه أثر، وأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - فقيه رأي.
وقلنا أن هذه القضية تلوح لنا غير صادقة بالنسبة لمالك - رضي الله عنه - وإن كانت صادقة بالنسبة لأبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقلنا أنا وجدنا ابن قتيبة يعدّ مالكاً فقيه رأي، وذكرنا في بيان حياة مالك - رضي الله عنه - أن معاصريه كانوا يعتبرونه فقيه رأي)).
ومن هؤلاء المعاصرين ما ذكره ابن عبد البر - رضي الله عنه -: ((قال ابن لَهيعة: قدم علينا أبو الأسود في سنة إحدى وثلاثين ومئة، فقلت: من للرأي بعد ربيعة بالمدينة؟ قال: الغلام الأصبحي)).
وبذلك يتبيَّن أن ما يقال من وجود مدرسة أهل حديث غير دقيق بهذا الوصف؛ لأن أهل الحديث هم المشتغلون بالروايات من حيث النقل وكثرة الأسانيد وعلوّها وصحّتها وضعفها لا مَن يشتغل باستنباط الأحكام الفقهيّة، يقول الإمام الكوثري - رضي الله عنه -: ((وأمّا أهل الحديث فهم الرواة النقلة، وهم الصيادلة، كما أن الفقهاء هم الأطباء، كما قال الأعمش - رضي الله عنه -، فإذا اجترأ على الإفتاء أحد الرواة الذين لم يتفقهوا، يقع في مهزلة، كما نصَّ الرامهرمزي في ((الفاصل))، وابن الجوزي في ((التلبيس))، و((أخبار الحمقى))، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه))، على نماذج من ذلك، فذكر مدرسة للحديث هنا مما لا معنى له)).




رد مع اقتباس