إذا جفاك خليل...
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد قرأت في صغري قول الإمام البستي في قصيدته (عنوان الحكم):
إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاطلب سواه فكل الناس أخدان
فعظم عندي أن تكون الحكمة داعية لعدم الوفاء، فليس الوفي من وفى عند المودة، بل من وفى عند الجفاء، ووصل عند الهجر، فرأيت في ذلك البيت دعوة للخيانة، بل هو لقلبي إهانة أن أجعله نزلا ينزل فيه من شاء متى شاء، ثم ما إن يفارق، حتى أقوم على إصلاحه للنزيل الآخر، بل الأعظم من ذلك أن أبحث عن النزيل وأطلبه..!
و كان يعجبني قول والدي حفظه الله:
إن رمت قلبي معرضا عن خله *** بعـد المحـبة والوفاء الأمـثـل
فاضرب بكفك هامتي إني امرؤ *** للموت أصلح لا لعيش الفضل
كنت أفكر بذلك قبل أن أعرف حقيقة الحياة والناس، ثم علمتني الحياة أن الوفاء في الناس عزيز، و أن أصدق ما قيل فيه:
سألت الناس عن خل وفي *** فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بود حر *** فإن الحر في الدنيا قليل
وهيهات أن نجد الحر، فأكثر الناس عبيد لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم، عبيد لجاه الدنيا، يبتغون المنزلة عند الناس، يتقربون إليك ويراودونك عن قلبك، فإن أمنتهم وأنزلتهم فيه منزلا، وأوسعت لهم وأكرمتهم فيه، شعروا بأنهم قد نالوا منك حاجتهم، وذهبوا ليبحثوا عن قلب آخر متمنع عليهم ليغروه و ينالوا منه ما نالوا منك، فإن أمنهم واستقبلهم نسوا منزلهم الأول، وتنكروا له وهجروه، و ربما زاد بغيهم فعادوه، ونافسوه بكل رخيص وغال، واستهانوا به فنشروا ما ستر من عيوبه.
كانوا يوما يسرهم محبة الناس لك، ثم باتوا يسوؤهم ذلك، كانوا يفرحون لنصرك الحق ويعينونك عليه، واليوم يساؤون ويودون لو تقع في الباطل فيشمتون منك، كانوا يرون القليل منك كثيرا، فصاروا يرون الكثير منك لا قيمة له.
فبدأت أحذر منهم، ووقفت على قلبي فرأيت فيه مساكن عامرة، ومساكن هجرت، ومساكن تزار بين الحين والحين، فلم أسترد مسكنا وهبته لأحد، فالعائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، إلا أنني هيأت نفسي لتوديع كل نازل، وهيأت صندوقا أجمع فيه مفاتيح المنازل، أحفظها هناك وديعة لأصحابها، علَّهم يعودون يوما، فيجدون مستودعا أمينا.
وأبدلت بيت البستي رحمه الله فقلت:
إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاحذر سواه فكل الناس خوان
ثم مرت بي الأيام وعرفت الناس أكثر فما رأيت فيهم ثباتا على شيء، فكيف أرجو منهم الثبات على ود أو إخاء نابع من قلب متقلب؟!
عرفت النفس الإنسانية وضعفها، وغرقها في عالم الأوهام، تحب فتظن دوام الحال، وتغفل عن أن ذلك من المحال، وتلتقي فتغفل عن الفراق، فتتعلق بالأشخاص والمشاعر، غافلة عن أن كل ذلك زائل.
فرأيت ألا راحة للإنسان إلا بتنزهه عن التعلقات الزائلة وعدم ركونه إليها، وأيقظني من غفلتي قول الله تعالى: على لسان خليله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والتسليم (لا أحب الآفلين)، فاستوحشت من الناس و نأيت بقلبي عن التعلق بهم، وعاودت النظر في البيت فقلت:
إذا تركت خليلا كنت تألفه *** فاترك سواه فكل الناس أوهام
أي إن قدرت على أن تنزه قلبك عن التعلق بخليل ألفته، فأنت على تنزيهها عمن سواه أقدر، فاتركه ولا تتردد.
ثم تقلب بي الزمن، وألزمت بالعيش مع أناس كثيرين، كان غالب ما يجمعنا العمل والعلم، تنقلت في البلاد، فما كنت أحط ببلد إلا وييسر لي الله تعالى فيها ناصرا ومعينا من حيث لا أحتسب، فعندها رجعت إلى بيت الشعر و تأملته، فرجعت إلى قول الإمام البستي:
إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاطلب سواه فكل الناس أخدان
لكن لم تعجبني المبالغة بتسميته خليلا، فلا أحد من الناس يستحق الخلة، ولو قال صاحبا لكان أفضل، إلا أنه ينكسر الوزن، فالأفضل أن يقول:
إذا جفاك صحاب كنت تألفهم *** فاطلب سواهم فكل الناس أخدان
وتغير عندي مفهوم الصحبة، فما عاد الصاحب أكثر من معين على السير في الطريق، أين ما وجدت الموافق لك في الطريق فهو الصاحب، فاستعن به في السير، ولا تكثر مخالطته، بل لتكن صحبتك له على المناصحة والمعاونة، فإذا انتفيا ففر إلى البعد عنه، والنأي بنفسك قبل أن ينال الشيطان نصيبه من اجتماعك معه.
و الآن ما عدت أرى البعد هجرا أو خيانة؛ لأني عرفت الدنيا و رأيتها تغير الناس وتشغلهم، فيهجرون ويتركون، وما كل هاجر غادر، ولا كل تارك ناس، ولا يعذر الناس إلا من عرف نفسه وعرف الحياة، ومن عذر الناس عذروه، ومن لامهم سئموه..
ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!