۞۞ وأمّا قوله تعالى : ((أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) الزمر: ٣
استدل الوهابية بهذه الآية على أن وظيفة الأصنام عند عابديها لم تكن إلا لتقرّبهم من الله تعالى , لا أنّهم كانوا يعتقدون فيها شيئاً من النفع والضر والعزة والذلة والنصر والهزيمة وغيره , وقد برهَنْتُ فيما مضى بما لا يدع مجالاً للشك أن المشركين عبدوا أصنامهم معتقدين فيها تلك الخصائص , إذاً فلماذا قَصَروا وظيفةَ الأصنام على تقريبهم من الله تعالى؟
◙ قلت : إن هذا القصر إمّا أن يكون قصراً حقيقياً أو إضافياً ؛
أ)) - فإذا كان هذا القصر حقيقياً فلا بد من التوفيق بين النصوص الكثيرة التي تثبت اعتقاد المشركين النفعَ والضرَّ والتصرّفَ في أصنامهم , وبين هذه الآية التي تنفي اعتقادَهم ذلك وتقصر اعتقادهم في الأصنام على تقريبهم من الله تعالى , فوجب الفحص والتوفيق بين هذه الآيات , أمّا من أخذ بالنصوص التي تثبت اعتقادهم خصائص الربوبية في أصنامهم وترك هذه الآية دون توفيق مع تلك النصوص , أو مَن حمل هذه الآية على أن المشركين لم يعتقدوا ذلك في أصنامهم كالوهابية , فقد مكّن مخلب التناقض في آيات القرآن وترك النصوص تتناقض , وبناءً على كون القصر حقيقياً :
يكون هؤلاء المشركون كاذبون في ادّعائهم أن أصنامهم ليس لها إلا تقريبهم من الله تعالى , وإنما جاء هذا الادّعاء لتبرير موقفهم المحرج عند إلزامهم بأن أصنامهم لا تضر ولا تنفع فلا تصح عبادتها , فقد قال تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) , فكذّبهم الله تعالى في دعواهم تلك .
فقد ثبت بالآيات القاطعات أن المشركين ينسبون النفع والضر لأصنامهم , ويشتمون الله تعالى من أجلِها , ويجعلون لها النصيبَ الأكبر ولله النصيب الأحقر , ويُجلّونَها وينزهونها عمّا يصفون به الله تعالى , فكيف تكون مجرّد معبودات للتقريب من الله تعالى؟! مع أنّها مقدَّمةٌ في قلوبهم معظمةٌ في نفوسهم أكثر منه سبحانه!
فقال البقاعي في تفسيره عن دعواهم تلك (6/416) :
(أرادوا بهذا الاعتذار المُسكت عن قبيح صنيعهم ) .
وقال ابن عاشور في تفسيره (23/323) :
(يجوز أن يكون خبراً ثانياً عن قوله : {والذين اتخذوا من دونه أولياء} وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم : {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله} وعن كونهم كفّارين بسبب ذلك ، وكناية عن كونهم ضالّين).
ب)) - وإذا كان القصر إضافياً , فتكون عبادتهم لأصنامهم لتقريبهم من الله تعالى , مع عدم نفي أغراضٍ أخرى في عبادتهم لتك الأوثان ..
فقد قال ابن عاشور في تفسيره (23/322):
(والاستثناء في قوله : { إلاَّ ليقربونا } استثناء من علل محذوفة ، أي ما نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقرّبونا إلى الله فيفيد قصراً على هذه العلة قصر قلب إضافي ، أي دون ما شنعتم علينا من أننا كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا غيره . وقد قدمنا آنفاً من أنهم أرادوا به المعذرة ويكون في أداة الاستثناء استخدام لأن اللام المقدرة قبل الاستثناء لام العاقبة لا لام العلة إذ لا يكون الكفران بالخالق علة لعاقل ولكنه صائر إليه ، فالقصر لا ينافي أنهم أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستنجدوهم في النوائب ، واستقسموا بأزلامهم للنجاح ، كما هو ثابت في الواقع) .
ولهذا قال ابن كثير في تفسيره (6/ 593) :
(يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله ، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى ) .
فلم يقصر وظيفتها عندهم على التقريب من الله تعالى , بل كانوا يعتقدون فيها أيضاً النصر والرزق وغيرها من صفات الربوبية .
ومعنى تقريب الأصنام للمشركين هي شفاعتها لهم , فقد قال الشوكاني في فتح القدير (4/449) :
( والمراد بقولهم : {إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } الشفاعة ، كما حكاه الواحدي عن المفسرين) ..
وشفاعتهم تلك في اعتقاد المشركين هي شفاعة واجبة على الله تعالى دون إذنه ومشيئته , فقال ابن كثير في تفسيره (7/85) :
( وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه!) .
يتبع .....




رد مع اقتباس