عزيزي ماهر..
سأبدأ معك من النقطة التي انتهيت بها لضرورة التبيان:
أولاً: إنه لمن الغريب أن يعارض ماقد قرره البيجوري نفسه من تقسيم له ومجرد أن البيجوري ذكر هذه العبارة (إذ أن توحيد الربوبية وتوحيد العبودية) هو تقرير منه لهذا التقسيم وهذا الاصطلاح فمن حاول أن ينسب هذا الاصطلاح لابن تيمية وأنه هو أول من قال به فهو مخطأ إذ أن البيجوري قد قرره ههنا إن رضينا بهذا أم لم نرضى!!
سؤال: المشكلة أخي ماهر أن نأتي لنص بتصور مسبق ثم نحلله وللإنصاف ولطلب الحق أسألك بعدما تجرد نفسك من كل تصورات مسبقة.
أتاك نص من البيجوري الآن وأنت خال الذهن عن أي أفكار عنه فقال (إذ أن توحيد الربوبية وتوحيد العبودية...) قل لي بربك ماذا تفهم ألا تفهم أن هناك ضربين ضرب سماه "توحيد الربوبية" وآخر سماه "توحيد العبودية"؟!!
ثانياً: قلت (هم ينكرون التقسيم لفساد مايبنى عليه)
هذا للأسف يا أخي ماهر ليس بإنصاف للتعامل مع المصطلحات وهذا هو عين كلام السلفية الذين رفضوا مصطلح الصوفية بنفس الدعوى وهو فساد مايبنى عليه بزعمهم أن أكثر الصوفية الآن شاذون عن المنهج الحق..إلخ فهل نكيل يا أخي ماهر بمكيالين أم أننا يجب أن نتعامل مع جميع النصوص معاملة واحدة وهذا دأب أهل السنة فتذكر وتأمل..
ولهذا لا أزال مصراً على أن من يسيء استخدام شيء ليس الحل ببتر ذلك الشيء لأن ذلك الشيء موجود رضينا أم لم نرضى فالتصوف من أرقى العلوم الإنسانية فمن أساء استخدامه لايعني أن ننسفه ونلتمس الأعذار لهذا..
ثالثاً: أما قولك :
(أنهم لايرون لهذا التقسيم داعياً في علم التوحيد اذ لايبنى عليه أي مسألة عقيدية)
لو لم يكن لهذا التقسيم داعياً في التوحيد لما قرره البيجوري كما قدمت لك ولما ذكره بالحرف الواحد بقوله (إذ أن توحيد الربوبية وتوحيد العبودية...) ومن قال بأنه لايبنى عليه أي مسألة عقيدية فعقيدة التوحيد كلها تدور حول هذا التقسيم ويكفي أن النصارى عبدوا المسيح مع الله واليهود عبدوا عزير مع الله ألا يكفينا باليهود والنصارى مداراً ندور حلول هذه المصطلحات في التوحيد!!
رابعاً:
قولك: (فان كان المراد من التقسيم بيان الفارق اللغوي والمعنوي بين المفهومين فليس محل ذلك علم التوحيد)
من قال هذا يا أخي العزيز وأذكرك فقط باسم هذا العلم الذين نتحدث عنه علم التوحيد المشهور باسم (علم الكلام) أتدري مامعنى هذا المسمى يا أخي ماهر.. علم الكلام.. وماهو الكلام .. فإذا كان علم الكلام لايمت بصلة للفوارق اللغوية والمعنوية بين المفاهيم فأي علم يمت له بصلة؟!!
مثال: إن قضية نسبة الجهة لله عز وجل من قضايا بارزة في هذا العلم أليس كذلك؟! فانظر أنت لمن يطرح كلام في هذا العلم ولايريدنا أن ندقق ونفرق له بين معاني ومرامي اللغة التي يستعملها أفياترى هل سنصل معه لنتيجة..
قال المتمسلفة "الله في جهة ليست كالجهات" اللغة تعرف الجهة بأنه ماتتوجه إليه، واللغة توضح معنى ومفهوم ومدلول الجهة بأنها متعلق بمتحيز ومكان ولهذا قال الغزالي إن كنتم تتحدثون عن جهة لانعرفها فكيف ننكر مالانعرفه.. ورب فروق بسيطة جداً بين مفردات اللغة في هذا العلم تقلب القضية من أعلى إلى أسفل...
خامساً: قولك: ( لأنه كما قلت ليس من داع له طالما لايفيدنا في اثبات مسألة عقيدية أو نفيها ...)
بل هناك داعي وداع كبير فكيف تثبت للنصارى أن عبوديتهم للمسيح مع الله هي عبودية خطأ.. ألايجب أن تفهمهم أنه لايجوز أن تفرد العبادة إلا للرب يعني مااصطلح عليه "توحيد الألوهية"!!!
سادساً: قولك:
(ومن هنا عندما قالوا أن هذا التقسيم مبتدع فبالنظر لما بني عليه لا بالنظر لذات الاصطلاح لأن مايبنى عليه في علم التوحيد لم يقل به قائل من السلف فهذا مورد الانكار والتبديع في المسألة وليس كونهم ينفون الفارق اللغوي بين المعنيين ..)
اصطلاح "الصفات السلبية" مصطلح مبتدع أيضاً.. وليكن مبتدعاً أي ليس على مثال سبق لكنه ليس بالبدعة الشرعية المذمومة التي إن أطلق لفظ "بدعة" بدون تقييد أرجعت للحرام في التصرف والسلوك بل علم الحديث مصطلح مبتدع وعلم الكلام مصطلح مبتدع.. لكن مبتدعات حسنة كما هو مذهبنا..
ولو وافقتك أنه مبتدع حرام بسبب مايبنى عليه فهذا عين كلام السلفية الذين يقولون إن "علم التصوف" مبتدع حرام بسبب مايبنى عليه... لكن هل الحل أن نوافق السلفية في توجه مثل هذا التوجه لأن هذا التوجه وافق مانريد أن نرمي إليه في مسألة من المسائل، ثم إن رجعنا لمسائل أخرى نرفض هذا التوجه لأنها توافقنا؟!! هذا تناقض في المواقف ليس دأب أهل السنة بل دأب من تضاربت مواقفه ..
النتيجة من هذا كله:
أنه إن رضي من رضي أو لم يرض من لم يرض المصطلحين موجودين في كتاب الله (قل أعوذ برب الناس) ملك الناس (إله الناس).. وفي السنة وفي كتب الكلام من كبار علماء الأشاعرة..
فإن كان لهذا المصطلح أصل في الكتاب والسنة وقد استعمله علماء كبار من علماء أهل السنة مثل البيجوري وغيره مثل ملا قاري والقضاعي وغيرهم فنقول أن المصطلح قائم صحيح لاينكره إلا معاند صاحب ردة فعل ليست في محلها والإساءة في استخدام شيء قائم موجود صحيح لايوجب نفي ذات الشيء بل يجب حسن استخدامه والطعن في من أساء في استخدامه وهذا لعمر الحق عين الإنصاف والوسطية.
سابعاً:
سأسلم لك عكسك للقضية بالصيغة التي ذكرتها وهو أنه (لايلزم من توحيد الربوبية توحيد العبودية) وهذا لاينقاض كلام البيجوري والسبب:
مامعنى (متلازمان عرفاَ وشرطاً)
هل تقطع بأن هذا التلازم تلازم قابل للإنفكاك أم تلازم غير قابل للإنفكاك؟!! بعبارة أخرى هل تلازم على سبيل الديمومة أم تلازم وفق الحال.
مثال عن تلازم قابل للانفكاك: يلزم من عرف أن الله هو الرب أن يعبده لايشرك به.
ههذا تلازم قابل للإنفكاك ومثاله أن النصارى عرفوا الله فمنهم من عبده حق العبادة كقدمائهم ومنهم من أشرك في عبادته. وكلاهما قد عرفوا أن الله هو الرب.
مثال عن تلازم غير قابل للإنفكاك: يلزم من عبد الله لايشرك به أن الله هو الرب.
هكذا تلازم غير قابل للانفكاك مثل المسلم الذي فرد الله بالعبادة لزم أن الله هو ربه.
وتعليله أنه يلزم لزوماً لاانفكاك فيه من عبد الله وحده لاشريك له أنه الله هو ربه، لأن الربوبية أعم من العبودية، فالعبودية خاص ولهذا كل مايلزم للعام بالضرورة الحتمية لازم للخاص وليس كل مايلزم الخاص بالضرورة لازم للعام.
ولو أحببت الرجوع للمنطق لوجدت هذا الطرح هو عين القضية الموجبة الكلية فكل ماينطبق على الخاص (الألوهية) ينطبق على العام (الربوبية) لأن الخاص جزء من العام وليس كل ماينطبق على العام (الربوبية) بالضرورة ينطبق على الخاص (الألوهية) لأن ليس كل العام جزء من الخاص.
أخيراً:
من ذهب مذهب أن مشركي قريش كانوا لايعرفون الله البتة هو صارف للنصوص عن ظاهرها والصرف عن الظاهر لايستساغ إلا بوجود مانع، والمانع المقدم ممن يبرر صرف الظاهر ههنا إن دققنا في سبب تقديمهم له لوجدناه ردة فعل لأننا لو سألناه ماهي موانعك لعرفنا أنه يرجع لإشكالات السلفية التي لم نوافقهم بالأصل على سوء استخدامهم لهذا التقسيم. .. !
(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
لاحظ أخي الكريم أن المشركين أقروا أنهم يعبدون الأصنام (مانعبدهم)...
فتهافت إشكال السلفية بقياسهم هذا على الذي يتوسل برسول الله تهافت واضح ففي تلك الآية أقر الذي يتقرب إلى الله بالأصنام بأنه يعبد الصنم مع الله بدليل قولهم (مانعبدهم إلا..) أما المتوسل فلا يقول (مانعبد رسول الله إلا ليقربنا إلى الله..)!!!
ومجرد ذكر أحد الأخوة قوله (أليس هذا عين كلام السلفية) كأن السلفية كفار ولذلك إن أشبه كلامنا كلامهم فيجب رفضه؟!! لا أخي العزيز كما قدمت لك لو وافقنا نحن مع الشيعة أو السلفية أو غيرهم نفس المسألة بصحة الدليل فلا شيء عليه على الإطلاق بل هذا هو الإنصاف والسير مع الحق أينما سار.
العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء