[[SIZE="6"]FONT="Traditional Arabic"][SIZE="5"][SIZE="7"]الأخ الكريم :
اعلم أن الانتقال من مذهب تقلده عن علم واقتناع إلى مذهب آخر يتوقف حكمه على سبب الانتقال. فإن كان الانتقال لسبب دنيوي كتحصيل رياسة أو مشيخة فهو حرام قطعاً. وأن كان لسبب ديني كاعتقادك بأنه لن يأتي منك شيءٌ كما حصل مع الطحاوي فهذا مباح وقد يكون واجباً عند خشية الانقطاع نعوذ بالله من الخذلان بشرط أن تقتنع بأن المذهب الجديد هو الراجح.
ثانياً: لا حرمة في أن تجمع بين المذهبين في الافتاء على أن تبينهما للناس فإن أحوال عصرنا وتعقيداته لايحلها مذهب واحد بل لابد من المذاهب الأربعة.فقد كان سيف السنة الباقلاني مالكياً وكان في بعض فتاويه ينتسب للحنابلة -وكان التميميون من الحنابلة يجلِّونه و يعظمونه - وكان الشيخ عبد القادر حنبلياً ويفتي بمذهيه ومذهب السادة الشافعية، وكان ابن دقيق العيد يفتي بمذهب السادة المالكية والشافعية ، وغيرهم الكثير.
ثالثاً: لاأنصحك بترك المذهب الحنبلي بالكلية بعد أن تفقهت فيه واقتنعت بأدلته وعرفت أكثر مسائله - لا على الطريقة النجدية - فإن التنقل بين المذاهب يضيع عمر طالب العلم. ويكفيك أن هناك علماء كبار قد تركوا مذاهبهم ودخاوا في هذا المذهب أمثال: العلامة النحوي ابن هشام الأنصاري فقد كان شافعياً ثم تحنبل، والشيخ الامام قدوة العارفين عبد القادر الجيلاني ، ومحدث العراق ابن ناصر الدين السلامي شيخ ابن الجوزي والواسطي جنيد عصره كان شافعياً ثم تحنبل. وفيما قاله الاخ محمد فيصل نظر عن مذهب ابن خزيمة والذهبي فإنهما ماكانا يقلدان مذهباً بعينه، وعن مذهب الإمام الأشعري في الفروع كلام طويل خصوصاً إذا علمنا أن أئمة الحنابلة المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز، وأبي الحسن التميمي، ونحوهما، يذكرون كلام الاشعري في كتبهم، بل كان عند متقدميهم كابن عقيل عند المتأخرين ، لكن ابن عقيل له اختصاص بمعرفة الفقه وأصوله، وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، لأنه كان عندهم من متكلمة أصحابهم‏ الحنابلة. ودخول كثير من أئمة الصوفية إلى هذا المذهب دليل على أنه حق موصل إلى حضرة الحق كغيره من المذاهب السنية وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّعْرَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ صَحِيحَةً دَائِرَةً عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَهُوَ كَلَامٌ مُنَوِّرٌ لِلْبَصَائِرِ وَمُزِيلٌ لِرَيْنِ الضَّمَائِرِ جَزَاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ .وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ يَقُولُ: مَا ثَمَّ قَوْلٍ مِن أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ إلَّا وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى أَصْلٍ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ لِمَن تَأَمَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ لَكِنْ مِن أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِن صَرِيحِ الْآيَاتِ أَوْ الْأَخْبَارِ أَوْ الْآثَارِ , وَمِنهُ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِن الْمَنطُوقِ أَوْ مِن الْمَفْهُومِ، فَمِن أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ قَرِيبٌ وَمِنهَا مَا هُوَ أَقْرَبُ وَمِنهَا مَا هُوَ بَعِيدٌ وَمِنهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ ،وَمَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا مُقْتَبَسَةٌ مِن شُعَاعِ نُورِهَا وَمَا ثَمَّ لَنَا فَرْعٌ يَتَفَرَّعُ مِن غَيْرِ أَصْلٍ أَبَدًا , وَإِنَّمَا الْعَالِمُ كُلَّمَا بَعُدَ عَن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ ضَعُفَ نُورُ أَقْوَالِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نُورِ أَوَّلِ مُقْتَبِسٍ مِن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى مِمَن قَرُبَ مِنهَا", وقال الشعراني :وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رحمه الله تعالى يَقُولُ مِرَارًا: عَيْنُ الشَّرِيعَةِ كَالْبَحْرِ فَمِن أَيِّ الْجَوَانِبِ اُغْتُرِفَ مِنهُ فَهُوَ وَاحِدٌ .
وبقاء المذهب إلى هذا اليوم من غير أن يكون له دولة تدعمه في التاريخ كله وحتى في هذا العصر كالحنفية والمالكية والزيدية والجعفرية والشافعية هو من أكبر الأدلة قوة المذهب وعلو شأنه.
رابعاً: ما المانع أخي الكريم أن تكون أول من يدخل المذهب الحنبلي إلى بلادكم كما أدخله الشيرازي إلى بيت المقدس وعبد الغني المقدسي إلى مصر. فإن فعلت ذلك كنت رأساً في المذهب وأتاك الطلاب من كل ناحية. وليس شرطاً أن يتحنبل الناس هنالك وليس هذا هو المراد ، بل المراد أن يكون في كل بلد طائفة من العلماء وطلبة العلم تروي أسانيد المذاهب الأربعة حتى لاتنقطع ولا تنقرض فإن للاسانيد بركات جمة إن من كرامات الائمة الاربعة بقاء علومهم إلى هذا العصر . ونقل علومهم فرض كفائي فإذا عدم النقلة تعين على كل طالب علم. لأن المذاهب الأربعة مما أجمعت الامة على نقلها وتدريسها وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. فتركها لبعضها اليوم ترك لما أجمعت عليه الأمة، وذلك كترك بعض القراءات السبعة التي أجمعت عليها الأمة. لأن مذهب كل إمام هو إختياره الفقهي وفقاً لأصوله وأصول بلده.
والمذهب الحنبلي فيه من الرخص والاجتهادات في العبادات والمعاملات ما أفتى به كثير من فقهاء المذاهب الاخرى،
وانقطاع إسناده أو إسناد غيره في هذا العصر سيحرم الامة من هذه الاجتهادات إذ لا يكفي الغفتاء من الكتب كما هو معلوم.