بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه مسألة لطيفة بين السيد الشريف الجرجاني والإمام الزمخشري رحمهم الله تعالى يقرر بها الزمخشري مذهبه بتفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام بناء على آية في سورة النساء هي عمدة المعتزلة بذلك وفي حاشية الكشاف للسيد الشريف الجرجاني تتبع وانتصار لمذهب جمهور أهل السنة والجماعة بمناقشة فيها نكت وفوائد جليلة أحببت أن أثبتها هنا على طولها للفائدة ولمن لا يملك حاشية السيد على حقائق التنزيل للزمخشري.
قال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: {لنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا}:
"(لن يستنكف المسيح) لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزّة، من نكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بأصبعك، (ولا الملائكة المقربون) ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون اللذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. فإن قلت: من أين دلَّ قوله (ولا الملائكة المقربون) على أن المعنى ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلّوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجة كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح. ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة، ومثاله قول القائل:
وما مثله ممن يجاود حاتم ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود، وما كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله (ولن ترضى عنك واليهود ولا النصارى) حتى يعترف بالفرق البين"اهـــ الكشاف.
قال السيد الشريف رحمه الله:
انه عطف الملائكة على المسيح بالواو وهي لا تقتضي ترتيباً، وأما الاستشهاد بالمثال المذكور فمعارض بأمثلة لا تقتضي ذلك كقول القائل: ما عابني على هذا الأمر زيد ولا عمرو. قلت: وكقولك لا تؤذِ مسلماً ولا ذمياً، فإن هذا الترتيب وجه الكلام. والثاني أدنى وأخفض درجة، ولو ذهبت تعكس هذا فقلت لا تؤذِ ذمياً ولا مسلماً ليجعل الأعلى ثانياً لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة، و هذا المثال بين ما يورد في نقض القانون المقرر، ولكن الحق أولى من المراء وليس بين المثالين تعارض، ونحن نمهد تمهيداً يرفع اللبس ويكشف الغطاء فنقول:
النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة، وهي توجب في مواضع تقديم الأعلى وفي مواضع تأخيره، وتلك النكتة مقتضى البلاغة الثنائي عن التكرار والسلامة عن النزول، فإذا اعتمدت ذلك فمهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولا بالنسبة إلى أوله أو يكون الآخر مندرجاً في الأول قد أفاده وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، واستئنافاً لفائدة لم يشتمل عليها الأول، مثاله الآية المذكورة، فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه، لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح على هذا التقدير عبداً لله غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن من دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبداً لله وهم الملائكة على هذا التقدير فلم يتجدد إذا بقوله ولا الملائكة المقربون إلا ما سلف أول الكلام، وإذا قدرت المسيح مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة فإنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبداً له إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل، فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة؛ إذ لم يستلزم الأول الآخر فصار الكلام على هذا التقدير تتجدد فوائده وتتزايد، وما كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز لأنه الغاية في البلاغة، وبهذه النكتة يجب أن تقول لا تؤذِ مسلماً ولا ذمياُ فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية، لأنك إذا نهيته عن إيذاء المسلم فقد يقال ذاك من خواصه احتراماً للإسلام، فلا يلزم من ذلك نهيه عن الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية، فإذا قلت ولا ذمياً فقد جددت فائدة لم تكن في الأول، وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثر منه، ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت لا تؤذ ذمياً فهم المنهي أن أذى المسلم أدخل في النهي، إذ يساوي الذمي في سبب الاحترام وهو الإنسانية مثلاً، ويمتاز عنه بسبب أجل وأعظم وهو الإسلام، فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم. فإن قلت: ولا مسلماً لم تجدد له فائدة ولم تعلمه غير ما علمه أولاً فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحياناً تقديم الأعلى وأحياناً تأخيره، ولا يميز لك ذلك إلا السياق، وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى، ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} استغناء عن نهيه عن ضربهما فما فوقه بتقدير الأدنى، ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن تريد نهياً عن أعلى من التأفيف والإنهار لأنه مستغنى عنه، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ولما اقتضى الإنصاف تسليم مقتضى الآية لتفضيل الملائكة وكانت الأدلة على تفضيل الأنبياء عتيدة عند المعتقد، لذلك جمع بين الآية وتلك الأدلة بحمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف، وذاك تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار. قال: وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية، لأن المقصود الرد على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام، مستندين إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة، فناسب ذلك أن يقال هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة الله تعالى، بل من هو أكثر خوارق وأظهر الآثاراً كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام، وقد بلغ من قوته وإقدار الله له أن اقتلع المدائن واحتملاها على ريشة من جناحه فقلب عاليها سافلها، فيكون تفضيل الملائكة إذاً بهذا الاعتبار لا خلاف أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء وليس في الآية عليه دليل. ولما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى كونه مخلوقاً _أي موجوداً من غير أب_ أنبأنا الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف عن عبادة الله، بل والملائكة المخلوقون من غير أب ولا أم، فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى، ويشهد لذلك أن الله تعالى نظَّر عيسى بآدم عليهما السلام فنظّر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من قدرته بالأعجب، إذ عيسى مخلوق من آدم وآدم من غير أم ولا أب ولذلك قال {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} ومدار هذا البحث على النكتة التي نبهت عليها فمتى استقام اشتمال المذكور أياً ما على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد استدَّ النظرُ وطابق صيغة الآية والله أعلم. وعلى الجملة فالمسألة سمعية والقطع فيها معروف بالنص الذي لا يحتمل تأويلاً ووجوده عسر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما أحسن تأكيد الزمخشري لاستدلاله ببعث الملائكة المعنيين بأنهم المقربون، ومن ثم ينشئ ظهور من فصل القول في الملائكة والآنبياء فلم يعمم التفضيل في الملائكة ولا في الآنبياء بل فصل ثم فضل وليس الغرض إلا ذكر محامل الآية لا البحث في اختلاف المذاهب، والله الموفق". اهـ حاشية السيد على الكشاف، دار الفكر.


رد مع اقتباس