بارك الله في كل من ساهم وشارك
أحببت أن أضع بين أيديكم جزءاً من بحث كتبته يتعلق بقواعد المذهب في التكفير، يغيب غن أذهان كثير ممن كتب في هذا الموضوع، فلا يلتفت إلى قواعد أئمتنا الحنفية، وخاصة أني رأيت معاشر الأحباش يتمسكون ببعض نصوص المذهب لتكفير الناس جزافاً.
* ألحقوا بوجوب المصير إلى رواية غير ظاهر الرواية، وإن وجدت رواية في ظاهر الرواية: وجوب العمل بالرواية التي يحترز بها عنها في تكفير المسلم ما دام كلامه يحتمل الكفر وعدمه، فحمل كلامه على الرواية التي يحترز بها عن تكفيره أولى.
قال ابن نجيم رحمه الله- نقلاً عن الفتاوى الصغرى* : ( الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر) .
ثم قال: (والذي تحرر: أنه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة* ، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير بها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها )* .
والذي فهمته من خلال تتبعي لنصوص علماء المذهب أنه يصار إلى رواية عدم التكفير في حالتين:
الأولى: وجود رواية في ظاهر الرواية بالتكفير، ووجود رواية غيرها بعدم التكفير، فإنه يصار إلى عدم التكفير ولو كانت الرواية ضعيفة، كأن تكون في غير ظاهر الرواية، أو أفتى أحد المجتهدين على خلاف مذهبنا بعدم التكفير.
الثانية: عدم وجود رواية في ظاهر الرواية، ووجود عدة روايات في غير ظاهر الرواية، أحدها يحكم بالتكفير وأخرى لا في حادثة معينة، فإنه يصار إلى رواية عدم التكفير. وهذه الحالة هي متعلق هذا المبحث.
ويؤيد هذا الفهم ما يأتي:
- ما نقلته من نص الفتاوى الصغرى "أنه نقل عدم التكفير في مثل هذه الأجناس التي ذكرها عن أبي يوسف في النوادر". واعتمد رواية النوادر في عدم التكفير.
- وقال الإمام البخاري رحمه الله- في الخلاصة: (إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى هذا الوجه)* .
فالإمام البخاري يميل إلى عدم التكفير ولو بوجه، دون أن يحدد إن كان هذا الوجه في ظاهر الرواية أو غيرها، لذلك تجده في "كتاب ألفاظ الكفر" ينقل عن نوادر ابن رستم، ويأتي بالفتاوى التي تتأول كلام المتكلم وتحمله على غير الكفر، ويميل إليه.
- قول الحموي بعد أن ذكر قول صاحب البحر نقلاً عن الفتاوى الصغرى: (أقول: ولو كانت تلك الرواية لغير أهل مذهبنا)* ، ونقله ابن عابدين عن الخير الرملي في حاشيته* .
مع أنه لا يفتى بغير المذهب إلا لضرورة أو ما شابه كما سيأتين ومع ذلك فقد جعلوا المفتى به في هذه المسائل رواية عدم التكفير، سواء كانت داخل المذهب أو خارجه.
- وأيضاً قول الحموي: (والحق أن ما صحَّ عند المجتهدين فهو على حقيقته، وأما ما ثبت عن غيرهم فلا يُفتى به في مسائل التكفير)* . ثم نقل قول ابن الهمام بمعناه في الفتح في مسألة تكفير الخوارج: إن الذي صحَّ عن المجتهدين في الخوارج عدم تكفيرهم، ويقع في كلام كثير تكفيرهم، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من كلام غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء* .
فحاصل كلام ابن الهمام عدم الالتفات إلى غير المجتهدين في مسائل التكفير، وحاصل المذهب: عدم التكفير ولو برواية ضعيفة، أو قول مجتهد خارج المذهب، فيُصار إليها.
وقد عدَّ ابن عابدين رحمه الله- ذلك من علامات الترجيح بين الأقوال المختلفة حيث قال* :
وكلُّ قولٍ جاء ينفي الكفرا
عن مسلمٍٍ ولو ضعيفاً أحرى
............................................
. الفتاوى الصغرى، عمر بن عبد العزيز، تبويب يوسف بن أحمد الخاصي (مخطوط). مخطوطات جامعة الملك سعود، رقم التصنيف (217،4) ف.خ رقم (1883)/ (ق239/ب).حيث قال: (أما في سائر المسائل في مثل هذه الأجناس وجدت رواية عن أبي يوسف في النوادر أنه لا يكفر؛ لأن الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافراً حيثما وجدت رواية في النوادر أنَّه لا يكفر.).
. ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، مصدر سابق، ج5، ص 134.
. قوله: (على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف) يفهم منه أن المنع من التكفير في حالتين:
الأولى: من تكلم بكلام يحتمل الكفر وغيره، وأمكن تأويل كلامه على غير الكفر، ما لم يصرح بخلافه فلا يكفر.الثانية: من اعتقد عقيدة اختلف المجتهدون في أنها كفر أو لا، فيحمل على عدم التكفير. بخلاف من صرَّح بالكفر أو باشر شيئا من إماراته كالسجود لصنم، أو أنكر شيئاً معلوما من الدين بالضرورة، أو خالف معنى مجمع عليه فلا يتوقف في تكفيره. ينظر: تعليقات أبي لبابة على شرح عقود رسم المفتي، مصدر سابق، ص 141، حاشية رقم 1.
. قال ابن عابدين: (والعجب من صاحب البحر حيث تساهل غاية التساهل في الإفتاء بقتله مع قوله: وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء من ألفاظ التكفير المذكورة في كتب الفتاوى). ويقصد قتل ساب الشيخين، مع مخالفته لمعتمد المذهب. ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، مصدر سابق، ج6، ص 378.
. ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، مصدر سابق، ج5، ص 135.
. البخاري، خلاصة الفتاوى، مصدر سابق، ج4، ص 382. ونقله أيضاً الحموي في شرح الأشباه عن العمادية وزاد في عبارة العمادي تعليلاً للمسألة بقوله: (تحسيناً للظن بالمسلم). ينظر: الحموي، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ج2، ص (189- 190).
. الحموي، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ج2، ص 190.
. ابن عابدين، رد المحتار، مصدر سابق، ج6، ص 367.
. الحموي، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ج2، ص 190.
. ينظر: ابن الهمام، فتح القدير، مصدر سابق، ج6، ص100. الحموي، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، مصدر سابق، ج2، ص 190
. ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي بتعليقات أبي لبابة، مصدر سابق، ص (135، 141).
وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!