لا شكّ في خطأ الفتوى التي أصدرها الشيخ القرضاوي ، و لكن تحديد جهة الخطأ هي ما يمثّل نقطة الخلاف بيني و بين من انتقصه و حطّ من قدره ، و نقل كلاما عن أحدهم يتّهم الشيخ بالدياثة ، و لست أدري حقاّ الغاية من نقل مثل هذه البذاءة ، ثمّ التبرّي من لوازمها ، و اعتبار أنّها لا تمثّل رأيا شخصيا ، و لا تستلزم تبعا لذلك الموافقة ، فهلاّ نقلت لنا اسم القائل للنظر في حاله و علمه و ورعه ...

على كلّ حال ، لا يستلزم اعترافي بخطأ الشيخ التسليم بصحّة المنهج المتّبع في تخطئته ، فالشيخ القرضاوي أصدر فتوى ، أي حكما شرعياّ لا على سبيل الإلزام ، و الحكم الشرعي هو ثمرة الفقه بتوسّط علم أصول الفقه ، و لمّا كان الشأن كذلك ، كان من العبث محاكمة أو مناقشة كلام الشيخ انطلاقا من خلفية ينبو عنها الفقه و أصوله ، بعبارة أخرى ، فموروثنا الفقهي العظيم بني على أصول ، و له قوانينه التي تعطينا لمحة عن طبيعة اشتغال عقل الفقيه ، و تميّزها عن غيرها تميّزا واضحا ، بلغة أوضح ، أتحدث عن القطيعة المعرفية بين المثقف و الفقيه ، و هذه القطيعة تتجلى عند فهم الفقه مربوطا بأصوله ، فمن يدرس أو يطالع الفقه ، سيجد فروعا لو حاكمها بالمقياس العامي ( بما فيه المثقف ) ، سيصل لنتائج تلزمه برفض هذا الفقه من أساسه ( عدم الرحمة ، عدم الانسانية ...) ، فلذلك لا مجال للعواطف في البحث الفقهي ، و لا مجال للخطابيات ، و لا مجال لاستعمال مصطلحات لا تؤثر سلبا أو إيجابا على البحث الفقهي ، سواء أكان استنباطا للحكم أو قدحا في دليله أو جهة دلالته على مدلوله ، بل قد تؤدي إلى التشويش على من لم يفهم بعد العقلية الفقهية ، و لا بدّ من وجود دراسات جادّة تغطي هذا الجانب و تقرّب العقليّة الفقهية التي حفظت و دونت تراث الأمة ، إلى الانسان العادي و الباحث الأكاديمي المتخصصّ ، الذي طالما حاكم الفقه و أصوله من وجه لا يجوز أن يعتبر في المحاكمة ، نتيجة لاختلاف طبيعة البحث ، و لا بدّ من ربط كلّ هذا بالعلاقة التي ربطت الفقيه بالنصوص ، و ربط كل ذلك بمسائل من أصول الدين ( كالحسن و القبح ) ، فنتجنب كثيرا من الأبحاث التي تعسّفت في نتائجها و التي قدّمت الواقع العلمي للأمة بطريقة فيها كثير من التشويه ، إذا عرف الباحث كيف يفكّر الفقيه ( بغضّ النظر عن الرفض و القبول لنتائجه ) ، وصلنا للمقدمة التي تسهل لطلبة العلم تقديم الإٍسلام ( كما هو ) لغيرهم .

هذه مقدمة بسيطة ، أرجو أن يتقبلها الإخوة بصدر رحب .

الشيخ بنى فتواه على قاعدة الضرورات تبيح المحضورات ، و لا شكّ أنّ القاعدة صحيحة بلا خلاف ، لكنّا ننازع الشيخ في انطباق هذه القاعدة على الجزئية التي يتحدث عنها ، فالظاهر أنّ ما افترض الشيخ أنه من الضروريات لا يرقى للحاجيات ، لأنّ تعليم المرأة و خروجها من بيتها لم يقل بوجوبه معتبر ، و إذا كانت مسائل العورة و النجاسة تدخل في باب التحسينيات ، فالترجيح الصحيح أن يهدر اعتبارها ( طبعا إذا استحال إبقائها ) أمام الحاجيات ، و من باب أولى الضروريات ، فهذا الترجيح الصحيح في بلاد الإسلام ، مثاله كشف الطبيب ( إذا لم توجد طبيبة ) عورة المرأة للتداوي ( طبعا إن ارتقى التداوي لمقام الضرورة كالخوف على النفس ) ، فكيف في بلاد الأصل فيها حرمة البقاء و تكثير سواد الكفاّر .

فغلط الشيخ كان في تحقيق مناط الضرورة في هذه الحالة ، و لا شكّ أنّه ملوم بتسرّعه و عدم تثبّته من حقيقة الأمر ، بل لا أبالغ إن زعمت أنّ الجزء الأكبر لتغليط الشيخ يتحمّله من يصوّر الواقع للشيخ بصورة فيها تهويل و مبالغة ، فيجعل التحسيني و كأنة ضروري ، و الشيخ له نصيب من اللوم ، لما لم يبذله من جهد لفهم الجزئية التي طبّق عليها القاعدة الكليّة ، بل نسي أو تناسى القاعدة التي تنصّ على أنّ الضرورة تقدّر بقدرها ، فليس من السهل أو الهيّن تحقيق مناط الضرورة ، بل يستوجب شرعا و عادة بذل غاية الجهد في التحري و التثبّت ، لما يترتّب على فتح باب الضرورات من الفساد .

و لذلك فهذا الكلام :

يراني الطلاب في الجامعة بدون الحجاب، ثم أتستر منهن في الشارع؟ أكشف عورتي وأضع شرفي في الجامعة، ثم أحفظه خارجها؟
قلت هذا الكلام غير سديد و يستلزم لوازم باطلة لا يقرّها كاتب هاته الكلمات .

فأحكام العورة على المعتبر من مذهب جمهور الفقهاء إنما هي من صنف غير معقول المعنى ، فاعتبار هذه عورة مخففة أو مغلظة ، هذا الجزء من الجسم مأمور بتغطيته و غيره لا ، مصدره النصوص ، و لا عبرة بخلافه ، و اعتبار أن تغطية الشعر هو حفظ للشرف ، و كشفه اهدار له ، غلط في التصوّر و التصوير ، لأن لازمه أنّ الربّ قد امتهن الأمة المسلمة حيث لم يأمرها بحفظ شرفها ، فالجمهور على أنّ الربّ سبحانه لم يأمر الأمة بتغطية صدرها ، و لم يعتبره عورة أصلا ، فهذا يجرّنا لاعتبار أنّ الله طالب بعض عبيده بالشرف و الأخريات لا ، و ضذّ الشرف هو الخسّة و العهر ، و رفع الصفة عن محلها القابل لها و لضدها يوجب توصيف الإماء المؤمنات القانتات العابدات بأوصاف ذميمة و قبيحة .

بل و يكون الواصف لهنّ على هذا الربّ جلّ في علاه .

و لا شكّ أنّ في هذا تقبيحا للملّة الحنيفيّة السمحاء ، و سببه استعمال مصطلحات لا مدخلية لها في البحث عن الحكم الشرعي ، بل تسبب التشويش و الغبش .

فانظر غير مأمور لقول القطب الدردير في شرحه الصغير :

" ( وعورة الرجل ) : التي يجب عليه سترها ( و ) عورة ( الأمة ) : القن بل ( وإن بشائبة ) : كأم ولد ومكاتبة ومبعضة مع رجل أو مع امرأة محرم له .
( و ) عورة ( الحرة ) : البالغة ( مع امرأة ) : كبيرة حرة أو أمة أو كافرة ، فقوله : [ مع امرأة ] ، قيد في الحرة ، وقوله : ( ما بين سرة وركبة ) : راجع للثلاثة . "

و حشّى الصاوي بقوله :

" قوله : [ مع رجل ] إلخ : راجع لعورة الرجل . وأما الأمة فمع أي شخص . "

و لا يستقيم الحديث عن الشرف و غيره من المصطلحات إلا على اعتبار أحكام العورة من المسائل المعقولة المعنى ، و هو ما شذّ به ابن تيمية و ابن حزم رحمهما الله ، مع أنّ الفقهاء المعتبرين قد قالوا بما محصّله موافقتهما ، و منه قول الدردير في شرحه الكبير :

" فإذا خيف من أمة فتنة وجب ستر ما عدا العورة لخوف الفتنة لا لكونها عورة وكذا يقال في نظيره كستر وجه الحرة ويديها "

و نضيف إليه تنبيه الدسوقي في حاشيته حيث قال :

" نعم حيث كثر الفساد كما في هذا الزمان فلا ينبغي الكشف لا في الصلاة ولا في غيرها بل ينبغي سترها لكن على وجه يميزها من الحرائر "


و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين .