بسم الله الرحمن الرحيم
والآن ، بعد أكدت فيما نقلت بيان السلف والخلف على تفسير المتشابهات بلوازمها وعلى تفسير علو الله بعلو المكانة لا المكان من جهة ومن جهة أخرى بينت اتفاق السلف والخلف على نفي لوازم التجسيم عن الله تعالى فالمكان والحيز والحركة والسكون والإنتقال والأعضاء والأجزاء والتركيب والصورة ..
أبين لكم أن ذلك لم يكن إلا لأن التجسيم محال على الله تعالى ، وبالتالي فقد اتهم السلف الصالح المجسمة ونفر منهم ومن المجسمة فرقة الكرامية ومن اتبعها كابن تيمية والوهابية .
ويجب هنا أن أبين معنى الجسم الذي لا يجوز نسبته إلى الله تعالى لا لفظا ولا معنى كما تفعل المجسمة الوهابية فأقول :-
وقد قال الإمام الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام: أبو بكر الإسماعيلي (ت371هـ) في كتاب اعتقاد أهل السنة: «ولا يُعتقَدُ فيه _ تعالى _ الأعضاءُ والجوارحُ، ولا الطولُ والعرضُ، والغلظُ والدقّة، ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق، فإنه ليس كمثله شيء، تبارك وجهُ ربنا ذي الجلال والإكرام». (ص37. تحقيق جمال عزون. نشر دار ابن حزم 1999م).
وهذه لوازم الجسمية والتحيز والحجمية، وتنزيهُ الله عن اللوازم يتضمن تنزيهَهُ عن الملزومات، فعقيدة أهل السنة القطع واليقين بتنزيه الله تعالى عن التحيز والجسمية والحجمية ولوازمهما.
من أئمتنا ـ أهل السنة والجماعة الأشعرية ـ الذين جعلهم الله تعالى نبراسا لطلب الحق: الإمام المطلق إمام المفسرين ابن جرير الطبري رضي الله عنه وأرضاه.
وكان يعتقد استحالة الحركة والسكون على الله عز وجل، بل وينقل إجماع الموحدين على استحالة ذلك، وكان يقول في تقريراته للأدلة العقلية على العقيدة الإسلامية الذي كان ولا يزال عليها أهل السنة: (حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخل من الحدَث لا شك أنه مُحدَثٌ بتأليف مؤلِّفٍ له إن كان مجتمعا، وتفريق مفرق له إن كان مفترقا. (تاريخ الطبري. جـ1/ص28)
وكان الإمام الطبري رضي الله عنه ينفي التسلسل وحوادث لا أول لها، وهو ما يبرر به مجسمة اليوم (وهم الوهابية ومن تبعهم الذين يخالفون عقيدة الطبري) التجسيم الذي يعتقدونه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فقد قال الإمام الطبري رضي الله عنه وأرضاه: ما عدّّ من الأشياء فغير خارج من أحد العددين: شفع أو وتر، فإن يكن شفعا فإن أولها اثنان، وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولا، وإن كان وترا فإن أولها واحد، وذلك دليل على أن لها ابتداء وأولا، وما كان له ابتداء فإنه لابد له من بمتدئ هو خالقه. (تاريخ الطبري، ج1/ص 20 ـ 21)
وكذلك نجد الإمام العلامة أبو حنيفة النعمان يؤكد على هذه العقيدة الراسخة حيث يقول في فقهه الأبسط :-
فصفاته تعالى غير مخلوقة وغير محدثة والتغير والإختلاف في الأحوال يحدث في المخلوقين ومن قال أنها محدثة أو مخلوقة أو توقف أو شك فهو كافر .
وقد قال مثلا الشيخ حمدان الحراني في نهاية المبتدئين: وقال التميمي في اعتقاد أحمد في حديث النزول: (ولا يجوز عليه الانتقال، ولا الحلول في الأمكنة) ص 32
فهذا نص صريح أو يكاد في نفي الحركة والسكون عن الله تعالى وهما من اللوازم البينة للانتقال والحلول في المكان.
ونقل عن ابن البناء في اعتقاد الإمام أحمد قوله: (ولا يقال بحركة ولا انتقال) ص 32.
وهذا تصريح أوضح.
ثم نقل الشيخ حمدان عن القاضي أبي يعلى قوله: (وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول إلى السماء الدنيا والعلو، لا على جهة الانتقال والحركة، كما جازت رؤيته لا في جهة، وتجلى للجبل لا على وجه الحركة والانتقال.) إلخ ص 32.
وهذه النصوص الصريحة القطعية الدلالة في تنزيه الله تعالى عن الحركة والسكون لم تصدر من أهل السنة الأشعرية، بل صدرت من أهل السنة الذين هم على منهج أهل الحديث ومنهج الإمام أحمد، وقد اشتركا في الاعتقاد الحق، خلافا للمجسمة هداهم الله تعالى للحق.
فليس صحيحا تخصيص نفي الحركة والسكون عن الله تعالى باعتقاد الأشعرية، بل هو عقيدة أهل السنة والجماعة المحدثين والمتكلمين والفقهاء منهم.
وأيضا من الأمور التي لم ينفرد بها الأشعرية رضي الله عنهم هي تنزيه الله تعالى عن الحلول في المكان.
بل كانت عباراتهم نحو المجسمة الذين ينسبون العرش مكانا لذات الله ألطف من عبارة الحنابلة الذين هم على منهج الإمام أحمد الصريح الصحيح وعلى حسب قواعده.
فقد قال الشيخ حمدان في نهاية المبتدئين:
(من قال: إنه بذاته في كل مكان، أو في مكان، فكافر؛ لأنه يلزم منه قدم المكان، وحلوله في الأماكن. إلخ (ص31)
وهذا النص بعينه ذكره عن عقيدة الإمام أحمد الشيخ عبد الباقي الحنبلي في عقيدة أهل الأثر.
وهما ليسا أشاعرة بالمعنى الخاص، ومع ذلك عقيدتهم تنزيه الله تعالى عن الحيز ولوازمه من الأمكنة.
ولو تتبعنا أقوال كبار العلماء الذين لم يصرحوا بأنهم على منهج الأشاعرة كالإمام الطبري الذي كان أصلا قبل انتشار مصطلح الأشاعرة، والإمام الخطابي الذي كان إماما برأسه ليس تابعا للإمام الأشعري، لوجدنا أن تنزيه الله تعالى عن الحركة والسكون ولوازمهما من الحيز والمكان هو عقيدة أهل السنة والجماعة قاطبة أشعريهم ومحدثهم ومتكلمهم وفقيههم.
وكذلك قال البيهقي في كتاب اعتقاد السلف الصالح :-
( وفي الجملة فيجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه ولكنه استوى على عرشه كما أخبر بلا كيف ولا أين وأن اتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فهو سبحانه ( ليس كمثله شيء ) ( ولم يكن له كفوا أحد ) ( هل تعلم له سميا ) أي شبيها .
ونفي التكييف هو نفي أن تكون صفاته من جنس الأجزاء والأبعاض نظير ما عندنا كما هي عقيدة المجسمة التي نص عليها ابن عثيمين في شرحهه للواسطية ص 51 الطبعة الرابعة دار ابن الجوزي .
ونفي التكييف ليس هو الجهل به كما يعتقد المجسمة أي أنهم يثبتون الكيفية التي تليق بالأجسام ثم يقولون لكننا لا نعرفها كقول ابن تيمية أن الله يجلس ويقعد ولكن بكيفية تختلف عنا !!!! يراجع كتاب الإعلام تحت قسم إثبات الجلوس والقعود لله تعالى !!!!
ولهذا فقد جاء في عقيدة السلف الصالح كما جاء في كتاب ( اعتقاد أهل الحديث للإسماعيلي ص 52 ) :-
( ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله فيه بكيف ولا يعتقد فيه الأعضاء والجوارح ولا الطول ولا العرض ولا الغلظة ولا الدقة ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق فهو سبحانه ليس كمثله شيء .)
وهذه هي عقيدة السلف الصالح كما بينها كبار علماء الأشاعرة المحققين كالبيهقي وغيره وهي تماما مخالفة لعقيدة الوهابية المجسمة الذين يعتقدون أن الله مكون من جنس الأجزاء والأبعاض نظير ما عندنا والتي لا تنفصل عنه !!! تعالى الله عن ذلك التجسيم علوا كبيرا .
وهذا حقا عين التجسيم الذي نفاه السلف الصالح تماما ومعناه الباطل الذي يثبته المجسمة وينفيه الأشاعرة هو كما بينه الإمام أحمد حيث يقول :-
قال الإمام أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز البغدادي التميمي رئيس الحنابلة بغداد في كتابه إعتقاد الإمام أحمد: وأنكر - أي أحمد - على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الإسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز ان يسمى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل.
وهذا نص صريح واضح في هدم عقيدة المجسمة الوهابية ومن تبعهم في قولهم بحوادث لا أول لها، ومن ثمّ يتسللون بعقائد الفلاسفة الملحدين الذين يقولون بأن نوع العالم قديم وأفراده حادثة، وهي عقيدة إلحادية مبنية على القول بحوادث لا أول لها، وهي باطلة بنص الإمام الطبري وغيره من أئمة أهل السنة والجماعة، وللأسف الوهابية اليوم ومن تبعهم يعتبرونها قرآنا لا تجوز مخالفته، وذلك لأن عقيدتهم تنهدم بعدم القول بقدم نوع العالم .
فهذه الأصول التي نطق وصرح بها الإمام الطبري والبيهقي وأبو حنيفة والإسماعيلي وأحمد وغيرهم من السلف والخلف هي عين أصول أهل السنة الأشاعرة ، ولهذا يتعامى الكثير بل كل المجسمة عن عقيدة الإمام الطبري وغيره مما ذكرنا من السلف والخلف لكي لا يلجأون إلى الطعن في عقيدة السلف كالإمام الطبري والشافعي وأبو حنيفة والإمام أحمد والإسماعيلي وغيرهم فيفتضح حالهم، أو يعترفون بأن عقيدة الأشعرية هي عقيدة أهل السنة ، لكن المحقق يعلم أهل السنة الأشعرية رضي الله عنهم لم يخرجوا قيد أنملة عن أصول عقيدة الإمام الطبري والسلف الصالح منهجا ونتيجة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة بالإجماع على أن الإمام الطبري والأئمة الأربع أعلم الناس بعقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وكما بينت سابقا من أقوال العلماء السابقين المحققين من السلف والخلف .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
والحمد لله رب العالمين .




رد مع اقتباس