سيدي ومولاي الشيخ العويني حفظه الله تعالى ورعاه ،،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
فهذا ما ظهر لي بشأن هذا الحديث :

نص الحديث
أخرج ابن عدي في الكامل في الضعفاء 4/1352 قائلا : ولشرفي عن أبي الزبير ، عن جابر أحاديث ثلاثة ، أحد تلك الأحاديث : ( من استنجى من الريح فليس منا ) .. حدثنا بهذه الأحاديث بعض أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي ، عن محمد بن زياد بن زبان ، عن شرقي .
لاحظ أن ابن عدي هاهنا أبهم شيخه في الرواية .
وأخرجه من طريق ابن عدي : السهمي في تاريخ جرجان ص 313 ترجمة رقم 547 مبينا ومصرحا باسم شيخ ابن عدي في الرواية ، قال السهمي : أخبرنا أبو أحمد ابن عدي ، حدثنا علي بن إسحق أبو الحسن الموصلي بجرجان ، حدثنا محمد بن أحمد بن الصلت البغدادي بمصر ، حدثنا محمد بن زياد بن زبار ، حدثنا شرقي بن قطامي ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من استنجى من الريح فليس منا .
وأخرجه ابن عساكر من غير طريق ابن عدي ، في تاريخ دمشق 53/49 وذلك من طريق : أبي محمد بن أبي نصر قال : أنبأنا أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري ، حدثنا أبو عبدالله أحمد بن محمد بن الصلت البغدادي بمصر ، حدثنا محمد بن زياد بن زبار لاكلبي الدمشقي ، حدثنا الشرقي بن قطامي ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبدالله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثين ، والثالث قال فيه : وعن أبي الزبير ، عن جابر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من استنجى من الريح فليس منا ) .
هذا ، وقد عزاه ابن قدامة في المغني إلى المعجم الصغير للطبراني ، ولم أجده في فهارس المطبوعة عندي ، ولم أجده في فهارس موسوعة التراث في المعجم الصغير ، ولما رجعت إلى إرواء الغليل للشيخ الألباني نص على أن ابن قدامة وهم في عزوه للمعجم الصغير ، وأكد ذلك بأنه لم يجد الحديث أيضا في مجمع الزوائد ، ولا في مجمع البحرين .
قال المناوي في فيض القدير : (فيلس منا) أي : ليس من العاملين بطريقتنا الآخذين بسنتنا ، فإن الاستنجاء من الريح غير واجب ولا مندوب .

درجة الحديث
ذكر السيوطي هذا الحديث في الجامع الصغير ، وقال : ابن عساكر عن جابر ، ثم رمز له بالضعف .
ثم إن المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 6/60 قال عقب شرح الحديث : "وفيه شرقي بن قطامي" ، وتكلم فيه بما سأذكره لاحقا ، وهذا تضعيف منه للحديث أيضا .

هذا الحديث ضعيف جدا من حيث السند ، وذلك للأسباب التالية :

السبب الأول : في سنده : شرقي بن قطامي .
وشرقي وقطامي لقبان ، واسمه : الوليد بن حصين بن حبيب بن حماد الكلبي ، كما نقله البخاري في التاريخ الكبير 4/255 ، وقد قال البخاري : ليس عنده كثير حديث .
وذكره ابن عدي في الكامل في الضعفاء 4/1352 ، وقال : ليس لشرقي هذا من الحديث إلا قدر عشرة أو نحوه ، وفي بعض ما رواه مناكير .
وقال أبو حاتم : ليس بالقوي ، ليس عنده كثير حديث ، لسان الميزان : 3/174 .
وقال إبراهيم الحربي : شرقي بن قطامي ، كوفي ، قد تكلم فيه ، وكان صاحب سمر ، تاريخ بغداد : 9/279 .
وقال زكريا بن يحيى الساجي : شرقي الجعفي ، ضعيف ، يحدث عنه شعبة ، له حديث واحد ليس بالقائم ، تاريخ بغداد : 9/279 .
وقال ابن النديم في الفهرست : قرأت بخط اليوسفي : كان كذابا ، ويكنى أبا المثنى ، لسان الميزان : 3/174 .
وقد ذكره ابن حبان في الثقات 6/449 ، والصواب أن ابن حبان نفسه لم يرد من مجرد ذكر الراوي في الثقات توثيقه بالمعنى الخاص الذي تقبل على ضوئه الروايات ، كما يدل على ذلك أمور عديدة في صنيعه هو نفسه ، لذلك لا ينبغي الاعتماد في توثيق الراوي على ذكر ابن حبان له في الثقات ما لم ينص ابن حبان في الراوي على توثيقه بخصوصه ، بأن يقول في عين الراوي أنه ثقة ، فحينئذ نعد ذلك توثيقا من ابن حبان فيه .
ولو سلمنا أن ابن حبان أراد توثيق كل من ذكرهم في كتابه الثقات ، وهذا بعيد جدا ، فإنه لا يقف أمام جرح الجارحين ، لا سيما من الأئمة النقاد المحققين .
وقد ذكر النقاد أن شعبة روى عنه ، وهذا مما يعتمده بعض الفقهاء في توثيق الراوي ، استنادا على أن شعبة لا يروي إلا عن ثقة ، والصواب أن هذا غير مطرد ، ولذلك لا يعتمد .
وعلى تسليم اطرادها ، فإنه لا ينبغي الاستناد عليها في توثيق الراوي حتى ننظر في حيثيات رواية شعبة نفسه عن الراوي .
وهذا الحديث الذي نحن بصدده مثال على ذلك ، فقد روى محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي قال : سمعت يزيد بن هارون يقول : حدثنا شعبة ، عن شرقي بن قطامي بحديث عمر بن الخطاب أنه كان يبيت من وراء العقبة ، فقال شعبة : حماري وردائي في المساكين صدقة ، إن لم يكن شرقي كذب على عمر ، قال : قلت : فلم تروي عنه ، تاريخ بغداد : 9/279 ، [ قال الفقير أسامة : هكذا في مطبوعة تاريخ بغداد : فلم تروي عنه ، ولم أفهم قائل هذه الجملة ، فالرجاء من الإخوة الكرام ممن علم قائلها تفهيمي ، ثم إني قد وجدتها في لسان الميزان هكذا : فلم يروي عنه ، بالياء ، لا بالتاء ، فالله أعلم ] .
على كل حال يلاحظ أن شعبة روى عن قطامي هذا الأثر ، ومع ذلك يتهم شرقي بالكذب على عمر فيه ، فما قول القائلين بعد ذلك ؟
وقد لاحظت أيها القارئ الكريم أن زكريا الساجي ، وهو من النقاد ، ضعف شرقي هذا ، ثم قال : يحدث عنه شعبة ، مما دلك على أن مجرد رواية شعبة عن الراوي ليست مفيدة في تعديله عنده .

السبب الثاني : في سنده : محمد بن زياد بن زبار ، الكلبي .
قال يحيى بن معين : لا شيء .
وقال أبو علي صالح بن محمد جزرة : كان يكون ببغداد ، يروي الشعر وأيام الناس ، ليس بذاك ، تاريخ بغداد : 5/281 ، وتاريخ دمشق : 53/52 .
قال أبو حاتم الرازي : أتينا محمد بن زياد بن زبار ببغداد ، وكان شيخا شاعرا ، وقعدنا في دهليزه ننتظره ، وكان غائبا ، فجاءنا ، فذكر أنه قد ضجر ، فلما نظرنا إليه ، علمنا أنه ليس من البابة ، فذهبنا ولم نرجع ، تاريخ بغداد : 5/281 ، وتاريخ دمشق 53/51 .
قوله (ليس من البابة) لعله يريد : أنه ليس ممن يصلح لأخذ وتحمل الحديث عنه .
قال الدارقطني : محمد بن زياد بن زبار الكلبي ، حدث عنه زهير بن محمد بن قمير ، وأبو بكر بن زنجويه ، وجماعة من الثقات ، تاريخ دمشق : 53/51 ، قلت : لم يذكر الدارقطني هاهنا فيه جرحا ولا تعديلا ، ورواية جماعة من الثقات عنه بمجردها ليست تعديلا للراوي ، لا سيما مع المعارض ، أعني : تضعيف النقاد له .


السبب الثالث : اختلف في سماع محمد بن زياد بن زبار من شرقي .
قال ابن عساكر : وذكر عن محمد بن زياد أنه قال : رأيت شرقيا ، ولم أسمع منه ، ثم نقل ابن عساكر لاحقا عن ابن أبي حاتم قال : قال محمد بن زياد بن زبار الكلبي : رأيت شرقي بن قطامي ، ولم أسمع منه ، سمعت أبي يقول ذلك ، تاريخ دمشق 53/50 .
قال الفقير أسامة : فهل سمع أبو حاتم ذلك من محمد بن زياد نفسه ، فذلك سند غاية في الصحة ، أم بينهما واسطة ؟ الأمر محتمل ، لا سيما أن الرواية مذكورة بصيغة قال ، ولم يبين ابن أبي حاتم هل سمعها أبوه من شرقي مباشرة أم بواسطة ، فإن كان بينهما واسطة ، فالسند ضعيف ، فلا ينبغي الاعتماد على هذا الخبر ، لا سيما إذا كان له معارض ، كما سيأتي .
وقال الحسن بن عبدالله بن سعيد : محمد بن زياد بن زبار الكلبي ، إخباري ، صاحب نسب ، روى عن شرقي بن قطامي ولم يسمع منه ، وعن أبي مودود المدني ، روى عنه أبو عبدالله الجهيمي صاحب النسب وغيره
وقد أخرج ابن عساكر عن مسلم بن الحجاج أنه قال : محمد بن زياد بن زبار الكلبي ، سمع شرقي بن قطامي ، فقول مسلم (سمع) وجزمه بذلك ، يدل على أن ثمة دليل يثبت سماع محمد بن زياد منه .
وقد أخرج الخطيب من طريق يونس بن سابق قال : قلت لمحمد بن زياد بن زبار : أين كتبت عن شرقي بن قطامي ؟ قال : ببغداد في الحربية ، تاريخ بغداد : 9/278 ، وهذا يدل على أنه سمع منه .

السبب الرابع : ذكر الشيخ الألباني في الإرواء 1/86 أن من أسباب ضعف الحديث عنعنة أبي الزبير عن جابر ، وهذا مما علم أن الألباني يذهب إليه ، وبناء عليه فإنه يكون أحد أسباب تضعيف الحديث .
لكن قد أخرج مسلم عنعنات أبي الزبير عن جابر ، وللشيخ محمود سعيد ممدوح كتابا في ترجيح عدم تدليس أبي الزبير عن جابر ، وبناء عليه فإنه لا يكون أحد أسباب تضعيف الحديث .

طريق أخرى للحديث
هذا وقد نقل الشيخ الألباني أن الديلمي أخرج هذا الحديث من طريق أنس ، وليس عندي كتاب الديلمي ، فمن وقف على هذه الطريق فليذكرها هاهنا بيانا ونصحا للمسلمين ، وله من الله تعالى الأجر والثواب .

والحمد لله رب العالمين .