الأخ الفاضل زاهد
العلاقة بين وحدة الوجود وبين الجبر لازمة، ولا أدري هل هي لله أو للعبد، فإن القائلين بوحدة الوجود يُرجعون أفعال الله تعالى التي هي تجليات عندهم إلى استعدادات وإمكانات الأعيان الثابتة في الأزل، والأعيان الثابتة من حيث هي لا تكون ثابتة بجعل الله، بل الجعل متعلق بها من جهة أخرى، فيكون علم الله تعالى تابعا كاشفا عنها أزلا كما هي في نفسها، فيكشف عن ذواتها الثابتة أزلا وأحوالها وصفاتها، ثم بعد ذلك تتجلى بها ذات الحق بحسب المراتب الوجودية، فلا يعطي شيئا إلا ما له، ولا يمنع أحدا شيئا هو له.

ولذلك فقد يقول قائل: إن وحدة الوجود هي عين الجبر، لأن الأمور ثابتة في نفس الأمر وتكون على ما ثبتت عليه أزلا، وإن كان ظهورها بالذات الحق شيئا بعد شيء بناء على التجلي في الصور أو التحول في الصور الذي يقول به من يقول!

وقد يكون الجبر لازما للحق تعالى، أعني أنه يلزم الإيجاب، فإنه إن كانت أفعاله التي هي عين التجليات القائمة به في رتبة من مراتب الوجود تابعة للأعيان في نفس الأمر، فإن هذا هو عين الإيجاب، ولذلك قال بعض القائلين بوحدة الوجود إن الشرطية الثانية في تعريف الإرادة مستحيلة التحقق، وهو ما قال عنه الإمام السرهندي في غير موضع من مكتوباته إنه عين الإجبار والإيجاب على الله تعالى .

ونحن نعلم أن بعض الأتباع لمذهب وحدة الوجود يحاولون إنكار لزوم ذلك كله. ولكن هذا الذي أراه ألزم وأوجب أن اللازم أحد الأمرين إما الجبر على العبد أو على الله تعالى، وهذه مانعة خلو لا مانعة جمع.

والمعلوم أن الجبر لازم على وحدة الوجود بحسب ما ذكرناه. أما أن كل قائل بالجبر فهو قائل بوحدة الوجود، فلا يلزم ذلك أبداً، فهو لازم من طرف القول بالوحدة لا من طرف القائل بالجبر،

فقد يقول بالجبر من لا يقول بالوحدة الوجودية التي قال عنها الإمام الكوثري
:"وهي حالة سكرية لا يقرها العقل، ولا تلبث عند الصحو أن تزول فتنهار الفروع بانهيار الأصل، وتلك الفروع من ذلك النبع العكر الناضب عند إشراق العقل، فلا يكون هذا الخلاف معتمدا على أساس"،

ومن الواضح أنه لا يظهر لنا أن كل قائل بالجبر فهو قائل بوحدة الوجود، ولا يظهر لنا التلازم بينهما من هذه الجهة.

والله أعلم.