السؤال الأول: الشق الأول
ماهي قوة الوهم المقصودة في المنطق والتي يشار إليها في عملية التفكير ؟
الجواب: هي قوة تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة المتعلقة بالمحسوسات. كإدراكك مثلاً محبة زيد أو قوته عند رؤيته، واستطابتك لرائحة وردة في يدك، انزعاجك من صوت عال تسمعه، وكراهتك لمرارة العلقم، وخوفك من حديدة محمرة من سخونتها أن تحرقك. وسواء كانت هذه الإدراكات مصاحبة لإحساسك للمحسوس الماثل أمامك أو مصاحباً لاستحضاره في خيالك، فإن أي إدراك جزئي غير محسوس متعلق بأمر محسوس بإحدى الحواس الخمس يحصل في النفس زائداً على الإدراك الحاصل بالحاسة يكون سببه قوة الوهم.
والمدركات الناتجة عن هذه القوة تسمى المتوهمات أو قضايا الوهم. وهي قسيمة المعقولات أي المدركات الكلية، والمحسوسات وهي المدركات الحسية أي صور المحسوسات دون أدنى تصرف فيها وتسمى الحسيات وقد يسميها البعض المشاهدات، وأيضاً قسيمة المخيلات وهي المدركات الحسية المتصرف فيها بالتحليل والتركيب ونحوهما.
ولا يطلق التفكير على هذا الاصطلاح الذي قدمناه إلا على حركة النفس في المعقولات أي حركة النفس حركة إرادية كيفية في مبادئ كلية (أعني مدركات كلية أبسط من المطلوب) بدءاً من المطلوب التصوري أو التصديقي وحتى آخر ما يتعلق بذلك المطلوب من المعلومات المخزونة في النفس، ثم حركتها من أول ما تضعه وترتبه من تلك المبادئ إلى آخر ما تضعه ليحصل لها إدراك مطلوبها التصوري أو التصديقي.
والنفس كما يمكنها أن تتحرك في المعقولات وتسمى حركتها فكراً، يمكنها أن تتحرك في المحسوسات ويسمى ذلك تخييلاً أو تخيلاً. فيعلم من ذلك أن كثيراً من الناس يتخيلون وهم يظنون أنهم يفكرون.
ونعود إلى القضايا الوهمية فهي أحكام قوة الوهم فإن كانت في امر محسوس سلمنا لها حكمها وما أدركته منها وأما إن كان في أمر غير محسوس قياساً له على المحسوسات فحكمها فيه يكون كاذباً أو لنقل لا يعتمد على قوة الوهم في مثل هذا الأمر لأنها ليس من شأنها أن تدرك شيئا يتعلق بغير المحسوس. فلا بدّ أن تعرض قضايا الوهم على العقل قبل استعمالها في القياسات فإما أن يردها أو يقرها.
مثال قضايا الوهم: قول قائل كل موجود جسم أو حالّ فيه
فهذه قضية وهمية كاذبة لأنه ليس من شأن الوهم أن يدرك أمراً كلياً بل هو يدرك معاني جزئية متعلقة بما يقع تحت الحس، فمن أين له الحكم الكلي على كلّ موجود؛ وكل موجود يعمّ ما وقع تحت حسه وما غاب عنه. أي من أين له أن يعلم ذلك.
ويمكن أن يستعمل في القياس قضايا وهمية إما بقصد المغالطة أو بلا قصد للغفلة عن وهميتها. فإن الوهم يساعد العقل في مقدمات قياسه. وقد تكون النتيجة مناقضة لحكم العقل.
والوهم لا يخالف العقل في ضرورياته، وأما العقل فربما خالف حكم الوهم بالضرورة. فإن لم يكن الحكم الوهمي مما يخالف فيه العقل بالضرورة توقف وسكت إلى أن يؤلف قياسات بمقدمات ضرورية يعترف بها الوهم، فيبطل بتلك القياسات أحكام الوهم التي كانت عنده من الضروريات؛ فهكذا ينكص الوهم ويثبت حكم العقل في الوهم.
الشق الثاني:
وكيف أكون متوهماً للشيء ، وأكون ظاناً به من جهةٍ أخرى ؟
الجواب: الوهم قد يطلق يراد به المعنى الذي قدمناه، وقد يطلق ويراد به ما يقابل العلم والظنّ والشك والجهل البسيط والتكذيب (اعتقاد النقيض).
ومعناه هنا أنك تدرك نسبة معينة إدراكاً مرجوحاً لأنك تجوز نقيضها تجويزاً راجحاً.
مثلاً: لو أنك رأيت رجلاً غاضباً متوعداً حاملاً بيده عصا وامامه ولد يبكي، فإن الأمارات التي تراها تدلك على ان الرجل هو سبب بكاء الولد. فأنت تظنّ ذلك. ولكن عقلك يجيز أن يكون السبب في بكاء الولد هو شخص أو أمر آخر غير ذلك الرجل، ولكن تجويزه لذلك هو تجويز مرجوح لمخالفته الأمارات التي تشاهدها، فتكون متوهماً لان يكون السبب في بكاء الولد هو شخص آخر.
وعلى هذا المعنى الذي بيناه للوهم لا يجوز أن تكون متوهماً لنسبة وظاناً لها في آن معاً، بل الواقع أنك إن ظننت نسبة توهمت نقيضها والعكس صحيح.
واما على المعنى الأول الذي قدمناه أولاً للوهم أي إدراك المعنى المتعلق بالمحسوس فيجوز أن يظنّ الإنسان نسبة يتوهمها، مثل أن يظنّ إنسان صحّة أن كلّ موجود جسم. وقد يقطع يقيناً بما يتوهمه كقطعه بمحبته لمرئي أو مسموع أو مذوق أو محسوس أو مشموم إلخ.
السؤال الثاني :
بالنسبة لدلالة التضمن ، في الحقيقة لم افهم جيدا هذه الدلالة أو على الأقل لم أجد لها مثالاً واضحاً ، فلقد ذكر في كتاب ما في المنطق: " فإذا كان اللفظ دالاً على جزء المعنى الذي وضع هذا اللفظ له سميت الدلالة دلالة تضمنية، لكون الجزء في ضمن كل المعنى الموضوع له.
وأريدك أن تلاحظ أن الدلالة التضمنية لا يمكن تصورها إلا في المعاني المركبة أي ذات الأجزاء، بخلاف المطابقية كما بينته لك " .
هل هناك مثالاً واضحاً أستطيع أن أعي هذه الدلالة ؟
الجواب: الوضع للألفاظ هو جعل اللفظ بإزاء معنى معين بحيث إذا ذكر اللفظ فهم منه المعنى. وهذا المعنى الذي يوضع عليه اللفظ إما ان يكون بسيطاً لا تركيب فيه مثل الجزء الذي لا يتجزأ، أو النقطة، أو يكون مركباً مثل الإنسان المركب من الجنس الذي هو الحيوان والفصل الذي هو الناطق.
وعليه فالدلالة المطابقية: هي أن تطلق اللفظ وتريد به تمام المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه. فإذا قلت هذا إنسان وقصدت به الحيوان الناطق كانت الدلالة مطابقية. وأما إذا أطلقت الإنسان وأردت جزء المعنى كالحيوان مثلاً أو الناطق أي العاقل فإن ذلك هو الدلالة الضمنية. لأنك قصدت باللفظ بعض معناه الذي وضع له أي قصدت معنى في ضمن المعنى ككل.
مثاله لو أنّ المعلّم قال لتلميذ أنت لا تعقل. فقال له لا أنا إنسان. فإنه يريد بذلك أنه عاقل. فقد أطلق اللفظ ههنا وهو الإنسان وأريد المعنى الذي في ضمنه أي جز المعنى ككل وهو الناطق أو العاقل. وعلى هذا القياس.
والملاحظة المذكورة هي أن الدلالة الضمنية لا يمكن أن تتصور إلا إذا كان للفظ معنى مركب من أجزاء بحيث يطلق اللفظ ويراد به بعض ذلك المعنى. وأما إذا كان المعنى بسيطاً لا تركيب فيه فلن يكون له أجزاء يمكن أن تقصد من اللفظ. فلو كان أ بسيطاً وكان معناه ب. فإذا أطلق أ لم يفهم منه إلا ب بالمطابقة أو لازم ب باللزوم إذا كان لب لازم. ولا يمكن أن يفهم منه بعض معنى أ، لأن معنى أ هو ب، وب أمر واحد لا أجزاء له. فالمطابقة واقعة إذا قصد باللفظ معناه الوضعي سواء كان معنى اللفظ مركباً أو بسيطاً. وأما الدلالة الضمنية فغير متصورة إلا في الألفاظ ذات المعاني المركبة. هذه هي المسألة باختصار. وسأجيبك عن باقي أسئلتك عند فراغي إن شاء الله تعالى.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين