مفهوم المكان
الى الذين يجعجعون حول كلمة المكان وبعضهم ينكر ورودها أصلا , أقول لهم عيب عليكم لايتكلم فى المكان ومعناه الا فزيائي أو مهندس , أما العوام الذين يعيشون ويقتاتون بكلام ابن تيمية , فلا يحق لهم التدخل فيما لا علم لهم به , واليكم هذا الموضوع : المكان -
فى اللغة
قال الراغب الأصفهاني[المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشىء]
-وقال الفيروز أبادىصاحب القاموس[المكان: الموضع، والجمع: أمكنة وأماكن]
-وقال البياضى الحنفى [المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم-والجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا يكونان إلا للجسم والجسمانيّ، وكل ذلك مستحيل ـ أي على الله تعالى ]
-وقال الشيخ سلامة القضاعي[المكان هو الموضع الذي يكون فيه الجوهر على قدره، والجهة هي ذلك المكان]
-فى القرآن الكريم :
قال تعالى [قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ]
جاء فى تفسير البحر المديد [والمكانة : التمكن أو الجهة ، يقال : مكان ومكانة كمقام ومقامة .
يقول الحقّ جلّ جلاله : { قل } يا محمد : { يا قوم اعملوا على مكانتكم } أي : تمكنكم من هواكم وشهواتكم التي أنتم عليها ، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من الكفر والهوى ، والمعنى : اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة ،]
فالمكانة اما معنوية , أو حسية من المكان
وقال تعالى [وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ] على حالتكم من تمكنكم في الدنيا ، وعزتكم فيها
-وقال تعالى [قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ , مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيم]
أي : على حالتكم التي أنتم عليها ، وجهتكم من العداوة التي تمكنتم فيها ، فالمكانة بمعنى المكان ، فاستعيرت من العين للمعنى ، وهي الحال ، كما تستعار « هنا » . و « حيث » للزمان ، وإنما وضعا للمكان .
-جاء فى التحرير والتنوير [والمكانة : المكان جاء على التأنيث مثل ما جاء المقامة للمقام والدارة اسما الدار والماءة للماء الذي ينزل حوله يقال : أهل الماء وأهل الماءة والمكانة هنا مستعارة للحالة التي تلبس بها المرء تشبه الحالة في إحاطتها وتلبس صاحبها بها بالمكان الذي يحوي الشيء كما تقدم إطلاق الدار آنفا في قوله تعالى : ( لهم دار السلام ) أو تكون المكانة كناية عن الحالة لأن أحوال المرء تظهر في مكانه ومقره فلذلك يقال : " يا فلان على مكانتك " أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ]
-البحر المحيط[قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } قرأ أبو بكر على مكاناتكم على الجمع حيث وقع فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع ومن أفرد فعلى الجنس والمكانة ، مصدر مكن فالميم أصلية وبمعنى المكان ويقال : المكان والمكانة مفعل ومفعلة من الكون فالميم زائدة فيحتمل أن يكون المعنى على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، قال معناه الزجاج ، ويحتمل أن يكون المعنى على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ، يقال : على مكانتك يا فلان إذا أمرته أن يثبت على حاله أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه.]
وجاء لفظ المكان صريحا فى القرآن فى قوله تعالى {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال، لأنه شبهه بالذي خر: أي سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق: أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.
-وفى قوله تعالى [وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]
أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه.
-وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}،
-وقال تعالى : {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}
-لفظ المكان فى السنة :
-روى البخارىمن حديث أنس قال [( إن قدح النبي انكسر ، فاتَّخذ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ )
-فى صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ :سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ: هِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا ,
-عن أبي موسى الأشعري[أعطيت مكان التوراة السبع الطوال وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل]
-حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ
أخرجه البخاري
وهناك الكثير من الأحاديث التى فيها لفظ المكان
ويحدد الفخر الرازى فى المطالب العالية معنى المكان والحيز فيقول فى الجزء الخامس :
[اعلم أنا نشاهد الجسم ينتقل ويتحرك , ونعلم بالبديهة أنه ينتقل من جهة الى جهة ومن جانب الى جانب , والناس يسمون المنتقل عنه والمنتقل اليه تارة بالحيز , وتارة بالجهة , وتارة بالمحاذاة , وتارة بالجنب , وتارة بالجانب , وتارة بالمكان , وتارة بأسماء أخرى , لاحاجة لنا فى الاستقصاء فى ذكرها ,
وبالجملة , فمكان الشيء هو الذى يكون فيه الشيء , ويفارقه بالحركة , ولا يسعه معه غيره , وتتوارد المتحركات عليه على سبيل البدل , فهذا القدر أمر معلوم بالضرورة ,
ثم نقول : ان هذا الشيء اما أن يكون أمرا ينفذ فيه ذات الجسم , ويسرى فيه , واما ألا يكون كذلك , بل يكون هو السطح الباطن من الجسم الحاوى , المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى , والأول هو القول بأن المكان هو البعد والفضاء , -وهو مذهب أفلاطون وأكثر العقلاء , والثانى هو القول بأن المكان هو السطح الحاوى , فالمذهب المحصل المعقول فى المكان والحيز ليس الا هذان القولان ,
ثم يقول [ وبالجملة , فقد ظهر بالبيان الذى لخصناه : أن القول المعتبر فى حقيقة المكان هو أنه اما الفضاء واما السطح , أما القائلون بأن المكان هو الفضاء والخلاء فهو فريقان : أحدهما المتكلمون , فانهم يقولون هذا الفضاء وهذا الخلاء محض ونفى صرف وليس له وجود البتة ,
والفرقة الثانية الفلاسفة , [ وحتى لاينفر الناس من كلمة الفلاسفة فيجب أن نعلم أنهم كانوا أصحاب رياضيات وهندسة , ولذلك لايفهم معنى المكان والحيز والجهة على الحقيقة الا من درس الرياضيات والهندسة الفراغية والهندسة التحليلية وحساب المثلثات وغير ذلك , وفى كتب الفلسفة اليونانية تجد أن بعض هؤلاء الفلاسفة كان يكتب على باب المدرسة من الخارج عبارة من لم يكن مهندسا فلا يدخل علينا --] وهم يقولون هذا الخلاء أبعاد موجودة , قائمة بأنفسها , وهى أمكنة للأجسام , وهذا القول هو اختيار أفلاطون الالهى وأكثر من تقدمه من الحكماء المعتبرين , وهؤلاء فريقان , منهم من يقول لاامتناع فى بقاء هذا الفضاء خاليا عن الأجسام , ومنهم من يقول ان ذلك ممتنع ,
وأما القائلون بأن المكان هو السطح الحاوى فقط , فهذا قول أرسطو طاليس وجمهور أتباعه , كأبى نصر الفارابى , وأبى على بن سينا ,
ثم يتكلم الفخر الرازى بعدذلك عن الخلاء ويؤكد أنه موجود وليس عدم محض ولا نفى صرف , كما يقول المتكلمون , ويذكر الأدلة على ذلك ,
-وهذا كلام زعيم المذهب الظاهرى ابن حزم الذى يعترف الكل أنه ظاهرى , يجرى كل النصوص على الظاهر يقول :
[قول الله تعالى يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو اجماع أو ضرورة حس , وقد علمنا أن كل ما كان في مكان فإنه شاغل لذلك المكان وماليء له, ومتشكل بشكل المكان والمكان متشكل بشكله, ولا بد من أحد الأمرين ضرورة, وعلمنا أن ما كان في مكان فإنه متناه بتناهي مكانه, وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه, وهذه كلها صفات الجسم, فلما صح ما ذكرنا علمنا أن قوله تعالى [ونحن أقرب إليه من حبل الوريد][ ونحن أقرب إليه منكم] وقوله تعالى [ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم] إنما هو التدبير لذلك والإحاطة به فقط ضرورة, لانتفاء ما عدا ذلك, وأيضا فإن قولهم في كل مكان خطأ لأنه يلزم بموجب هذا القول أنه يملأ الأماكن كلها, وأن يكون ما في الأماكن فيه, تعالى الله عن ذلك وهذا محال, فإن قالوا هو فيها بخلاف كون المتمكن في المكان قيل لهم هذا لا يعقل ولا يقوم عليه دليل وقد قلنا أنه لا يجوز إطلاق اسم على غير موضوعه في اللغة إلا أن يأتي به نص فنقف عنده وندري حينئذ أنه منقول إلى ذلك المعنى الآخر وإلا فلا فإذ قد صح ما قد ذكرنا فلا يجوز أن يطلق القول بأن الله تعالى في كل مكان لا على تأويل ولا غيره لأنه حكم بأنه تعالى في الأمكنة لكن يطلق القول بأنه تعالى معنا في كل مكان ويكون حينئذ قولنا- في كل مكان- إنما هو من صلة الضمير الذي هو النون والألف اللذان في معنا- لا مما يخبر به عن الله تعالى وهذا هو معنى قوله [هو معهم أينما كانوا][ وهو معكم أينما كنتم ]وذهب قوم إلى أن الله تعالى في مكان دون مكان وقولهم هذا يفسد بما ذكرنا آنفا ولا فرق واحتج هؤلاء بقوله تعالى الرحمن على العرش استوى ]
ثم يقول [ليس كل ما نفى عن الله عز و جل وجب أن يوقع عليه ضده لأننا ننفي عن الله تعالى السكون ولا يحل أن يسمى الله متحركا وننفي عنه الحركة ولا يجوز أن يسمى ساكنا وننفي عنه الخشم [ أى الأنف ]ولا يجوز أن يسمى شماما , وننفي عنه النوم ولا يجوز أن يسمى يقظانا ولا منتبها ولا أن يسمى لنفي الإنحناء عنه مستقيما وكذلك كل صفة لم يأت بها النص فكذلك الإستواء والإعوجاج منفيان عنه معا سبحانه وتعالى عن ذلك لأن كل ذلك من صفات الأجسام ومن جملة الأعراض والله قد تعالى عن الأعراض, ورابعها أنه يلزم من قال بهذا القول الفاسد أن يكون العرش لم يزل تعالى الله عن ذلك لأنه تعالى علق الإستواء بالعرش فلو كان الإستواء لم يزل لكان العرش لم يزل وهذا كفر]
ثم يقول [فأما القول الثالث في المكان فهو أن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلا وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى[ ألا إنه بكل شيء محيط ]فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما أو من جهات وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكروة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنه في مكان إلا ما كان جسما أو عرضا في جسم هذا الذي لا يجوز سواه ولا يتنكل في العقل والوهم غيره البتة وإذا انتفى أن يكون الله عز و جل جسما أو عرضا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلا وبالله تعالى نتأيد]

-بهذا يتبين أن الكون له حدود , وأنه يشغل حيزا , وأنه كروى لأن العرش الذى هو سقف المخلوقات كروى , وهذه الكرة من داخلها لها ست جهات , أى أن الكون له ست جهات , الشرق والغرب والشمال والجنوب والعلو والسفل , أى أعلى نقطة فى الدائرة ويقابلها أسفل نقطة فيها , ولهذا قال صاحب الطحاوية [ ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ]
ولكن : شرق ماذا وغرب ماذا ؟ وشمال ماذا وجنوب ماذا ؟ هل توجد شمس تشرق على الكون كله حتى نحدد بها الشرق وبالتالى الغرب والشمال والجنوب ؟ لاتوجد هذه الشمس . ولا يمكن أن نحدد جهات الكون الا اذا خرجنا خارجه ونظرنا اليه من الخارج , أى من رصيف ثابت , وهذا مستحيل , فحتي النبى صلى الله عليه وسلم فى رحلة المعراج وصل الى سدرة المنتهى ولم يصل الى العرش ,
وهذا يمكن تقريبه بمثال القطار المتحرك , فأنت داخل القطار لاتدرك حركته الا اذا وقفت على رصيف ثابت , وتحس اذا كان القطار متوازنا أن أعمدة الانارة على الجانبين هى التى تجرى وأنت ثابت داخل القطار , وهذا غير حقيقى , فلا يمكن أن تدرك جهات الكون , وتحيز الكون فى حيز الا اذا خرجت خارجه , وهنا لابد أن تتوقف وتسلم وتعترف بالعجز ,
وهذه نبذه من كلام ابن تيمية تدلك أنه كان رجلا عاطفيا , وأن كلامه قد تخطاه الزمن , ولا حاجة بنا اليه ,
-ابن تيمية لم يكن رياضيا ولا مهندسا حتى يتكلم عن المكان كلاما علميا بالدليل , ولذلك اختلفت عباراته فى معنى المكان والحيز , فنراه يأخذ معنى الحيز من قوله تعالى [ ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة ,] حيث يقول فى الرد على المنطقيين [إن المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى:{ أو متحيزا إلى فئة} فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به , وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء , والمتكلمون يريدون ب التحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا ؛ فالعالم عندهم متحيز , وليس في حيز وجودي, والمكان عند أكثرهم وجودى ]فقوله-[ والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا ؛ فالعالم عندهم متحيز , وليس في حيز وجودي]قول غير سليم وغير حقيقى , لأن الحيز أمر وجودى كما بينه الفخر الرازى ,
ثم يتكلم ابن تيمية بكلام يدل على عاطفيته فيقول :
- يقول ابن تيمية فى الاستقامة [أما أن يجعل انتفاء الأين عنه دليلا فهذا لا يقوله عاقل ومن نفى الأين قال لأن الأين سؤال عن المكان يقول والله ليس في المكان لأن المكان لا يكون إلا للجسم والله ليس بجسم لأن الجسم لا يكون إلا محدثا ممكنا فلا بد له من هذه المقدمات أو ما يناسبها
ثم المثبت لما جاءت به السنة يرد عليه بمنع بعض هذه المقدمات والتفصيل فيها أو بعضها وبيان الحق في ذلك من الباطل مثل أن يقال المكان يراد به ما يحيط بالشئ والله لا يحيط به مخلوق أو يراد به ما يفتقر إليه الممكن والله لا يفتقر إلى شئ وقد يراد بالمكان ما يكون الشئ فوقه والله فوق عرشه فوق سماواته فلا يسلم نفى المكان عنه بهذا التفسير
ونقول قد وردت الآثار الثابتة بإثبات لفظ المكان فلا يصح نفيه مطلقا وكذلك نقول في سائر المقدمات فظهر أن هذا الكلام لا تصح دلالته إلا أن يراد به نفي الاتحاد والحلول فيكون المعنى لو آواه بطن مريم أو جسد واحد من البشر كما قد يقول بعض ذلك بعض الحلولية لكان الأين يلزمه كما يلزم محله ففرق بين أحدهما والآخر في جعل هذا خالقا وهذا مخلوقا
وأما نفس المعنى المقصود بنفى إيواء المحل عنه فإنه صحيح إذا قصد به أنه لا فوقه شئ من المخلوقات فتحيط به أو يكون الرب مفتقرا إليه ]وهذا السطر الأخير يتناقض مع قوله السابق [وقد يراد بالمكان ما يكون الشئ فوقه والله فوق عرشه فوق سماواته فلا يسلم نفى المكان عنه بهذا التفسير ]
ويعود ابن تيمية فيؤكد هذا السطر الأخير -أن الله تعالى لايأويه محل , أى لايحويه مكان , وليس فوقه شيء من المخلوقات , ولا يحيط به شيء من المخلوقات , ولا يفتقر الى شيء من المخلوقات , وذلك فى كتاب الجواب الصحيح الجزء الثالث فيقول :
[وأيضا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارة وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارة كما تقدم ذكره وعندهم في النبوات أن الله حل في غير المسيح من الصالحين وليس المراد به أن ذات الرب حلت فيه بل يقال فلان ساكن في قلبي وحال في قلبي وهو في سري وسويداء قلبي ونحو ذلك وإنما حل فيه مثاله العلمي وإذا كان كذلك فمعلوم أن المكان إذا خلا ممن يعرف الله ويعبده لم يكن هناك ذكر الله ولا حلت فيه عبادته ومعرفته فإذا صار في المكان من يعرف الله ويعبده ويذكره ظهر فيه ذكره والإيمان به وحل فيه الإيمان بالله وعبادته وذكره وهو بيت الله عز و جل فيقال إن الله فيه وهو حال فيه
كما يقال إن الله في قلوب العارفين وحال فيهم والمراد به حلول معرفته والإيمان به ومحبته ونحو ذلك وقد تقدم شواهد ذلك فإذا كان الرب في قلوب عباده المؤمنين أي نوره ومعرفته وعبر عن هذا بأنه حال فيهم وهم حالون في المسجد قيل إن الله في المسجد وحال فيه بهذا المعنى كما يقال الله في قلب فلان ,وفلان ما عنده إلا الله كما قال النبي في الحديث الصحيح أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده ]
واليك هذا الكلام التنزيهى لابن تيمية فى التدمرية , ينزه الله أن يكون فى السماء , أو أن يكون فوق العرش- بذاته كما يقولون , ويثبت لله العلو المطلق , بلا مكان ولا حيز ولا جهة , [فلما قال سبحانه وتعالى : { والسماء بنيناها بأيد } فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمى المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وجبل طين وأعوان ؟ ثم قد علم ان الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا الى أن تحمله والسموات فوق الأرض وليست مفتقرة الى حمل لها فالعلي الاعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه : كيف يجب أن يكون محتاجا الى خلقه أو عرشه ؟ أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات ؟ وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه وتعالى أحق به وأولى
وكذلك قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو جاهل ضال بالاتفاق وان كان إذا قلنا : إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك فان حرف ( في ) متعلق بما قبله وبما بعده - فهو بحسب المضاف اليه ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان وكون الجسم في الحيز وكون العرض في الجسم وكون الوجه في المرآة وكون الكلام في الورق فان لكل نوع من هذه الأنواع خاصة يتميز بها عن غيره وان كان
حرف ( في ) مستعملا في ذلك فلو قال قائل : العرش في السماء أو في الأرض ؟ لقيل فى السماء , ولو قيل : الجنة فى السماء أم فى الأرض لقيل: الجنة في السماء, ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات بل ولا الجنة, فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فانه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن ] فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك مع أن الجنة في السماء, والسماء : يراد به العلو, سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها قال تعالى { فليمدد بسبب إلى السماء } وقال تعالى { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلى الأعلى وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله : إنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق كل شيء وكذلك الجارية لما قال لها أين الله ؟ قالت في السماء إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها وإذا قيل : العلو فانه يتناول ما فوق المخلوقات كلها فما فوقها كلها هو في السماء ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل : ا لعرش في السماء فانه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق وان قدر أن السماء المراد بها الأفلاك : كان المراد انه عليها كما قال : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } وكما قال : { فسيروا في الأرض } كما قال : { فسيحوا في الأرض } يقال : فلان في الجبل في السطح وإن كان على أعلى شيء فيه]
الخلاصة : أن الله تعالى لا فى زمان ولا فى مكان , وليس هذا نفيا لوجود الله تعالى , لسبب بسيط وهو , أن هذه أوصاف المخلوقات ولا يصح اطلاقها على الله تعالى ,
-وأيضا : أتباع ابن تيمية يتلاعبون بكلامه ويقتطفون منه فقرات تؤيد ما يخططون له من نشر التجسيم فى الأمة