["] أل البيت بين العموم والخصوص
]بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما أفاض من الجود، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خلاصة الوجود، الذي حباه مولاه بشرف عترته، وجمع أشتات الفضائل في فروعه وأرومته، ومنحه من الفضائل في ذويه وذريته ما أربى على النجوم الدراري، وجعل بركتهم سارية في الأعقاب والذراري، وعلى أهل بيته الطاهرين وصحابته المكرمين وبعد.
فلا خفاء على من مارس شيئاً من العلم أو خُصَّ بأدنى لمحة من الفهم بتعظيم الله سبحانه وتعالى قدر آل البيت، وخصوصه إياهم بفضائل ومحاسن لا تنضبط لزمام، وتنويهه من عظيم قدرهم بما تكل عنه الألسن والأقلام.
فمنها ما صرح به تعالى في كتابه، ونبه به في جليل خطابه حيث قال عز من قائل :]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[.سورة الأحزاب (33).
فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى، ثم طهر وزكى، ثم مدح بذلك وأثنى، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل بدءاً وعوداً، والحمد لله أولى وأخرى، وأوجب المودة لهم كما جاء في سورة الشورى:] أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ... [.
فإن الله سبحانه أوجب على المؤمنين معرفة حقوق آل البيت مما ثبت لهم قرآناً وسنة تصريحاً وتنويهاً، وقد اعتنى بذلك الأمر أئمة المسلمين من أهل السير والفقهاء والمحدثين، حيث أفردوا لذلك الأبواب والأجزاء بل المصنفات الخاصة التي استوعبت ما جاء في حقهم من الأثر، وما وفت ما يستحقونه من القدر، وقد أشار الحافظ السخاوي إلى كثرة المصنفات في مناقب أهل البيت في مقدمة كتابه" استجلاب ارتقاء الغُرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف" بقوله:"... إذ قد جمع الأئمة في كل من علي والعباس والسبطين تصانيف منتشرة في الناس. وكذا قد أُفِردت مناقب الزهراء وغيرها، ممن قد علا شرفاً وفخراً".
وهذه المصنفات متنوعة متعددة في جميع ما يتعلق بهم فمنها:
1- ما أُلف في ذكر مناقبهم، ونشر فضائلهم والتنبيه على عظيم حقهم.
2- ما تناول أخبارهم وتراجم سيرهم فحسب.
3- ما عالج ما حصل عليهم من المحن والقتل والتشريد.
4- ما لا يتطرق إلا لأنسابهم وذكر أصولهم وفروعهم.
ولا يخفى على ذوي الفن والأثر أن الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من الكتب زاخرة بذكر فضلهم، فهذا الإمام البخاري في كتابه الصحيح عقد باباً في كتاب الفضائل سماه"باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم" وباباً في مناقب علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة والحسن والحسين.
وكذلك الإمام مسلم في صحيحه فعنون باب " فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم" وكذلك في فضائل علي وفاطمة والحسن والحسين والسيدة عائشة وأم سلمة وزينب أمهات المؤمنين وعبد الله عباس وغيرهم من قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعل من أشهر الكتب التي تناولت فضائلهم:
1- "الخصائص الكبرى" للإمام النسائي.
2- "إحياء الميت في فضائل أهل البيت" للحافظ السيوطي.
3- "إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين" لمحمد بن علي الصبان.
4"نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار " للشبلنجي.
4- "الإسعاف بالجواب عن مسألة الأشراف" و"استجلاب ارتقاء الغرب بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذوي الشرف" وكلاهما للحافظ شمس الدين السخاوي.
5- "ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة" للحافظ الدراقطني.
6- "جواهر العقدين في فضل الشرفين شرف العلم الجلي والنسب النبوي" للشريف السمهودي.
7- "دُّر السحابة في مناقب القرابة والصحابة" للشوكاني.
8- "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" للمحب الطبري.
9- "الذرية الطاهرة النبوية" للحافظ أبي بشر محمد أحمد الدولابي.
10- "الشرف المؤبد لآل محمد" للشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني.
11- "معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على مَنْ عادهم" للإمام أحمد بن علي المقريزي.
12- "ينابيع المودة في مناقب أهل البيت" لسليمان بن خواجة كلان القندوري الحنفي.
ولعلنا في هذه الرسالة المتواضعة نقف على شاطئ بحر هؤلاء العلماء ونطوف في حدائق بساتينهم لنرشف رشفة من إكسير المودة أو نعطر أجواءنا من شذى عطر القربى، ونقف على مسألة هامة قد تغيب عن الأذهان أو يختلط الأمر فيها على ذوي الفصاحة واللسان، وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وجعل التفاوت بينهم سنته، ففضل بعض النبيين على بعض فقال:]تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ[ سورة البقرة (253). وجعل أفضلهم آخرهم في البعثة وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخُص صلى الله عليه وآله وسلم بخصائص لم تكن لنبي من قبله وهذا التفضيل والاصطفاء شرعي من الله عز وجل أخبرنا به عن طريق الوحي وذاك ما أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: pإن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم ، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار، ثم اصطفى من نزار مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشاً، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب i. وأخرج أحمد بسند جيد عن العباس بن عبد المطلب قال: pبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يقول الناس فصعد المنبر فقال:"من أنا؟" قالوا: أنت رسول الله. فقال:"أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني من خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني من خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وأنا خيركم نفساً i.
فآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرابته ممن آمن برسالته وكان من أهل التوحيد فهو تبعا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في استحقاق الخيرية والتفضيل لعموم لفظ الحديث الذي أخرجه الإمام احمد والترمذي والنسائي والحاكم عن المطلب بن ربيعة قال :"دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " لذلك فإن المولى سبحانه وتعالى أمرنا بحبهم ومودتهم لأجل القرابة و لكن الناظر في النصوص والآثار الواردة في حق آل البيت يجد أن الآل بينهم عموم وخصوص ويجد أيضاً فرقاً بين من كان منتسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً ومنشأً وبين من كان منتسباً له عليه الصلاة والسلام بعلة وسبب والداعي إلى هذه التفريق ما اقتضته الأدلة والنصوص من الفهم لمعنى الدخول في مسمى آل البيت لأن لفظة الآل جاءت في أكثر من موضع تفيد معنى يتناسب والسياق الذي وردت فيه فتارة يقصد بالآل الشخص وأهل بيته، وتُطلق ويُراد بها من حرمت عليه الصدقة وتُطلق ويراد بها الزوجات وتُطلق ويراد بها العصبة بل أكثر من ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألحق بعض الصحابة بأهل بيته وبنفسه فقال: pسلمان منا أهل البيت i.وقال لواثلة بن الأسقع في الحديث الذي رواه البيهقي في السنن الكبرى: pوأنت من أهلي .i
وقال للأنصار: p أنتم مني وأنا منكم .iبل قال عليه الصلاة والسلام: p آل محمد كل تقي .i بل قيل أن آل محمد كل قريش.
فيستفاد من هذا أن آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمنتسبون إليه عليه الصلاة والسلام متفاوتون بالشرف والفضل والحقوق بتفاوت القرابة منه عليه الصلاة والسلام فمنهم من ينتسب إليه عصبة وأصالة ومنهم من ينتسب إليه بعلة وسبب على اختلاف ماهيتها ومنهم من كانت نسبته إليه تشريفاً وجبراً للقلوب كمثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسلمان وواثلة.و كذلك نسبة كل تقي وولي إليه عليه الصلاة والسلام لذلك فإن الآل بينهم عموم وخصوص حسب ما اقتضته الأدلة كما سيأتي في هذه الرسالة. فالخصوص شاركوا العموم في الفضل والشرف والحقوق، وانفرد الخصوص من آله عليه الصلاة والسلام بأشياء كثيرة فضلهم المولى سبحانه وحباهم بها من فضله والله ذو الفضل العظيم.وهذا ما أكده السخاوي عندما تكلم عن المنسوبين لعبد الله بن جعفر وكانوا من ولده من زينب سبطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهم بلا شك أشرف من غيرهم مع كون شرفهم لا يوازي شرف المنسوبين إلى السبطين الحسن والحسين لأفضليتهما عليها وامتيازهما بكثير من الخصوصيات وكذلك أولاد علي رضي الله عنه من غير الزهراء فلهم شرف لكونهم من بني هاشم.
فعموم آل البيت كل من حرُمت عليه الصدقة كآل جعفر وآل عقيل وآل علي وآل العباس فقد أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بماء يُدعى خُمَا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال:" وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله - ثلاث- في أهل بيتي" فقيل لزيد من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال:" نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده، قيل ومن هم؟ قال:" هم آل علي، وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس- رضي الله عنهم-" قيل كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال:"نعم".
فنجد أن زيداً قال آل علي لأن السؤال كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن هم آل علي ؟ فاطمة والحسن والحسين الذين هم آل محمد عليه الصلاة والسلام حيث قال عليه الصلاة والسلام في الحـديث المـتفق عليه للحسن بن علي رضي الله عنهما عندمـا أخذ تمر الصـدقة ليجعـلها في فيـه: p كخ كخ i ليطرحها ثم قال: pألا شعرت أنا لا نأكل الصدقة i وفي لفظ لأحمد: p إن الصدقة لا تحل لآل محمد i وفي رواية: pإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد i.
وزوجاته عليه الصلاة والسلام تبعاً له عليه الصلاة والسلام تحْرم عليهن الصدقة حال حياته صلى الله عليه وآله وسلم لأنهن أهل بيت سكناه بل إنها تحْرم على الموالي الذين يعيشون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعن ابن عباس رضي الله عنهما- وسياقه في صدقة الفرض- أنه قال: pاستعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرقم بن الأرقم الزهري على السقاية، واستتبع أبا رافع فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، وأن مولى القوم من أنفسهم i أخرجه أحمد.



رد مع اقتباس
الصلاة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا i.

