النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مقال:علم العقيدة أم علم الكلام؟ (د. الطيب بوعزة)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    8

    مقال:علم العقيدة أم علم الكلام؟ (د. الطيب بوعزة)

    علم العقيدة أم علم الكلام؟
    د. الطيب بوعزة

    في نسق المعرفة الإسلامية أرى أن ثمة علما أُسِيءَ إليه بنوعية الاصطلاح الذي وضع لوسمه ووصفه. مثلما أن هناك علوما أخرى أسيء إليها بنوعية التقعيد المنهجي الذي وضع لها. وهناك صنف ثالث أسيء إليه بسبب عدم ضبط حدود موضوعاته، فصارت مختلة في النظر، ومائعة في بيان وَحَدِّ مجال الاشتغال.

    والعلم الذي نقصد أن فيه اختلالا من جهة التسمية هو علم الكلام، الذي هو أساسا علم يختص ببيان العقيدة الإسلامية والدفاع عنها بالاستدلال العقلي والنقلي. وهو العلم الذي لشرف موضوعه، وسموق غايته، وأولويته التأسيسية في بناء النسق المعرفي الإسلامي سماه الإمام أبو حنيفة الفقه الأكبر.

    كما سمي علم التوحيد، وعلم العقيدة، أو علم العقائد؛ بل اختزلت التسمية أحيانا لتصير علم الذات والصفات، وذلك ليس فقط لأن الذات الإلهية كانت أكثر الموضوعات التي انشغل بها علماء الكلام، بل إن اقتران تسمية الصفات بها فيه إشارة اختزالية لأهم مواطن الخلاف بين المذاهب الكلامية. فاعتبار الصفات زائدة على الذات يقول د. حسن حنفي- يؤدي إلى جميع مواقف الأشاعرة من كسب وأولوية للنقل على العقل، والتوحيد بين الذات والصفات ويؤدي إلى جميع أصول المعتزلة في العدل والوعد والوعيد.

    لكن التسمية التي اشتهرت قديما وكذا حديثا هي علم الكلام؛ فحتى في نتاجات الفكر الإسلامي المعاصر نجد أن هذا الاصطلاح هو الأكثر اشتهارا وتداولا، بل حتى التجديد الذي يَعمل بعض المفكرين على إجرائه في المباحث العقدية يُقدمونه اليوم تحت مسمى علم الكلام الجديد.

    لقد اختلف كثيرا في سبب تسمية علم أصول الدين بعلم الكلام. لكن يمكن اختصار هذا الاختلاف أو تصنيفه إلى قسمين اثنين: قسم سماه بسبب موضوعه (ويتفرع هذا القسم إلى اتجاهين اثنين)؛ وقسم سماه بحسب منهجه، فيتحصل من ذلك ثلاثة اتجاهات في تحديد علة التسمية.

    أولها أن منهم من رأى أن سبب نعت هذا العلم بالكلام راجع إلى أنه يأخذ كلام الله، وهو القرآن، موضوعا له.

    فتكون التسمية بحسب موضوع اشتغال المتكلم، حيث مدار نظره واستدلاله هو كلام الله (القرآن).

    غير أن هذا التعليل قاصر عن إقناعنا بقيمة هذا التسويغ؛ لأنه، إذا ما أخذناه بمنطوقه، سيؤول في النهاية إلى مساواة علم الكلام بعلم القرآن، بينما الفارق بينهما بَيِّنٌ من حيث الحصيلة والمنهج والقصد والقوام المفاهيمي بما لا يدع مجالا للمشابهة بله المماثلة.

    أما المذهب الثاني فيرجع التسمية إلى أن أشهر بحث فيه هو كلام الله، هل هو قديم أم حادث.

    وهنا تكون التسمية راجعة إلى الاختلاف في طبيعة موضوع هذا العلم، أي كلام الله، هل هو محدث في زمان أم أنه قديم؟

    والاستدلال على التسمية بهذا لا يعطيها مسوغا كافيا لمنحها مصداقية؛ لأنه مهما كان فإنها مجرد تسمية جد جزئية، تعلقت بمسألة من بين مسائل هذا العلم، فتكون بذلك رؤية انتقائية مفتقرة إلى الإحاطة بموضوعها ومسائله على حد سواء.

    وثالث التفسيرات المقدمة هو أن هذا الحقل المعرفي سمي علم الكلام من جهة منهجه وهو يقول حسن حنفي- الكلام والمناقشة والجدل والرد على الخصوم.

    وهذا تعليل ثالث متهالك كسابقيه؛ لأن اعتبار منهج هذا العلم هو الكلام، فيه إقلال من قيمة المنهج، فضلاً عن ابتذاله بوسمه ذاك. فلم يكن الكلام يوما منهجا بحد ذاته، بل المنهج هو الذي يوجه التفكير والكلام معا.

    إن استعراضنا لهذا الاختلاف في تسمية هذا العلم لم يكن فقط بقصد التنبيه إلى وجود اصطلاحات وتسميات أخرى أدق في الدلالة على موضوعه وغايته، مثل علم العقيدة، أو علم التوحيد، أو علم أصول الدين، بل للتوكيد على أن التسمية الشائعة فيها مشاحة لا تليق بهذا المبحث ابتداء، فضلا عن نقد من يريد تجديد علم أصول الدين اليوم تحت مسمى علم الكلام الجديد، إذ أولى به، في نظرنا، أن يبدأ التجديد من عنوان علمه قبل أن يدلف إلى الاشتغال على محتواه.

    ومن ثم فالتجديد الذي يراد اليوم تأسيسه منهجيا على نحو يجدد الاستدلال على العقيدة الاسلامية في زمن الشُّبَهِ المعاصرة، ينبغي أن يبدأ من البدء فيتدارس المفاهيم والمنهج ولا يتخطاها إلى اعتمادها وكأنها مسلمات لا نقاش فيها. وأول مفهوم ينبغي تبديله هو تسمية هذا العلم ذاته (علم الكلام)؛ لأنه في تقديري لا يؤسس لوسم منهجي دقيق لمبحثه، بل هو مجرد كلام ملفوظ، شاع وذاع فاعتمد من قبل جمهور العلماء.

    ثم لا ينبغي ان ننسى أن هناك أمرا أهم من مجرد تغيير التسمية، وهو أن ثمة حاجة ملحة اليوم إلى تجديد محتوى علم أصول الدين، بإعادة النظر في مفاهيمه ومنهجيته، والموروث من طرائقه في النظر والاستدلال.


    المصدر: جريدة الخليج الإماراتية اليومية ـ ملحق مجلة الصائم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    710
    كلام جميل ..و لا اعتراض عليه اجمالا..
    لكن الأهم قوله وفقه الله تعالى:
    ثم لا ينبغي ان ننسى أن هناك أمرا أهم من مجرد تغيير التسمية، وهو أن ثمة حاجة ملحة اليوم إلى تجديد محتوى علم أصول الدين، بإعادة النظر في مفاهيمه ومنهجيته، والموروث من طرائقه في النظر والاستدلال.
    هذا ما يهمّنا بالأساس..
    فلو حدّثنا الدكتور عن نظرته الى تجديد محتوى هذا العلم الذي اعترف بأهميته أول المقال..
    فإن التجديد كثيرا ما أريد به هدم ما بنته الأمة و استبدال أفكار و مناهج غربية أو شرقية غير ذات أساس اسلامي سنّيّ به..
    فنرجو أن لا يكون الأمر كذلك ..لأنه لن يكون حينها تجديدا بل تبديد..

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •