[align=justify]وقال الامام علي القاري في المرقاة:
( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ناس أي جماعة من أصحاب رسول الله إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسألوه إنا نجد واقع موقع الحال أي سألوه مخبرين أنا نجد أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسر وقيل على الفتح مفعول ثان لسألوه ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانا للمسؤول عنه وهو مجمل يفسره الحديثان الآتيان في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله وكيف هو ومن أي شيء وما أشبه ذلك مما يتعاظم النطق به لعلمنا أنه قبيح لا يليق شيء منها أن نعتقده ونعلم أنه قديم خالق الأشياء غير مخلوق فما حكم جريان ذلك في خواطرنا وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغة لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين يكون مزاولته أشق من مزاولته وحده ولذا قيل المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة أي نستعظم غاية الإستعظام وقوله أحدنا روي برفع الدال ومعناه يجد أحدنا التكلم به عظيما لقبحه ويجوز النصب على نزع الخافض أي يعظم ويشق التكلم به على أحدنا قال أو قد وجدتموه الهمزة للإستفهام التقريري والواو المقرونة بها للعطف على مقدر أي أحصل ذلك وقد وجدتموه والضمير لما يتعاظم أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرا وتأكيدا فالوجدان بمعنى المصادفة أو المعنى أحصل ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي فالوجدان بمعنى العلم قالوا نعم قال ذاك إشارة إلى مصدر وجد أي وجدانكم قبح ذلك الخاطر أو مصدر يتعاظم أي علمكم بفساد تلك الوساوس وامتناع نفوسكم وتجافيها عن التفوه بها صريح الإيمان أي خالصه يعني أنه إمارته الدالة صريحا على رسوخه في قلوبكم وخلوصها من التشبيه والتعطيل لأن الكافر يصر على ما في قلبه من تشبيه الله سبحانه بالمخلوقات ويعتقده حسنا ومن استقبحها وتعاظمها لعلمه بقبحها وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمنا حقا وموقنا صدقا فلا تزعزعه شبهة وإن قويت ولا تحل عقد قلبه ريبة وإن موهت ولأن من كان إيمانه مشوبا يقبل الوسوسة ولا يردها وقيل المعنى أن الوسوسة أمارة الإيمان لأن اللص لا يدخل البيت الخالي ولذا روي عن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه إن الصلاة التي لا وسوسة فيها إنما هي صلاة اليهود والنصارى رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يأتي الشيطان أي يوسوس إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الأنس والجن على طريق التلبيس أحدكم فيقول من خلق كذا يعني السماء مثلا من خلق كذا يعني الأرض وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر ويكثر السؤال على هذا المنوال حتى يقول من خلق ربك وهو قديم خالق كل شيء فإذا بلغه ضمير الفاعل لأحدكم وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول أي إذا بلغ أحدكم هذا القول يعني من خلق ربك أو التقدير بلغ الشيطان هذا القول فليستعذ بالله طردا للشيطان إشارة إلى قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين الحجر وإيماء إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا حول ولا قوة إلا بالله فإن العبد بحوله وقوته ليس له قوة المغالبة مع الشيطان ومجادلته فيجب عليه أن يلتجىء إلى مولاه يعتصم بالله من الشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه فيقول بلسانه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويلوذ بجنانه إلى جنابه أن يدفع عنه شره وكيده فإنه مع اللطف الإلهي لا أضعف منه ولا أذل فإنه مشبه بالكلب الواقف على الباب ولذا قال تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا النساء أي بالنسبة إلى القوة الإلهية فلا ينافي قوله تعالى حكاية إن كيدكن عظيم يوسف ولينته بسكون اللام وتكسر أي ليترك التفكر في هذا الخاطر وليشتغل بأمر آخر لئلا يستحوذ عليه الشيطان فإنه إنما أوقعه فيه رجاء أن يقف معه ويتمكن في نفسه فيحصل لها شك وريب في تنزيهه تعالى عن سمات الحدوث وإن دقت وخفيت فمن تنبه وكف عن الإسترسال مع ذلك الخاطر وأشغل نفسه حتى انصرفت عنه فقد خلص ومن لا فقد ارتبك فيخشى عليه مزلة القدم في قعر جهنم وإنما أمر بذينك دون الإحتجاج والتأمل لأمرين أحدهما أن العلم باستغناء الله تعالى عن المؤثر والموجد ضروري لا يقبل احتجاجا وإنما ذلك شيء يلقيه الشيطان إما ليحجك إن جادلته لأنه مسلط على القلوب بإلقاء الوساوس عليها ليختبر إيمانها ووساوسه غير متناهية فمتى عارضته بمسلك وجد مسلكا آخر إلى ما يريده من المغالطة والتشكيك وإما ليضيع وقتك ويكدر عيشك إن استرسلت معه وإن حججته فلا أخلص لك من الإعراض عنه جملة والإلتجاء إلى الله تعالى بالإستعاذة منه كما قال عز من قائل وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الأعراف ثانيهما أن الغالب في موارد هذه الخواطر أنه إنما ينشأ من ركود النفس وعدم اشتغالها بالمهمات المطلوبة منها فهذا لا يزيده فكره في ذلك إلا الزيغ عن الحق فلا علاج له إلا الإلتجاء بحول الله وقوته والإعتصام بكتاب الله وسنة رسوله قال الخطابي لو أذن رسول الله في محاججته لكان الجواب سهلا على كل موحد أي بإثبات البراهين القاطعة على أن لا خالق له تعالى بإبطال التسلسل ونحوه كاستحضار أن جميع المخلوقات داخله تحت اسم الخلق فلو جاز أن يقال من خلق الخالق لأدى إلى ما لا يتناهى وهو باطل قطعا وفيه إشعار بمذمة علم الكلام ودلالة على حرمة المراء والمجادلة فيما يتعلق بذات الله وصفاته وإيماء إلى صحة إيمان المقلد متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يزال الناس يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا عن العلوم والموجودات والتساؤل جريان السؤال بين الاثنين فصاعدا ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر أي يجري بينهما السؤال في كل نوع حتى يبلغ السؤال إلى أن يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله قيل لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف وهو المقول مفعول يقال أقيم مقام الفاعل وخلق الله تفسير لهذا أو بيان أو بدل وقيل مبتدأ حذف خبره أي هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق معلوم مشهور فمن خلق الله والجملة أقيمت مقام فاعل يقال فمن وجد من ذلك شيئا إشارة إلى القول المذكور ومن ذلك حال من شيئا أي من صادف شيئا من ذلك القول والسؤال أو وجد في خاطره شيئا من جنس ذلك المقال فليقل أي فورا من حينه آمنت بالله ورسله أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم وقولها سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ثم هذا القول يحتمل أن يكون على وجه العلم والتحقيق ويحتمل أن يكون على طريق التقليد هذا الذي ظهر لي في هذا المقام وأما ما ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر من أن هذا القول كفر فمن تكلم به فليتداركه بكلمة الإيمان ففي كونه مرادا نظر ظاهر لأنه لا يصح بالنسبة إلى السائل المجادل الذي هو من جملة شياطين الأنس أو الجن على التغليب كما ينصره الحديث السابق ولا المسؤل لأنه مؤمن صريح الإيمان ولأن قوله في هذا الحديث فليقل إنما هو بالنسبة إلى المسؤل كقوله فليستعذ في الحديث الذي تقدم والله أعلم ولذا قيل يسن له أن يستعيذ ثم يقول آمنت بالله ورسله ورواه ابن أبي الدنيا عن ابن عمر وزاد في آخر فإن ذلك يذهب عنه متفق عليه روى مسلم هذا الحديث على هذا السياق عن أبي هريرة ورواه أيضا عن أنس وفي روايته حتى يقال هذا الله خلق الخلق وكذلك رواه البخاري في كتابه عن أبي هريرة والحديث على هذا السياق محتمل لغير ما ذكر وهو أن يكون هذا الله مبتدأ وخبرا أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق الخلق خبره وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق فيرجح إذن على السياق المذكور في المصابيح وإن كلاهما من الصحاح وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ما منكم من أحد ما نافية ومن زائدة لإستغراق النفي لجميع الأفراد ومن في منكم تبعيضية أي ما أحد منكم إلا وقد وكل به على بناء المجهول لأن فاعله معلوم من التوكيل بمعنى التسليط قرينه من الجن أي صاحبه منهم ليأمره بالشر واسمه الوسواس وهو ولد يولد لإبليس حين يولد لبني آدم ولد وقوله وقرينه من الملائكة أي ليأمره بالخير واسمه الملهم )اهـ[/align]