بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأظن أن بعض الإخوة خلطوا في المسألة كثيرا، ولن أرد على كل ما قيل، لكني سأعلق على بعضه..
أولا بالنسبة للخلاف بين ابن حجر والرملي، فليس هناك خلاف بينهما في مسألة وجوب الستر، وكلام ابن حجر المنقول في الفتوى مبتور، فقد نص بعده على وجوب الستر إن علمت أن هناك من ينظر إليها من الرجال..
وتفصيل كلام ابن حجر أن العورة تطلق على معنيين:
ما يحرم كشفه:وهو كل جسدها عدا الوجه والكفين.
ما يحرم النظر إليه:وهو كل جسدها ومنه الوجه والكفان، فإذا علمت أن ثمة من ينظر إليها وجب عليها سترهما..
ومن فهم غير هذا من كلامه فقد أبعد..
فخلاصة المسألة عند الشافعية أن كل من يعتمد فتواه في المذهب قائل بوجوب الستر عند وجود رجال ينظرون إليها وبعضهم زاد فجعل الوجوب مطلقا عند الخروج إلى الطريق سواء وجد من ينظر إليها أو لم يوجد.. وبعضهم رجح كونه عورة مطلقا..
والستر عند الحنابلة واجب -على حد علمي-، وعند الحنفية أيضا الستر واجب وإن لم يعد الوجه عورة، وهو معتمد الفتوى عندهم -أيضا على حد علمي-، وأرجو من الشيخ لؤي أن يصحح لي إن كنت مخطئة..
فهل يعقل أن كل هؤلاء الأئمة غفلوا عن أن النقاب عادة، وأوجبوه على المرأة تعنتا وظلما، ثم جاء الآن الغرب وأتباعهم ليحرروها منه، وينبهونا إلى ما غفل عنه أئمتنا رضوان الله عليهم على مر 1400 عاما، ويخبرونا أن هذا إنما هو عادة لا علاقة له بالدين، وظلم للمرأة، وهو سبب التخلف؟!
بقي عندنا مذهب الماليكة، فهم وإن قال بعضهم بأنه مكروه، لكن افتحوا ((الشرح الكبير)) للقطب الدردير، وهو ممن قال بالكراهة فيه، لكنه قبل صفحتين أو ثلاث من نصه على الكراهة نص على أن عورة المرأة مع الرجال الكفار كل جسدها حتى وجهها وكفيها، فعدهما من العورة، فهل ثمة مكان الآن خال عن الكفار، وهل يعقل أن نقول للمرأة يكره لك أن تنتقبي، ولكن وجهك عورة لا يجوز ظهورها أمام الكفار؟!
أريد جمعا بين المسألتين لو سمحتم..
على أن المالكية نصوا على وجوب الستر في زمن الفتنة، وزاد الإمام النفراوي -رحمه الله- في ((الفواكه الدواني)): أو تكون جميلة، أو يكثر الفساد..!!
فأي زمان هذا الذي نعيش فيه؟!
وعلى كل فأنا أعلم أن كلامي عن المذهب المالكي سيُرد؛ لأني جاهلة فيه، ولذا فأحب أن أستشهد بكلام العلامة المالكي الشيخ يوسف الدجوي رحمه الله في سؤال ورد عليه، وطبعا هو لم يتقاضى على فتواه هذه أجرا من الحكومات، ولم يجامل فيها أحدا..!!
لكني سأحاول أن أختصره بحذف بعضه..
قال رحمه الله:
قد قرأت سؤالكم الذي تطلبون فيه بيان الحكم الشرعي لوضع الحجاب، وستر وجوه النساء في الطرقات أمام الرجال الأجانب، ونقول:
إن الحكم الشرعي في هذا هو تحريم هذا التبذل، وذلك السفور، حتى إن من يبيح كشف الوجه والكفين من العلماء يجب أن يقول بالتحريم لما يفعله النساء الآن:
أولا: لأنهن لا يقتصرن على كشف الوجه واليدين كما هو معروف.
ثانيا: لا بد عند ذلك القائل من أمن الفتنة، والفتنة الآن غير مأمونة، والشيطان قد جلب على الناس بخيله ورجله، {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم} ولئن كانوا موجودين ففي الكثرة المطلقة ما يثير الفساد، ويوجب الفتنة، وقد قرر علماء الأصول أن المقدور الذي لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، والمقدور الذي لا يتم الحرام إلا به، فهو حرام، وعلى كل حال فالوسيلة تعطى حكم ما تؤدي إليه، والمالكية لهم عناية كبيرة بسد الذرائع، على أن الفتنة الآن غير مأمونة كما قلنا.
فالمسألة إجماعية لا يختص بها إمام دون آخر من أئمة المسلمين..
وقال بعض المتخصصين في هذا الموضوع مبينا ما يكون من المرأة والرجل عند التلاقي في أدواره التي بينها بقوله:
نظرة، فابتسامة، فسلام فكلام، فموعد، فلقاء
وقال غيره:
لا يأمنن على النساء أخ أخا ما في لارجال على النساء أمان
ثم ذكر كلاما عن غض نظر الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، ثم قال:
ولا بأس أن نذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة عور، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)، وقال تعالى: {يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} الجلباب رداء فوق الخمار، وفي ((الصحاح)): الجلباب "الملحفة"، وقد قال ابن عباس في هذه الآية: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة.
وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: {يدنين عليهن من جلبيبهن} فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى.
وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.
وقالت أم سلمة: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها.
{ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي: إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر.
أما النساء الآن فلا يبالين أن يتشبهن بالعواهر، ويقال فيهن ما شاء القائلون، وهو دليل على سوقطهن، وفساد أخلاقهن، وصغر نفوسهن، وعدم غيرة أزواجهن، وأقاربهن.
فإلى الله المشتكى، وبه المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولو شئنا لأطلنا، وفي هذا القدر كفاية، والله يتولى هدى الجميع بمنه وكرمه. اهـ
وهي موجودة بتمامها في الجزء الرابع من ((مقالاته وفتاويه))
فهل يعقل أن الشيخ الدجوي -رحمه الله- غفل عن كراهة النقاب عند المالكية وهو مالكي وهو من هو بالعلم، وفقهه مشايخ الأزهر الشافعية فعضوا عليه بالنواجذ، ورموا بأقوال باقي الأئمة عرض الحائط...!!!
وعلى كل فمن أراد أن يمنع النقاب فليمنعه، ولكن عليه أولا أن يرد المرأة إلى بيتها، فقد قال الإمام النفراوي -رحمه الله- في ((الفواكه الدواني)) في باب الفطرة:
(ولا) يجوز (أن تخرج) امرأة شابة، وما في معناها، مما لم ينقطع أرب الرجال منها، ولا يخشى من خروجها الافتتان بها (إلا مستترة) وأن يكون خروجها (في ما لا بد لها منه) وبينه بقوله: (من شهود موت أبويها)، أو أحدهما، أو زوجها، (أو ذي قرابتها) كالإخوة، والأعمام، والأجداد، (أو نحو ذلك مما يباح لها) الخروج من أجله، كزيارة أبويها، أو حضور عرس واحد ممن ذكر، أو حاجة لا غناء لها عنها، ولا تجد من يقوم بها...
وقال بعدها بفقرات: وقيدنا المرأة بالشابة وما في معناها للاحتراز عن المتجالة التي لا أرب للرجال فيها، فهذه تخرج ولو لصلاة العيد والاستسقاء.
وبمن لا يخشى منها عن التي يخشى الافتتان بها لنجابتها، فهذه لا تخرج أصلا.
فالحاصل أن النساء على ثلاثة أقسام:
شابة غير مخشية الفتنة، ومن في حكمها، فهذه لا تخرج إلا لصلاة الفرض في المسجد، أو لجنازة من تتأثر بموته، كما قال المصنف.
ومتجالة لارغبة للرجال فيها، وهذه تخرج لكل شيء.
وشابة يخشى الافتتان بها فهذه لا تخرج أصلا.اهـ
فليردوا المرأة إلى بيتها ثم ليمنعوا النقاب وما أرادوا، أم أننا نأخذ ما يعجبنا، ونرد ما سوى ذلك؟!
لكن حال المرأة اليوم بات مبكيا، ولا أعلم أي نصر يريده أعداؤنا أكبر من هذا النصر وقد خدعت المرأة وحادت عن طريق الستر والعفاف، استغلت وابتذلت، وفقدت قيمتها بسفورها أمام الرجال وما عادت تشعر بغيرتها على نفسها، وتبعها الرجل ففقد غيرته عليها فما عاد يهمه أن تظهر أمام الرجال سواء كانت له أختا أو زوجة أو بنتا، فإنا لله ونا إليه راجعون، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا به..*