السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي الكريم أحمد،

سأجيب من غير نقل كلامك كي لا يطول الكلام بالإعادة، فأعانك الله عليَّ!

1- قد فرَّقتُ بين القول بالقدم بمعنى عدم الابتداء والقدم الزَّمانيِّ، فالأوَّل ليس الكلام عليه، والثَّاني هو ما الكلام عليه، إذ الكلام على التَّسلسل، أي على ما هو زمانيٌّ.

ونقل الحكم مما هو على غير الزمانيِّ إلى ما هو زمانيٌّ لا يصحُّ.

ثمَّ الاختلاف هو في اللفظ فقط، فعبارة (لا بداية له) هي نفس مصداق (لا نهاية له).



2- إنَّما كلامي على إلزام الفيلسوف بأنَّه إن أثبت حصول ما لا يتناهى فمعنى كلامه حصول كلِّ شيء!
الأمر بهذه السهولة!

فإنَّ ما لا نهاية له متضمِّنٌ كلَّ شيء!

وإنكاره هذا مكابرة، فإنَّه كالضَّروريِّ.



3- قصدتُ من القول إنَّ قدم الله تعالى غير زمانيٍّ أنَّه إذ كان كذلك فلا يُقاس عليه تجويز قدم ممكن، إذ كلُّ ممكن فهو زمانيٌّ.
نعم، العقل أقرَّ بوجود موجود لا أوَّل له سبحانه وتعالى، ولكنَّ هذا ليس تجويزاً لقدم موجود زمانيٍّ لا من أوَّل.

هذا كان مقصودي.



4- الكلام على الموجود لا الوجود، فالوجود أمر اعتباريٌّ يرجع إلى الموجود، فالفرق هنا في حقيقة الموجود إن كان واجباً أو ممكناً.
فليس عين الوجود الذي هو الأمر الاعتباريُّ- هو سبب صحَّة كون الموجود لا بداية لا أو لا نهاية له.
5- إثبات التَّأثير إنَّما هو بعد إثبات أنَّ المبدأ فاعل مختار، ولم تذكر ذلك، فلذلك عددتُه مصادرة.



6- إذ أنت تبني على أصولهم وثوابتهم فلا تكون هذه المقدِّمة مسلَّمة!

سؤالك: " ما هذا الذي تسوغ منع حدوثه؟ أهو التأثير كما سيأتي الكلام عليه ؟ أم الممكن وقد مضى بيان توقفه على التأثير الحادث"؟

أقول: الممكن، بكونه معلولاً للواجب كما يقولون.




7- أجيب.



8- ابن تيمية يقول إنَّ الله تعالى يخلق باختياره، أي يوجد من العدم بالاختيار، ولكنَّ هذا الإيجاد له سبب هو غرض التَّكمُّل، فليس سبب الأفعال المتسلسلة هو أمر خارجيٌّ قديم.
وابن تيمية لا يقول بقول الفلاسفة بدوام الفيض والإشراق.

واللوازم على كلامه الباطل الساقط هذا ظاهرة واضحة منها ما ذكرتَ من لزوم كونه تعالى عن ذلك مجبوراً، لكن هل يصحُّ أن نلزمه بأنَّ الله تعالى موجِب؟ لا أظنُّ.

أمَّا أنَّ القائل بالتكوين قائل بقدم التَّأثير فأقول:

هل يُتصوَّر وجود تأثير الذي هو المصدر- من غير مؤثَّر؟

لا يقيناً!

إذن: لو قالوا بقدم التَّأثير للزمهم القول بقدم المؤثَّر، وليسوا يقولونه، فليسوا بالضرورة قائلين بقدم التَّأثير.

وإنَّما هم يقولون بصفة التكوين التي تعلُّقها تعلُّق تأثير، وكلُّ متعلَّقاتها حادثة.
ولئن قال أحدهم إنَّ لله تعالى صفة التَّأثير فهي عنده صفة قديمة، وهي مغايرة للتأثير الذي هو المصدر.

وانظر إلى قول الإمام السعد رضي الله عنه: "ولا نسلم أن التأثير وإلإيجاد كذلك بل هو معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر فلا يكون إلا فيما لا يزال ولا يفتقر إلا إلى صفة القدرة والإرادة".

فهو يقول إنَّ قول الماتريديَّة بكون التَّأثير أو الإيجاد صفة قديمة غير لازم، بل هو عين تعلُّق صفة القدرة بالمخلوق.

فالتَّأثير الذي فهمتُ أنَّك تقول إنَّ الذي يقول الماتريديَّة بقدمه هو المصدر.

وما هاهنا هو الصفة.

وقال الإمام السعد: "الأول أنه لا يعقل من التكوين إلا الأحداث وإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود كما فسره القائلون بالتكوين الأزلي ولا خفاء في أنه إضافة يعتبرها العقل من نسبة المؤثر إلى المؤثر فلا يكون موجودا عينيا ثابتا في الأزل".

أقول: إذن: من أثبت التَّأثير إنَّما أثبته صفة لا أثبت التَّأثير بمعنى المصدر.

وقال: "وثانيهما أنه لو كان أزليا لزم أزلية المكونات ضرورة امتناع التأثير بالفعل بدون الأثر فإن قيل المراد بالتكوين صفة أزلية بها تتكون الأشياء لأوقاتها وتخرج من العدم إلى الوجود فيما لا يزال".

قوله: "فيما لا يزال" أي في الحوادث لا في القدم.

وهذه العبارة موضِّحة لما سبق كذلك.

بقيت هذه العبارة: "على أنه لو أريد بالتكوين نفس الإحداث والإخراج من العدم فأزليته لا تستلزم أزلية المخلوق لأنه لما كان دائما مستمرا إلى زمان وجود المخلوق وترتبه عليه لم يكن هذا من انفكاك الأثر عن المؤثر وتخلف المعلول عن العلة في شيء ولم يكن كالضرب بلا مضروب والكسر بلا مكسور وإنما يلزم ذلك في التكوين الذي يكون من الأعراض التي لا بقاء لها"

أقول: هل هذا قول الإمام السَّعد نفسه؟ كأن في العبارة نقصاً من أوَّلها؟؟

ولو كان المقصود هنا أنَّ التَّأثير هو التَّعلُّق، أي تعلُّق صفة التكوين فهذا ليس تعلُّق تأثير بالضَّرورة!

فلو كان تعلُّق تأثير لوجب قدم المؤثَّر.

إذن هو تعلُّقٌ آخر لصفة التكوين.

وليس يلزم إثباتها ولا دليل عليه.

المهمُّ هنا أنَّه لا رابط بين قول الماتريديَّة بقدم التَّأثير الذي يقصدون به الصفة وبين قضيَّة إبطال التَّسلسل.

فالذي جرَّنا إلى الكلام على هذا هو قولك: " أقول مربط الفرس في نقض هذا هو إثبات أن التأثير حادث وأنه لا يعقل تأثير قديم خلافا لمن يقول بتأثير أزلي لصفة التكوين .. فمتى أقر الباحث بحدوث التأثير وتوقف وجود سلسلة الممكنات عليه لزمه لا محالة الإقرار بحدوث السلسلة الفردي والنوعي وأنه لا يتصور سلسلة مخلوقات لا بداية لها".

ولا مدخليَّة لما قالوا بما ذكرتَ هنا، فهم ما قالوا بقدم التَّأثير بمعنى قدم المصدر.



9- أقول: القائل بالتَّسلسل في الآباء مثلاً يقول إنَّ الموجود هو زيد وأبوه عمرو وجدُّه أحمد وأبو جدِّه محمد وجدُّ جدِّه عيسى وأبو جدِّد جدِّه موسى.......

فالموجود في هذه السِّلسلة ليس إلا أفراد من البشر، وليس هناك شيء موجود غيرهم.

فالقول بقدم هذه السِّلسلة هو قولٌ بقدم أمر اعتباريٍّ، فهذه الهيئة الاجتماعيَّة المسمَّاة بأنَّها سلسلة ليست شيئاً موجوداً.

فالقول بقدمها ليس قولاً بقدم موجودٍ.

وقولي: "السلسلة ليس إلا أفرادها" معناه أنَّ الموجود فيها هو هم، وكلٌّ منهم حادث.

وزيادتها على الأفراد ليس بزيادة وجود، بل هي أمر اعتباريٌّ عن ترتُّبهم فقط.

سؤالك: "أهي شيء موجود أم لا"؟

أقول: لا.

قولك: "بالطبع السلسلة موجودة لأنها ليست إلا أفراد موجودة".

أقول: قد قصدتُ اعتباريَّتها ورجوعها إلى الأفراد، فعدم توضيحي ذلك مع وجوبه خطأ منِّي فأعتذر.

فالحاصل أنَّ السِّلسلة عند القائل بها أمر اعتباريٌّ وليس موجوداً مغايراً للأفراد.

فقولك السابق: "ثم إن التأثير في سلسلة الممكنات إخراج لها من العدم وإلا لم يعقل توقف وجودها على الخالق سبحانه وتعالى .. فالسلسلة بجملتها مسبوقة بالتأثير، والتأثير أخرجها من العدم، فوجودها مسبوق بالعدم، وما كان كذلك كان حادثا جملة وتفصيلا".

أقول: قد ظهر أنَّ القائل بالتَّسلسل لا يقول إنَّ السِّلسلة نفسها أمر موجود، فهي في نفسها غير مؤثَّرة.

فلا يلزم قولك.

قولك: (قولي: "فالعقل يجيز موجودا قديما وإن لم يكن باقيا " يعني يجيزه بادي الرأي أو بمجرد الافتراض حتى ينظر في براهين الوحدانية العقلية النظرية والشرعية القطعية فيتبين استحالته).

أقول: ليس الكلام على التجويز بهذا المعنى.

وقاعدة أنَّ ما ثبت قدمه استحال عدمه الذي أعلمه أنَّ الفلاسفة كذلك متفقون معنا عليها.

والسلام عليكم...