بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إذا كان كلام الله تعالى لا يوصف بالحرف والصوت أو التقديم والتأخير والتركيب والتبعيض والبداية والنهاية فما الذي سمعه سيدنا موسى عليه السلام حقيقة؟
أليس من التناقض أن يقال بأن سيدنا موسى عليه السلام قد سمع ما لا يُسمع وما ليس بحرف؟
إذن فما وجه اختصاص سيدنا موسى بالتكليم وتميزه عن باقي الأنبياء بكونه الكليم؟
وجهه أنه عليه السلام أدرك دلالة على كلام الله الأزلي من غير توسط واسطة,
وأقول "دلالة" لإثبات أنه عليه السلام سمع حرفاً وصوتاً لكن من غير توسط أحد من الخلق كما فُعل مع الأنبياء عليهم السلام, فهم قد سمعوها بوساطة الوحي, وأن هذا المسموع حادث من غير حلق ولسان قائم ككيفية في تموجات الهواء المقارب لأذنه عليه السلام, بخلق مباشر من الله.
يقول الشيخ محمد الكردستاني في حاشيته الماتعة على "تقريب المرام في شرح تهذيب الكلام":
" الكلام بمعنى المتألف من الحروف والأصوات المتقضية شيئاً فشيئاً عبارة عن الكيفية الحاصلة من تموج الهواء....ولا خفاء أن تلك الحروف ليست قائمة بالمتكلم بل بذلك الهواء المتكيف بها".انتهى.
ولا يمكن القول بأن موسى عليه السلام لحظة التكليم أدرك حقيقة صفة الله الأزلية, فهذا ما لا يستطيع أحد من العالمين ادعاءه, إذ لا مناسبة بين الخالق والمخلوق.
وفي ما سبق غنية عن الكلام في رفع المانع عند بداية السماع ورده عند انتهائه لأنه يوحي بالبداية والنهاية والتبعيض, إذ لحظة رفع المانع توحي بالبداية ولحظة السماع توحي بالتبعيض لأن موسى سمع بعض كلامه تعالى ولحظة رده بالنهاية, وهذا كله ممتنع على الصفة القديمة.
فإن قيل إن البداية والنهاية تتعلقان بالسامع لا بالمسموع,
قلنا فأين نذهب بالتبعيض الذي يظهر جلياً عند تدبر المسألة,
فمنذا الذي يستطيع أن يزعم أن موسى عليه السلام سمع شيئاً آخر غير بعض تلك الصفة,
والبعض ممنوع على القديم.
والله أعلم.