اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد بن يوسف مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

قال ربي جل في علاه
[ (13- وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ فِي الأَرْضِ هَهُنَا ، بَلْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.
14- وَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ تَعْرِفُ رَبَّنَا ؟ قَالَ : فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
105- وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فِي قَوْلِهِ : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} . قَالَ : الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)
خلق أفعال العباد للإمام البخاري -رحمه الله -]
:
وبارك الله فيكم


قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني -الموافق للأشاعرة في جميع أصولهم- في كتابه في العقيدة "الجامع"، قال-رحمه الله-: {وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه}،
وهذه العبارة نفسها يقولها أئمة الأشاعرة المفوضين، حيث قال الإمام ابن مجاهد-تلميذ الإمام الأشعري- ما يلي: "ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه
فالأمر لا يعدو كونه إطلاقا لا يعلم حقيقة تفسيره إلا الله، وهذا هو مذهب التفويض الذي جرى عليه كثير من السلف والخلف، وأنت رأيت أن أساطين المذهب الأشعري يطلقون هذه العبارة، بل وينقلون إجماع أهل السنة -المنزهين- على جواز إطلاقها، فليس فيها دليل على مذهب التشبيه و التجسيم بتاتا.
أما الإمام ابن مجاهد فلا يشك أحد في كونه من رؤوس الأشاعرة،
وأما الإمام ابن أبي زيد القيرواني فهو إن لم يكن أشعريا خالصا فقد وافق الأشاعرة وأيدهم في جميع أصولهم، وقد ألف رسالة دافع فيها عن الإمام الأشعري وبرأه من البدعة التي نسبه إليها أحد المعتزلة،
ومما جاء في هذه الرسالة قوله عن الإمام الأشعري: "هو مشهور أنه يرد على أهل البدع، وعلى القدرية والجهمية، متمسك بالدين"،

وقد أكد هذا القاضي عياض حيث قال: "ذكره-أي الأشعري- أبو محمد بن أبي زيد في بعض تصانيفه وأثنى عليه"، وكان بينه وبين ابن مجاهد المتكلم-تلميذ الإمام الأشعري- تراسل وإجازات،
ومن هذه المراسلات رسالة من ابن أبي زيد إلى ابن مجاهد، جاء فيها: "وعندنا من أخبار الشيخ-أي ابن مجاهد- الطيبة، ما تعم مسرته من نصرته في هذا المذهب، وذبه عنه، ومحاماته عليه"،

وأما مذهب الإمام ابن أبي زيد في العبارة السابقة وفي غيرها من المتشابهات هو إثبات اللفظ وتفويض معناه إلى الله،
حيث قال الإمام ابن أبي زيد في عقيدته الجامع: "ونوجب العمل بمحكمه، ونقر بنصِّ مشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله سبحانه، والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه: {والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا} "،
وهو بالإض
افة إلى قوله بالتفويض لا ينكر التأويل ويبدع القائلين به، بل يروي الخلاف فيه ثم يختار التفويض عليه، حيث قال بعد نصه السابق مباشرة: "وقال بعض الناس: الراسخون في العلم يعلمون مشكله، ولكن القول الأول قول أهل المدينة، وعليه دل الكتاب"، فانظر كيف جعل التفويض قولا يقابله القول بالتأويل، وكيف نسبه إلى أهل المدينة دون أن يعمم،
فالأمر لا يعدو كونه إطلاقا لا يعلم حقيقة تفسيره إلا الله-كما ظهر جليا-، والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.



انظر في كل ما سبق:
ابن أبي زيد القيرواني وعقيدته في الرسالة والجامع؛ دراسة في المنهج والمضمون،الحبيب بن طاهر، الطبعة الاولى، بيروت: مؤسسة المعارف، 2008، ص123،19،87، وقد أورد الشيخ في بداية هذا الكتاب كلا من عقيدة الرسالة والجامع.
تحرير المقالة في شرح الرسالة، الإمام الشيخ القاضي أحمد القلشاني،الطبعة الأولى، بيروت:مؤسسة المعارف، 2008، ص102