الأخ الفاضل محمد أكرم .. إليك تعليقاتي مسبوقة بنجمتين بعد اقتطاع فقرات مرقمة من كلامك وتعليقاتك على ما كتبته ..

1- قولك: "أما لو قلنا: انتهاء ما لا بداية له. فقد يعقل، كابتداء ما لا نهاية له في المستقبل".
أقول: هو في نفسه ممتنع!
وكذلك ابتداء ما لا نهاية له ممتنع!

** غاية هذا الخلاف في اللفظ، واستعمال اللابداية واللانهاية هنا يقصد به صفتي القدم والبقاء، فالقدم في جانب الماضي والبقاء في جانب المستقبل كالبداية والنهاية .. فكيف يكونا ممتنعين في نفسيهما ؟ فالعقل يجيز موجودا قديما وإن لم يكن باقيا إلا أن يكون واجب الوجود ولهذا لا يستغنى بإثبات صفة القدم لله تعالى عن إثبات صفة البقاء لتباين معنيهما ، وكذلك يجيز العقل ابتداء وإحداث ما لا نهاية له أي ما يبقى خالدا أبدا كنفوس البشر .. وواضح من كلامك أنك تريد بما لا نهاية له: ما لا يتناهى أو ما لا حصر له ولا حد يقف عنده مقداره .. وأنا قصدت بما لا نهاية له: ما يوصف بالبقاء. وبما لا بداية له: ما يوصف بالقدم.


2- "ولكن على فرض التسلسل لأنَّه قد حصل ما لا نهاية له فيجب أن يكون يوم القيامة قد حصل في الماضي، فلو لم يكن يوم القيامة قد حصل في الماضي لما كان قد حصل ما لا نهاية له.
ويوم القيامة لم يحصل بعدُ، إذن: لم يحصل في الماضي ما لا نهاية له.
إذن: فرض حصول ما لا نهاية له يناقض حقيقة أنَّ هناك من الموجودات لم يحصل بعدُ.
إذن: فرض التسلسل مناقض للواقع.
إذن: التسلسل باطل".

** إذا كان مقصدك هنا بحصول ما لا نهاية له : حصول ما لا حصر له .. فما وجه التلازم بينه وبين حصول يوم القيامة في الماضي ؟ وهل كل ما ليس بمنحصر يلزم أن يكون من ضمن أفراده يوم القيامة ؟ كيف وكلام الفيلسوف في غير المنحصر مما مضى لا مما يأتي، ويوم القيامة لما يأت بعد فلا يدخل في كلام الفيلسوف ولا يلزمه الإقرار بأن ما سيأتي قد مضى، ولهذا فسلسلة الحوادث لها طرفان طرف بعيد عنا من جهة الماضي غير محصور عند الفيلسوف وطرف قريب منا محصور بنا حصرا مؤقتا تستمر بعده السلسلة.


3- اعترضت على قولي "ثم إن العقل أمكنه الإقرار بوجود ما لا بداية له (وهو وجود الخالق سبحانه)".
فقلت: هنا فرق عظيم، وهو أنَّ قولنا إنَّ الله تعالى لا بداية له ليس معناه كون الله تعالى قديماً بالزمان، فالزمان لا يجري على الله تعالى أصلاً.
والممتنع هو أن يكون العالم قديماً بالزمان، فلا بدَّ له من بداية.
فنحن لم نقرَّ بوجود ما لا بداية زمانية له.

** تقدم تفسيري للابداية واللانهاية على أن المقصود بهما القدم أي عدم سبق وجود الشيء بالعدم، والبقاء أي عدم لحوق العدم وطريانه على الموجود.. ولم يرد في كلامي أن الله تعالى قديما بالزمان، وإلا فأخبرني أين وقع في كلامي أنه تعالى قديما بالزمان ولو وقع فما معناه الذي تبادر إلى ذهنك ؟


4- "لهذا فالموجود من حيث هو موجود يقبل الاتصاف باللابداية واللانهاية".
باطل! بل مصيبة!!

** لا يخفى على مثلك قوة الخلاف الواقع في أن الوجود وصف مشترك أم لا ، وهذه العبارة سائغة على القول بالاشتراك، ومعنى الوجود بديهي، وعليه فالشيء من حيث هو متصف بالوجود يقبل الاتصاف بالحدوث والقدم والبقاء والفناء ، ويتخصص بقبول البعض دون البعض من حيثية أخرى وهي وجوب الوجود أو جوازه .. يقول الإمام الرازي في معالم أصول الدين [ص29، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ط. دار الكتاب العربي- بيروت]: « (المسألة الأولى): صريح العقل حاكم بأن المعلوم إما موجود وإما معدوم وهذا يدل على أمرين الأول أن تصور ماهية الوجود تصور بديهي لأن ذلك التصديق البديهي موقوف على ذلك التصور وما يتوقف عليه البديهي أولى أن يكون بديهيا ... (المسألة الثانية): مسمى الوجود مشترك فيه بين كل الموجودات؛ لأنا نقسم الموجود إلى الواجب والممكن ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ألا ترى أنه لا يصح أن يقال الإنسان إما أن يكون تركيا أو يكون حجرا ولأن العلم الضروري حاصل بصحة هذا الحصر وأنه لا واسطة بينهما ولولا أن المفهوم من الوجود واحد وإلا لما حكم العقل بكون المتناقضين طرفين فقط» اهـ.


5- قولك: "فينحصر الكلام في الموجود من حيث هو ممكن، هل يمكن تصور قبوله الاتصاف باللابداية واللانهاية أم لا"؟
أقول: لمَّا كان كلُّ ممكن زمانياً فيمتنع أن يكون لا بداية له، وهو إذ هو زمانيٌّ فوجوده مقيَّد بزمانه، فليس وجوده حاصلاً في المستقبل.
...
قولك: "وإما أن يكون اتصافه بالقدم ناشئا من غيره، فيكون طارئا عليه، وطريان الصفة يقتضي وجود الموصوف أولاً".
لا يُسلَّم، فلِمَ لا يكون وصف الممكن -الذي به كان قديماً- قديماً كذلك، وهو يكون معلولاً لقديم؟
أي إنَّه إن كان اتِّصاف الممكن بالقدم من غيره فهذا لا يلزم منه كون الصفة حادثة للممكن، بل لمَ لا تكون قديمة له؟
وهذا قول الفلاسفة، فهم يقولون إنَّ العالم ممكن، وهو قديم بقدم علَّته.
والحاصل أنَّك هنا صادرت فحصرت اتِّصاف الممكن بهذا الوصف على أنَّه اتِّصاف حادث لا قديم.

** لم أصادر وإنما أمهد لإبطال دعوى جواز كون الممكن قديما بقدم علته بما ذكرته بعد ذلك من أن وجوده مسبوق بالتأثير والتأثير حادث، وكل مسبوق بحادث فهو حادث، ولا يعقل من معنى التأثير إلا الإيجاد والإعدام، فإيجاد الممكن حادث وإلا لكان موجودا قبل إيجاده وهو محال، فلا يعقل قدم الممكن لا بذاته ولا بغيره.


6- تقول: أقول: بل يُقرَّر هذا بأنَّ الممكن إذا كان موجوداً فبتأثير غيره، وهنا مقدمة متضمَّنة هي أنَّ الممكن مرجَّح بإرادة الله تعالى وليس علَّة له تعالى، فلو كان الممكن قديماً مع كونه مرجَّحاً للزم تحصيل الحاصل.
ولكنَّ من يقول إنَّ الممكن معلول لذات الله تعالى فيخرج عن جوابك وما ذكرتُ، وجوابه معروف.

** ما دام جوابه معروفا ومقبولا فقد اعتبرته مسلمة مطوية في كلامي، ولم أر داعيا لأعرضه وأناقشه لثبوته عند أهل السنة وأنا إنما أبني على أصولهم وثوابتهم .. وقولك: "ولكن يمكن أن يجاب عن قولك بمنع كونه حادثاً أصلاً على طريقة الفلاسفة" ما هذا الذي تسوغ منع حدوثه؟ أهو التأثير كما سيأتي الكلام عليه ؟ أم الممكن وقد مضى بيان توقفه على التأثير الحادث ؟


7- قولك: "والفرض أن الموصوف ممكن في ذاته خال من صفة القدم قبل طريانها عليه من غيره".
أقول: إن كان بالقبليَّة الزمانية فكلامك صحيح، ولكنَّه غير حاصر، فللفيلسوف أن يجيبك بأنَّ اتِّصاف الممكن بالقدم قديم لقدم علَّته.

** وهذا احتمال قد بينت فساده.

8- قولك: "أعتقد أن مربط الفرس في قضية إبطال التسلسل وإبطال مذهب من قال بالقدم النوعي للمخلوقات وأن وجود الخالق القديم جل وعلا يلازمه التأثير بوجود مخلوق ما منذ القدم .. أقول مربط الفرس في نقض هذا هو إثبات أن التأثير حادث وأنه لا يعقل تأثير قديم خلافا لمن يقول بتأثير أزلي لصفة التكوين".
أقول: لا، ليس هذا هو محلَّ هذه المسألة!
فإنَّ القائل بالقدم النوعيِّ يقول بحدوث تأثير بعد تأثير، ولا يقول بقدم عين التَّأثير.
ويقول إنَّ التَّأثيرات متتابعة وهذه هي طريقة ابن تيمية في القدم النوعي-.
والقائل بصفة التكوين لا يقول بتأثير أزليٍّ لها.

** يلزم على القول بقدم سلسلة التأثيرات أن الخالق جل وعلا يفعل جملة بلا اختيار وإنما اختياره في التفاصيل، أي أنه يعجز عن إعدام كل ما سواه، فما الخلق بالنسبة له إلا كمن يوجه ماء النهر الجاري يمينا وشمالا كما يشاء لكنه يعجز عن إيقاف النهر .. وهذا كفر بواح والعياذ بالله يلزم عنه نسبة النقص والعجز للخالق تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
واقرأ ما سأنقله لك ثم أخبرني هل يفهم منه أن القائل بصفة التكوين يقول بتأثير أزلي أم لا

قال العلامة السعد في شرح المقاصد في علم الكلام (2/ 108- 109، ط. دار المعارف النعمانية):
« التكوين اشتهرالقول به عن الشيخ أبي منصور الماتريدي وأتباعه وهم ينسبونه إلى قدمائهم الذين كانوا قبل الشيخ أبي الحسن الأشعري حتى قالوا أن قول أبي جعفر الطحاوي له الربوبية ولا مربوب والخالقية ولا مخلوق إشارة إلى هذا وفسروه بإخراج المعدوم عن العدم إلى الوجود ثم أطنبوا في إثبات أزليته ومغايرته للقدرة وكونه غير المكون وأن أزليته لا يستلزم أزلية المكونات» .. « والعمدة في إثباته أن الباري تعالى يكون الأشياء أجماعا وهو بدون صفة التكوين محال كالعالم بلا علم ولا بد أن يكون أزلية لامتناع قيام الحوادث بذات الله تعالى ثم اختلف أسماءها بحسب اختلاف الآثار فمن حيث حصول المخلوقات به يسمى تخليقا والأرزاق ترزيقا والصور تصويرا والحياة إحياء والموت إماتة إلى غير ذلك وأجيب بأن ذلك إنما هو في الصفات الحقيقية كالعلم والقدرة ولا نسلم أن التأثير وإلإيجاد كذلك بل هو معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر فلا يكون إلا فيما لا يزال ولا يفتقر إلا إلى صفة القدرة والإرادة وقد يستدل بوجوه أخرى
أحدها: أن الباري تعالى تمدح في كلامه الأزلي بأنه الخالق البارىء المصور فلو لم يثبت التخليق والتصوير في الأزل بل فيما لا يزال لكان تمدحا من الله بما ليس فيه وهو محال ولزم اتصافه بصفة الكمال بعد خلوه عنها وهو عليه محال» ...
« وثانيها: أن الأشاعرة يقولون في قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } أنه قد جرت العادة الإلهية بأنه يكون الأشياء لأوقاتها بكلمة أزلية هي كلمة كن ولا نعني بصفة التكوين إلا هذا» ... « ثم عورضت الوجوه المذكورة بوجهين :
الأول أنه لا يعقل من التكوين إلا الأحداث وإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود كما فسره القائلون بالتكوين الأزلي ولا خفاء في أنه إضافة يعتبرها العقل من نسبة المؤثر إلى المؤثر فلا يكون موجودا عينيا ثابتا في الأزل وثانيهما أنه لو كان أزليا لزم أزلية المكونات ضرورة امتناع التأثير بالفعل بدون الأثر فإن قيل المراد بالتكوين صفة أزلية بها تتكون الأشياء لأوقاتها وتخرج من العدم إلى الوجود فيما لا يزال ..... على أنه لو أريد بالتكوين نفس الإحداث والإخراج من العدم فأزليته لا تستلزم أزلية المخلوق لأنه لما كان دائما مستمرا إلى زمان وجود المخلوق وترتبه عليه لم يكن هذا من انفكاك الأثر عن المؤثر وتخلف المعلول عن العلة في شيء ولم يكن كالضرب بلا مضروب والكسر بلا مكسور وإنما يلزم ذلك في التكوين الذي يكون من الأعراض التي لا بقاء لها» اهـ المراد منه.

9- قولك: "ثم إن التأثير في سلسلة الممكنات إخراج لها من العدم وإلا لم يعقل توقف وجودها على الخالق سبحانه وتعالى .. فالسلسلة بجملتها مسبوقة بالتأثير، والتأثير أخرجها من العدم، فوجودها مسبوق بالعدم، وما كان كذلك كان حادثا جملة وتفصيلا".
أقول: القائل بتسلسل التأثيرات لا يلزمه قولك هذا، فإنَّه يقول إنَّ السلسلة ليست إلا أفرادها، وأفرادها كلَّها حوادث واحداً بعد واحد.
وعليه: فلتكن السلسلة قديمة، فليس هاهنا شيء موجود قديم، فكلُّ أفرادها حوادث.

** هذا كلام غير معقول .. فكيف تكون السلسلة هي عين أفرادها الحادثة وليست شيئا زائدا عن الأفراد، ثم تقول فلتكن السلسلة قديمة، ثم تقول ليس ههنا شيء موجود قديم (وتعني به السلسلة) ؟؟؟ أهي شيء موجود أم لا ؟ بالطبع السلسلة موجودة لأنها ليست إلا أفراد موجودة ، وهل هي قديمة؟ كيف والأفراد حادثة والسلسلة هي عين الأفراد وليست شيئا زائدا على مجموع الأفراد ؟ ... فهذا كلام غير منتظم فأعد صياغته ليتبين لي مرادك.