فصل :
الاستفادة من الصالحين
قسّم حجة الإسلام الإمام قاسم النانوتوي الاستغاثة من حيث فاعلها إلى ثلاثة أقسام :
الأول : مباحة , ويكره استعمالها في جميع الأحوال , وهذه الاستغاثة لمن كان عالماً بالمعنى الصحيح للاستغاثة ولا يخشى عليه اعتقاد شيء باطل في الميّت .
الثاني : الاستغاثة الشركيّة : وهي استغاثة من اعتقد التدبير والرزق والشفاء في الميّت , فنسب بعض خواصّ الواجب للممكن , وهذه منتشرة بين المشركين في تلك البلاد , وبعض جهال المسلمين .
الثالث : استغاثة محرّمة , فقد كان يفتي لعوامّ الهند في مجالس إفتاءه العامّة بتحريم الاستغاثة , سدّاً للذريعة وخوفاً عليهم من الوقوع في المحذور , فعوام المسلمين في الهند بعيدون عن لغة القرآن والسنّة وبالتالي عن فهمهما فهماً سليماً , أضف إلى ذلك انتشار البدع وكثرة الديانات في تلك البلاد , فكثير من مشركيهم يعتقدون في أمواتهم القدرة على الرزق وشفاء المرضى وغير ذلك , والمسلمون شديدوا الالتصاق بالمشركين والهنادك , فإذا فتح باب الاستغاثة لعوام المسلمين كان غالب الظن أنهم سيفهمون معنى باطلاً من ذلك , ويعتقدون في الأموات ما يوقعهم في الشرك .
وعلى ذلك جرى علماء ديوبند .
فقد عنون العلامة المحدّث لطيف الرحمن الديوبندي في كتابه : (تحقيق المقال) :
( الاستعانة بقبر النبي ص- ) .
واستشهد على ذلك بما ذكره الذهبي في السير (5/358) في ترجمة محمد بن المنكدر : عن إسماعيل بن يعقوب التيمي قال: كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه، فكان يصيبه صمات، فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع.
فعوتب في ذلك، فقال: إنه يصيبني خطر، فإذ وجدت ذلك، استعنت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم وضع عنواناً آخر : ( الاستغاثة بالنبي ص- )
أورد فيه ما ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ (3/974) في ترجمة ابن المقري : وروى عن أبى بكر بن أبى على قال كان ابن المقرئ يقول: كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ بالمدينة فضاق بنا الوقت فواصلنا ذلك اليوم فلما كان وقت العشاء حضرت القبر وقلت: يا رسول الله الجوع، فقال لى الطبراني: اجلس فأما أن يكون الرزق أو الموت، فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر الباب علوى ففتحنا له فإذا معه غلامان بقفتين فيهما شئ كثير وقال شكوتمونى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رأيته في النوم فأمرني بحمل شيء إليكم.
وقال حكيم الأمة التهانوي في "إمداد الفتاوى" :
( 1- إذا كانت الاستعانة بالمخلوق والاستمداد به مع اعتقاد من المُستَعِين بعلمه وقدرته استقلالاً , بدون إعطاء من الله تعالى فهو شرك .
2- وإذا كانت مع الاعتقاد بعلمه وقدرته لكن إعطاءً من الله تعالى , فذلك معصية إن لم يثبت ذلك العلم والقدرة لذلك المخلوق بدليل صحيح .
3- فإن ثبت ذلك أي العلم والقدرة الوهبيان عند المُستَعِين- بدليل صحيح فهذا جائز , سواء كان المُستَمَد منه ميّتاً أو حياً .
4- وأما الاستمداد بدون الاعتقاد المذكور فجائز , إذا كان طريقه صحيحاً ومفيداً , مثل الاستمداد بالنار والماء.
5- فإذا لم يكن الطريق صحيحاً فهو لغو .
هذه خمسة أقسام . فالاستمداد بأرواح المشايخ يجوز لصاحب كشف الأرواح , لكن بالقسم الثالث , وأما غير صاحب الكشف فله القسم الرابع , بأن يتصوّر أصحاب الأرواح ويتذكّر , فإنّ تصوّر الصلحاء وتذكّرَهم يشجّع على اتباعهم ) .
وقال قطب العالم الإمام رشيد الكنكوهي في الفتاوى الرشيدية :
( الكاملون يستفيدون ويستفيضون بقبور الأولياء , لكن لا يجوز الإذن بذلك للعوام أبداً ) .
وقال شيخ الإسلام مولانا حسين أحمد المدني في الشهاب الثاقب :
( الوهابية النجدية يعتقدون وينادون على مرأى ومسمع إن القول: "يا رسول الله" استعانة بغير الله وهذا شرك).
وقال الإمام خليل السهارنفوري في المُهَنّد عَلَى المُفَنّد :
(و أما الاستفادة من روحانية المشايخ الأجلة ووصول الفيوض الباطنية من صدورهم أو قبورهم , فيصحّ على الطريقة المعروفة في أهلها وخواصِها لا بما هو شائع في العوام ) .
وقال حكيم الأمة التهانوي في "إمداد الفتاوى" :
( * المقدّمة الأولى : إن مطلق الإدراك للميّت ثابت بأحاديث سؤال النكيرين بإجماع أهل الحق . وأما إدراك المسموعات فهو أيضاً منطوق بعض الأحاديث , مع اختلاف بين أهل الحق فيه , فإن الخلاف في روايات سماع الموتى وتوجيهها معروف . وإدراك غير المسموعات والتوجّه إليها وقصدها مسكوت عنه في النصوص إثباتاً ونفياً .
* المقدّمة الثانية : إذا قام على المسكوت عنه في النصوص دليل صحيح قطعياً كان أو ظنياً- جاز القول بثبوته بمرتبة الدليل .
* المقدّمة الثالثة : كشف الصلحاء دليل صحيح ظنّي .
* المقدمة الرابعة : وقد ثبت علم بعض الموتى بالمستفيض , وقصد الإفاضة منهم , فجاز القول بهذه الإفاضة بمرتبة الظنّ ) .
وقال الشيخ مناظر أحسن الكيلاني كما نقله عنه صاحب كتاب "الديوبندية" :
(إن رأي علماء ديوبند في الاستغاثة بأرواح الصالحين بعد مماتهم لا يختلف عن رأي عامة أهل السنة والجماعة، وذلك لأن الله تعالى يقيض ملائكته لنصر عباده، كما ورد في القرآن، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعانه موسى عليه السلام في تخفيف الصلاة، وبشره الأنبياء الآخرون، فما المانع من أن تستعمل القدرة الإلهية هذه الأرواح الطيبة وتقيضها لإغاثة المؤمن المضطرب، أيّةُ آية تنكر ذلك وأي حديث يرد عليه ) .
فصل :
التوسل والتبرك
ذكر العلّامة لطيف الرحمن الديوبندي في : (تحقيق المقال) تحت عنوانالتوسّل بالميّت وبآثار الصالحين ) :
ما أورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (2/156) عن أبي بكر بن صدقة قال : ذكر لأحمد بن حنبل صفوان بن سليم وقلّة حديثه وأشياء خولف فيها فقال : هذا رجل إنما كان يُستشفى بحديثه , ويستنزل القطر بذكره .
ثم ساق مجموعة من القصص تحت العناوينالتوسّل بالميت) و (الاستسقاء بالميّت ) و (الاستسقاء بالأهوازي) و (الاستسقاء بالإمام البخاري) مستشهداً بها على ذلك .
وقال الإمام خليل السهارنفوري في "المُهَنّد عَلَى المُفَنّد" :
(عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسل في الدعوات بالأنبياء والصالحين من الأولياء والشهداء والصديقين في حياتهم وبعد وفاتهم بأن يقول في دعائه : "اللهم إني أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي و تقضيَ حاجتي" إلى غير ذلك ، كما صرح به شيخُنا و مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوي ثم المهاجر المكيّ ، ثم بيّنه في فتاواه شيخُنا ومولانا رشيد أحمد الكنكوهي رحمة الله عليهما , وهي في هذا الزمان شائعة مستفيضة بأيدي الناس , وهذه المسألة مذكورة على صفحة "93" من المجلد الأول منها , فليراجع إليها من شاء ) .
وقال حكيم الأمة الإمام التهانوي في : (الإدراك والتوصّل إلى حقيقة الإشراك والتوسّل) بعد أن ذكر حديث : "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" :
( دلّ على أمرين , الأول : ... والثاني : ثبوت التوسّل بالمقبولين ذواتهم وأعمالهم الظاهرة وأعمالهم الباطنة , كما تدلّ عليه بضعفائها , ودعوتهم وإخلاصهم .
والتفصيل في المسألة أن التوسّل بالمخلوق له تفاسير ثلاثة :.....
والثالث : دعاء الله تعالى- ببركة هذا المخلوق المقبول , وهذا قد جوّزه الجمهور , ومنعه ابن تيمية وأتباعه , زعماً منهم أنه لم يذكر أحدٌ من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه , كما في رسالته زيارة القبور , والعجب منه أنه بنفسه قد ذكر في رسالته المذكورة قول المجوّزين ودليلهم بما نصّه:
"قالوا : وليس في التوسّل دعاء المخلوقين ولا استغاثة بمخلوق , لكن فيه سؤال بجاهه كما في ابن ماجة :"بحق السائلين عليك" و "بحق ممشاي" , هذا والله تعالى قد جعل على نفسه حقاً " إلى آخر ما قال وأطال , وسرد الآيات والأحاديث , ولم يجب عن هذه الدلائل , لكن مع هذا ثبت على المنع .
وحقيقة هذا المعنى الثالث : اللهم إن العبد الفلاني , أو العمل الفلاني , لنا أو لفلان , مقبول ومرضي عندك , ولنا تلبس وتعلق به , إما مباشرة له في العمل , وإما محبة له في العبد أو عمله , وأنت وعدت الرحمة بمن له هذا التلبس , فنسألك هذه الرحمة...الخ ) .
وقال حكيم الأمة التهانوي في : (نشر الطّيب في ذكر النبي الحبيب) :
( إن التوسل وإن لم يكن قربة مقصودة مثل الصلاة على النبي ص- لكنّه مثلها في الفائدة والتأثير , وهو أنّ كلاً منهما يقرب الدعاء إلى الإجابة ... وقد اختلف فيه البعض بنوع اختلاف , لكنّ الجمهور فيه على الجواز , بشرط أن يراعي المرء الحدود الشرعية , ولذا فإنه مذهبٌ منصور ) .
ثم ذكر الروايات واستدل بها على الموضوع .
وقال العلامة المحدث الشيخ محمد طيّب في : "علماء ديوبند" :
(وكذلك يرى علماء ديوبند التبرك بآثار الصلحاء ومتروكاتهم جائزاً؛ ولكنهم لا يرون من الجائز أن يُسْجدَ لها أو يُعتقدَ فيها التأثير. وإن وُجِدَتْ آثار النبي عليه الصلاة السلام من الشعر أو اللباس أو النعلين أو شيء من ذلك بطريق موثوق به فإنهم يرونها أغلى من تيجان السلاطين ومن الدنيا وما فيها. وأما إذا كانت غير موثوق بها، ينصرفون عنها متفادين من سوء الأدب. وكذلك يورون أن الأمكنة التي عاشها الصلحاء جديرة بالتأدب ؛ ولكنهم لا يرونها جديرة بالتعبد )


التوسّل بالميّت وبآثار الصالحين ) :
رد مع اقتباس