[align=justify]وقال الإمام ابن بطال المالكي رحمه الله في شرحه على البخاري:
( هذا الله خالق كل شىء فمن خلق الله ؟ ) هذا من السؤال الذى لا يحل وقد جاء هذا الحديث بزيادة فيه من حديث أبى هريرة أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يزال الشيطان يأتى أحدكم فيقول : من خلق كذا من خلق كذا ، حتى يقول : من خلق الله ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل : آمنت بالله ) . وفى حديث آخر : فذلك ( صريح الإيمان ) . رواه أبو داود حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا سهيل ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) جاءه ناس من أصحابه فقالوا : يا رسول الله ، نجد فى أنفسنا الشىء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به ، فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أو قد وجدتموه ، ذلك صريح الإيمان ) . وقد ذكر ابن أبى شيبة من حديث الأعمش ، عن ذر ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس قال : ( جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : إنى أحدث نفسى بالأمر لأن أكون حممة أحب إلى من أن أتكلم به . فقال له رسول الله : الحمد لله الذى رده إلى الوسواس ) . فإن قيل : كيف سمّى هذه الخطرة الفاسدة من خطرات الشيطان على القلب صريح الإيمان ؟ قال الخطابى : يريد أن صريح الإيمان هو الذى يعظم ما تجدونه فى صدوركم ويمنعكم من قول ما يلقيه الشيطان فى قلوبكم ولولاه لم يتعاظموه ، ولم ينكروه ولم يرد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان ، وكيف تكون إيمانًا وهى من قبل الشيطان وكيده ، ألا تراه ( صلى الله عليه وسلم ) حين سئل عن هذا قال : ( الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ) . وفيه وجه آخر ، قال المهلب : قوله : ( صريح الإيمان ) يعنى : الانقطاع فى إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له فلابد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له ، لأن المفكر يجد المخلوقات كلها لها خالق بأثر الصنعة فيها والحدث الجارى عليها والله تعالى بخلاف هذه الصفة لمباينته صفات المخلوقين ، فوجب أن يكون خالق الكل ، فهذا هو صريح الإيمان ، لا البحث الذى هو من كيد الشيطان المؤدى إلى هذا الانقطاع ليحير العقول ، فنبه ( صلى الله عليه وسلم ) على موضع كيده وتحييره . قال غيره : فإن وسوس الشيطان فقال : ما المانع أن يخلق الخالق نفسه . قيل له : هذه وسوسة ينقض بعضها بعضا ؛ لأن بقولك يخلق قد أوجبت وجوده تعالى ، وبقولك نفسه قد أوجبت عدمه ، والجمع بين كونه موجودًا ومعدومًا معًا تناقض فاسد ؛ لأن من شرط الفاعل تقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلاً له ؛ لاستحالة أن يقال إن النفس تخلق النفس التى هى هو وهذا بين فى حل هذه الشُبه وهو صريح الإيمان ). [/align]