حوار د/ علي جمعة.. نقلت دار الإفتاء من الشخصانية إلي المؤسساتية .. الجزء الثانى
حاوره د/ ناجح إبراهيم
استلم د/ علي جمعة دار الإفتاء المصرية وهي في أسوأ حالاتها وكانت تابعة لوزارة العدل التي لم تهتم بها رغم أنها من أغنى الوزارات.. لأنها تعتبر دار الإفتاء يتيمة ألصقت بها.. وكانت تولي اهتمامها الكبير بقضاتها ومستشاريها سواء في القضاء أو في النيابة العامة حتى أن مبنى دار الإفتاء القديم كان مزريا ً إلي أبعد حد .. وإذا أرادت دار الإفتاء أي طلبات إدارية تافهة مثل اللمبة أو السكر أو الشاي أو الأقلام أو الأوراق استغرق ذلك أسبوعا ً أو أكثر......
أما أجهزة الكمبيوتر فكانت عتيقة جدا ً وتتعطل بين الحين والآخر .. وكان مرتب أمين الفتوى الحاصل على الدكتوراة أو الماجستير في الفقه الإسلامي والمتجر في علومه لا يتجاوز 700 جنيها ً .. حتى كادت كل الكفاءات العلمية أن تطفش منها .
فجاء د/ علي جمعة فاستقل بدار الإفتاء عن وزارة العدل وأصر مع الشيخ طنطاوي على بناء مبنى جديد لها .. ورفع مرتبات كل العاملين بالدار .. وخاصة الفقهاء الكبار منهم .. لأنه يعتبر أن هؤلاء عملة نادرة لا ينبغي التفريط فيهم .. وأقام نقابة خاصة لدار الإفتاء ترعى موظفيها وعلمائها وفقهائها وتهتم بأمورهم .
وحينما كانت دار الإفتاء تابعة لوزارة العدل حرص د/ على جمعة ضيفنا على كل فقيه في الدار حتى لا يذهب الفقهاء وأمناء الفتوى إلي بلاد الخليج أو إلي أي مكان .. فكان ينفق على كل من في الدار ويهتم بعلاجه وأسرته .. حتى أنه كان يخرج كل عام 20 شخصا ً من الدار وخارجها للحج على نفقته .
وقد ذكر لي د/ أشرف فهمي أمين الفتوى بالدار أن كل العاملين والفراشين فضلا ً عن الفقهاء وأمناء الفتوى بالدار حجوا على نفقة د/ علي جمعة .. وكان يقيم يوما ً رياضيا ً للعاملين في دار الإفتاء.
وقد ذكر لي د/ أشرف فهمي أن د/ علي جمعة أنفق على دار الإفتاء منذ عام 2004 إلي عام 2007م .. وأنه سد حاجات كل من يعمل في دار الإفتاء .. فمن كان عليه دين تكفل به .. ومن احتاج إلي عملية جراحية عالية التكلفة تكفل بها .. حيث لم يكن هناك تأمين صحي للفقهاء أو العاملين في الدار .. فلما استقلت الدار جعل هناك تأمينا ً صحيا ً جيدا ً لهم.
أما الأجهزة الالكترونية والحاسبات فقد تم تطويرها .. بحيث تستقبل كل آلاف الفتوى من كل مكان في العالم وترد عليها .. فضلا ً عن إنشاء موقع دار الإفتاء .. وأهم من ذلك كله أنه نقل دار الإفتاء من الشخصانية إلي المؤسساتية.
مرحبا ً بكم فضيلة الشيخ في الجزء الثاني من حوارنا معكم ؟
أهلا ً بكم وسهلا ً ..
والدكم رحمه الله كان محاميا ً.. فكيف أحببتم الفقه بالذات مع أنه علم صعب جدا ً؟
والدي رحمه الله كان محاميا ً وتخصص في الجانب الشرعي من القانون وهو الأحوال الشخصية وبرع في فقه الأحوال الشخصية .. حتى صار حجة يرجع إليه في دقائقها واشتهر بذلك .
وقد أكرمني والدي رحمه الله بأن جعلني حفظت القرآن كل في سن العاشرة وأتممت قراءته على يد المشايخ .. ووجدت مكتبته عامرة بأمهات الكتب فنهلت منها على قدر استطاعتي .. ومازالت بعض هذه الكتب لدي حتى الآن.
كيف بدأتم دراستكم للعلوم الشرعية بعد تخرجكم من كلية تجارة عين شمس؟
عندما التحقت بالأزهر اهتممت بدراسة المتون الفقهية .. وحفظت كل المتون المعروفة في كل العلوم الشرعية .. حتى تخرجت من جامعة الأزهر 1979 م .. ثم حصلت على الماجستير في أصول الفقه في كلية الشريعة والقانون بامتياز 1985 .. ثم حصلت على الدكتوراة بمرتبة الشرف 1988 .. وبذلك جمعت بين العلوم الشرعية والأزهرية والعلوم التجارية والاقتصادية.
سمعنا أن رسالتكم للدكتوراة كانت متميزة جدا ً؟
نعم .. فقد قال أستاذي د/ عبد الحميد ميهوب أستاذ الشريعة بكلية الحقوق والذي ناقش رسالتي :
لقد خلصت في حياتي بثلاث رسائل استوفت المنهج العلمي منها رسالتي ورسالة د/ أسامة كحيل.. والثالثة رسالة الدكتور علي بن سعد الضويحي .
من أهم شيوخك؟
أهم شيوخي العلامة عبد الله الغماري وهو من محدثي العصر .. وقد قرأت عليه صحيح البخاري كله وكتب أخرى كثيرة يصعب حصرها الآن .
ومنهم الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة الذي ملأ الأرض علما ً وتحقيقا ً وتدقيقا ً وخلقا ً كريما ً .. وقد أجازني رحمه الله في علوم وأجزته في كتاب أصول الفقه للشيخ/ زهير .. وهذا يعرف عند علماء الحديث بالتدبيج .. وأنا أفخر بذلك واعتبره أعظم من شهادة الدكتوراة.. وخاصة عندما قال لي الشيخ/ أبو غدة: "قبلنا الإجازة منك" .
ومنهم العلامة محمد أبو النور زهير أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة .. ومن أعلام الأصول في مصر .. وقد أجازني بالتدريس والإفتاء .
والشيخ/ جاد الرب رمضان عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة الأسبق وكان من الفقهاء العظام .. وكانوا يطلقون عليه لقب " الشافعي الصغير " .. وذلك لتبحره في الفقه الشافعي بصورة لم ير تلامذته مثلها في عصره.
هل هناك عالم لازمته طويلاً.. وما أثره عليك ؟
نعم .. لقد لازمت العلامة الشيخ/ أحمد مرسي ملازمة تامة لعامين متتاليين كل يوم وتأثرت به وبأخلاقه وعلمه .. وهذا الرجل هو تجسيد للحب والرحمة والجمال والخلق القويم الذي يمشي على رجلين.
ومن أهم أساتذتك في الاقتصاد خاصة الإسلامي ؟
تعلمت الاقتصاد الإسلامي على يد د/ عيسى عبده .. أما الاقتصاد الغربي فقد تعلمته على يد د/ يحيى عويس ود/ علي لطفي.
كيف بدأت علاقتكم بشيخ الأزهر الراحل د/ جاد الحق على جاد الحق الفقيه المتميز والقاضي الشرعي السابق ؟
شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق كان له فضل كبير في تعليمنا أشياء كثيرة جدا
وكان له فضل كبير جدًّا علينا في تعليمنا أشياء كثيرة جدًّا، من ضمنها أنه كان يبحث عن قرار مجمعي عن تحديد قيمة الدرهم والدينار ليتوصل بها إلى تحديد قيم الزكاة وقيم الدية التي ينبغي دفعها في القتل الخطأ وغيره .
فقالوا له إن هناك شخصًا في كلية الدراسات الإسلامية اسمه علي جمعة، وهذا الرجل قدمًا بحثًا معتبرًا في هذه المسألة.
فقال: أحضروه، فذهبت إليه.
فقلت له: "نعم يا سيدي، أي خدمة".
قال: "أنت فين يا سي علي؟.. أين بحثك عن الدرهم والدينار؟ .
قلت له: موجود يا سيدي سأحضره لك غدًا.
قال: أحضره من أجل كذا.. وأمسك بورقة وكتبني باحثًا في مجمع البحوث، فحضرت مجمع البحوث الإسلامية منذ سنة 1990 تقريبًا.. وكان عمري وقتها 23 عاما ً
أظن أن فضيلتكم كنت أصغر عضو في مجمع البحوث الإسلامية ؟
نعم .. فمنذ أن كان عمري 38 عاما ً وأنا أحضر اجتماعات مجمع البحوث وأعرف كيف يدار .. واشتركت في كل اللجان باعتباري باحثا ً وضمني الشيخ عبد الرزاق ناصر إلي لجنة الفتوى بالأزهر.. وقال : لأن علي جمعة يفهم في الاقتصاد بدرجة كبيرة وله خبرة بهذه المنطقة جيدة جدا ًوقال شيخ الأزهر لا مانع من تعيينه فعينني في لجنة الفتوى وأنا عمري 40 عاما ً .. مع أن من شروط هذه العضوية أن يكون عمره 45 عاما ً .. فأنا قلت لمولانا شيخ الأزهر جاد الحق : يا مولانا أنا صغير وعمري 40 عاما ً وهذا مخالف اللائحة .. فامسك بالورقة ووقع عليها ولم يرد علي َّ .. وقال اللائحة إرشادية وليست واجبة .
هل استفدت من لجنة الفتوى بالأزهر ؟
نعم.. هذه أعطتني خبرة عجيبة في التفاهم مع الناس.. وفي معرفة كيف يعرض الرجل الفتوى من وجهة نظره هو ليس كذابًا.. لكنها وجهة نظره.. لكن ليس من الضروري أن تكون وجهة نظره هي الصواب فكان لا بد عليَّ سماع الطرف الآخر، ولا بد أن أتحلى بالصبر ولا أتهمه بالكذب، ولا أنظر إليه على أنه كذَّاب، هو ليس كذابًا .. لقد تعلمت الكثير جدًّا من مشايخنا هناك.
من أكثر من استفدت منه ؟
أكثر من استفدت منه هو الشيخ مسلم رحمة الله عليه- وكان عضوا ً كبيراً فوق الثمانين، وعضوا ً أيضا ً بمجمع البحوث .. وكان يأتي ويجلس بجواري، فلما يأتي السؤال يحيله إليَّ، ويجلس مسندًا رأسه على ذراعه مستمعًا إليَّ، يستمع إلى السؤال وينظر إلى إجابتي دون تدخل منه، كان يراقبني كيف أصنع.. وبعد أن أنتهي من الإجابة يقول لي صح في كل مرة أجيب عنها لعدة مرات.
بعدها يدعو لي بعد ذلك بقوله: ربنا يفتح عليك يا بني، وهذا الرجل كان يكبرني بسبعة وأربعين عامًا.
ووقتها تعلَّمت من هؤلاء المشايخ الكثير والكثير جدًّا، في الحقيقة كان الأزهر مليئًا بعلمائه، وعلَّمونا أيضًا كيفية فهم السؤال، وكيفية الإجابة، والتعمق في المسائل، هناك حالات كثيرة جدًّا لا يقع بها الطلاق .. وبعض الناس تظن أنه قد وقع الطلاق وانتهى.. والعكس غير ذلك .
فلا بد أن نفتش وأن نسأل مرة واثنين وثلاثة، وهذا ما يغضبني من بعض الإخوة من خريجي الآداب الذين لا يدرسون في الأزهر .. أو شخص يعمل في السيراميك ولم يدرس في الأزهر أو من يبيع الدراجات ولم يدرس بالأزهر ولكنه يفتي الناس.
الأزهر فاتح قلبه لكل الناس، لا يفرق بين رجل ولا امرأة، ولا أبيض ولا أسود، لكن لا بد أن تتعلم؛ لأنه ليس من المعقول أن تكون طبيبًا وأنت لم تتعلم الطب، لأن أبوك كان طبيبًا أو لأنك تحب الطب .. هذا لا يجوز.
ماذا أضفت لدار الإفتاء بعد أن أصبحت على رأس هذه المؤسسة الدينية الهامة ؟
أنا حرصت على أن أحول دار الإفتاء من مجموعة شيوخ تفتي لطالبي الفتوى إلي مؤسسة لها نظام إداري ثابت .. وأن أحولها من الشخصانية إلي المؤسساتية .
فحرصت على وجود نظام في الهيكل الإداري والهيكل المالي المستقل وأن يوجد نظام للفتوى وترتيب لها في كيف يفكر المفتي في كيفية إصدار الفتاوى وترتبها وتنظمها.
كل هذا كان عملية شخصية قبل ذلك.. وهذا لا يعني أن هذا لم يكن موجودًا.. كل هذا كان موجودًا وينطبع بطابع الشخص الموجود.
كل المفتين الذين أتوا من أكابر العلماء ومن أفاضل الناس ومن أتقياء القوم.. إلا أنهم كانوا يعملون بصورة شخصية.
ولذلك يعترض عليَّ بعض الناس بأنني لا أوقع على الفتاوى.
أنا أنشأت لجنة للإفتاء داخل الدار تبحث وتأتي بالنصوص وتعرض الفتوى بالحكم وبالمذاهب المختلفة وبإقامة الأدلة.. وبمناقشة هذه الأدلة وبيان جهة الدلالة وبالترجيح.. ثم في النهاية بالإفتاء الذي يكون واضحًا وجليًّا وصريحًا لا لف فيه ولا دوران.
هذه اللجنة عندما تقوم بعملها لا بد من وجود عين واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة من أجل أن يروها وبعدها يوقعوا .
لماذا لا يوقع فضيلة المفتي على الفتاوى؟
لقد تعلمت هذا الأمر من الشيخ/ المهدي العباسي الذي ظل مفتيًا أكثر من خمسين سنة.. تولى الإفتاء وهو في الحادية والعشرين من عمره وظل خمسين عاما مفتيًا، وتولى شياخة الأزهر مرتين وتركها، ولكنه ما ترك الإفتاء.
وهذا المفتي العظيم أنشأ لجنة فتوى في القرن التاسع عشر.. وقد رجعت إلى الأصل من مائتي سنة.
قد اتجهت بدار الإفتاء إلي المؤسسية سواء أكان من الناحية الإدارية، أم من الناحية التاريخية، أو في غيرها من هذه النواحي.
ولذلك اتفقت مع دار الكتب المصرية أن تؤلف كتابًا عن دار الإفتاء المصرية وعن تاريخ الإفتاء في مصر ثلاثة مجلدات.. وانتهوا من المجلد الأول وصدر.. وهم الآن يعملون في المجلد الثاني.
أما المجلد الثالث سيكون التجربة التي صارت فيها هذه الدار مؤسسة وهذه من الأشياء التي كنت أتمنى أن أراها في بلدنا بالكامل.
ملحوظة: أهداني فضيلة المفتي نسخة من تاريخ دار الإفتاء الذي أخرجته الدار بالتعاون مع دار الكتب المصرية .
كيف انتهيتم من هذا العمل الوثائقي الكبير ؟
لقد أحضرنا كل السجلات الخاصة بدار الإفتاء المصرية منذ نشأتها وقمنا بتجليدها وتصويرها على جهاز الكمبيوتر.. ثم بعد ذلك أدخلناها (وورد) على الكمبيوتر من أجل أن تكون قابلة للبحث، وقمنا بإتاحة ذلك للباحثين فأخرجوا من هذا الـ(وورد) خمس رسائل دكتوراة.
البعض يقول أن دار الإفتاء عادة تكون مع الحكومة .. فما ردكم؟
أحضروا لنا أي فتوى وقفت مع الحكومة.. الفتاوى موجودة ومتاحة لأن لدينا شفافية لأنها مؤسسة وليست عملية شخصية.. وهي ليست مع أو ضد .. والحكومات لا تحتاج إلي فتوانا لتصنع ما تشاء.
وقريبا ً نلتقي مع الجزء الثالث من هذا الحوار العميق مع فضيلة المفتي .. شاكرين له كرم الضيافة وحسن الاستقبال.
الخميس الموافق:
24-3-1433هـ
16/2/2012م


رد مع اقتباس