السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي الفاضل،

قول المحشِّي رحمه الله: "فلإن نسبته إلى القدرة نسبة السمع والبصر إلى العلم، فكما أن إنباءهما عن الإدراك لا ينافي مغايرتهما للعلم، فكذلك كون الكلام مبدأ صدور الحروف والكلمات لا ينافي مغايرته للقدرة".

فيقال: هو في نهاية الأمر يُرجع صفة الكلام على أنَّها صفة فعل، وعلوم أنَّ كلَّ فعل إنَّما هو بتأثير مختار، فلا بدَّ هنا أن يكون الكلام مرجَّحاً مخلوقاً، فلا معنى إذن للقول بمغايرة صفة الكلام حقيقة لصفة القدرة!

وما قاس عليه من كون السَّمع والبصر صفتي إدراك يشمل متعلَّقاتها العلم مع انفصالها عنها لا يُسلَّم، فإنَّا إن قلنا إنَّ الصِّفتين لا ترجعان إلى العلم فمتعلَّقاتهما ليسا من جنس متعلَّقات صفة العلم. وإن قلنا برجوعهما إلى العلم فلا مفارقة أصلاً.

والمحشِّي رحمه الله يقول إنَّ متعلَّق صفة الكلام هو عين متعلَّق صفة القدرة وفارق بينهما بالخصوص والعموم، فلا يصحُّ أن يُقاس المطلوب على السمع والبصر أصلاً.

...

قوله: "وأما الكلام بمعنى الحروف والأصوات وإن لم يكن قائما بالمتكلم بل بالهواء الجاري كما مر، فقد يضاف إلى المتكلم حقيقة، كما يقال هذا كلام الشافعي وذلك قول الرافعي لكونه حادثا من انتقالات الهواء في الخارج التي هي آثار أفعال المتكلم بواسطة مبدأ التكلم القائم به".

فيقال: هذه دعوى مقابلة لدعوى الأشاعرة! فإنَّ مدَّعانا أنَّ حقيقة الكلام ما يحدث في نفس زيد وعمرو ثمَّ يبين عنه اللسان أو اليد بالقلم أو بالإشارة أو غمزة العين أو رفع الحاجبين أو هزُّ الرَّأس....

ولا ريب في الفرق البيِّن بينَ أن أرفع حاجبيَّ لأفهم مَن أمامي بأنِّي أقول له: (لا) أو أن أرفع حاجبيَّ تحريكاً لعضلة الوجه مثلاً، أو أن أهزَّ رأسي قائلاً لمن أمامي: (نعم) أو أن أهزَّه لألم في الرَّقبة.

فهذا الفرق أين محلُّه؟؟!

فيجب التَّنبُّه هنا إلى أنَّ تحريكي لرأسي في حال المخاطبة إنَّما أردتُ به أن أُفهِمَ المخاطَب أنِّي موافق له، فهنا أمور:

1- التحريك.

2- إرادتي التَّحريك.

3- التَّأثير في التَّحريك (عادة).

4- سبب إرادتي التحريك.

5- الموافقة.

فيجب التَّنبُّه إلى أنَّ الموافقة (5) أمرٌ غيرُ كلِّ ما سبقه، بل مغايرته إيَّاها أمر بديهيٌّ.

فما محلُّ الموافقة؟؟

النَّفس.

وهو الذي نسمِّيه الكلام!

إذن: فيَّ مبدأ للكلام، وهو حصول ملكة لي بها الدَّلالة، وأيضاً يحدث فيَّ تعلُّق هذه الملكة بأن تحدث فيَّ نفسُّ الدَّلالة (بأن أحدثها في نفسي).

وحاصل قول المحشِّي رحمه الله هو إنكار ذلك مع ضروريَّته.

...

"فحينئذ لا مانع من أن يقال إن لله -كالكلام النفسي الذي هو مبدأ التكلم- كلاما لفظيا مركبا من الحروف والأصوات، صادرا من ذلك المبدأ القديم القائم بذاته تعالى، قائما -ذلك الكلام اللفظي- بالهواء أو نحوه مما يحذو حذوه".

فيقال: لا مانع من نسبة الكلام اللفظيِّ إلى الله تعالى على أنَّه تعالى خالقه، فإنَّ هذا الكلام اللفظيَّ مخلوق، ومن حاول التَّهرُّب من تسميته بأنَّه مخلوق كابن تيميَّة ليس إلا بانياً على مغالطة لفظيَّة. لكنَّ تسليمنا لقول المحشِّي رحمه الله بهذا التَّقييد لا يفيد الاستغناء عن القول بالتعلُّق النَّفسيِّ من أيِّ وجه.

إذ لكلِّ فعل مبدأ، والعفل الذي هو الكلام اللفظيُّ لا يكون إلا للدلالة، فهذه الدَّلالة هي غير الفعل يقيناً، وهي ليست عين الصِّفة القديمة، إذ الكلام اللفظيُّ ليس يرجع إلى دلالة واحدة، بل هو راجع إلى دلالات كثيرة من الإخبار عن سيدنا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وفرعون ويوم القيامة.

...

"وتعلم أن معاني الألفاظ والعبارات سواء كانت المعاني الأولية أو الثانوية إنما يطلق عليها الكلام لكونها مدلولات للكلام اللفظي بالدلالة الوضعية".

ليس في هذه العبارة إشكال من حيث هي، والله تعالى أعلم.

...

"وهي وإن كانت تسمى كلاما نفسيا لكن القول بأنها صفة غير العلم قائمة بذاته تعالى قديمة مما لا يجوزه العقل قطعا".

يُدفع بأنَّ تعلُّقات صفة الكلام قديمة كما أنَّ تعلُّقات صفة العلم قديمة.

...

"كيف ودلالة الكلام اللفظي على كلامه النفسي الذي هو صفة حقيقية قديمة له لا بد أن تكون من قبيل دلالة الأثر كالمقدور على القدرة والمراد على الإرادة".

يقال إنَّ الخطأ في هذه العبارة أنَّ صفة الكلام لو كانت هي مبدأ التَّثير في الألفاظ فلا بدَّ من مرجِّح لهذه التَّأثيرات المتعيِّنة فننتقل إلى الكلام على الإرادة، فإن قيل إنَّها إرادة الدَّلالة فإرادة الدَّلالة هي غيرُ إرادة الدلالة على إغراق فرعون مثلاً، فإمَّا أن يرجع ذلك إلى غيرٍ -وهو المطلوب من ثبوت صفة أخرى لها تعلُّقات هي الدلالات-، أو أن تكون هذه تعلُّقات صفة إرادة الدَّلالة. وقد ثبت وجوب قدم إرادة الله تعالى وقدم تعلُّقاتها. فيلزم قدم تعلُّقات هذه الصِّفة ضرورة.

فيلزم من ذلك كلِّه قدم تعلُّقات الصِّفة.

فيبطل فرض المحشِّي رحمه الله تعالى بأن ليست التَّعلُّقات قديمة من كلِّ وجه.

والله تعالى أعلم.

قوله: "فاحفظه فإنه من بدائعنا ووداعئنا".

فيقال: نعم هو جميل، لكنَّه ليس بصحبح، ورحمه الله تعالى وجزاه خيراً.

وأخيراً أريد أن أنبِّه على أمر هو أصل هذا الإشكال، وهو أنَّ الكلام هو الدَّلالة، والدلالة زائدة على الفعل ضرورةً، فلا يصحُّ إرجاع الكلام صفة تأثير.

والسلام عليكم...