صفحة 13 من 33 الأولىالأولى ... 39101112131415161723 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 181 إلى 195 من 590

الموضوع: كشف الأنوار عن أسرار القراءات

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الرابعة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    قرأ الجمهور " مرَحاً " بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم.

    قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب " مرِحاً " بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله { لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في " المرِح " بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، ....

    وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق " سيئه " على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ " سيئه " بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين...

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { كُلُّ ذظ°لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } «ذلك» إشارة إلى جملة ما تقدّم ذكره مما أمر به ونَهَى عنه. و«ذلك» يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وظ±بن عامر وحمزة والكسائي ومسروق «سيئُهُ» على إضافة سَيِّء إلى الضمير، ولذلك قال: «مَكْرُوهاً» نصب على خبر كان. والسيِّىء: هو المكروه، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي من قوله: «وقَضَى ربُّك ـ إلى قوله ـ كان سيّئُه» مأمورات بها ومنهيات عنها، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيّئة فيدخل المأمور به في المنهيّ عنه. واختار هذه القراءة أبو عبيد. ولأن في قراءة أُبَيّ «كلُّ ذلِك كان سيئاته» فهذه لا تكون إلا للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «سيئةً» بالتنوين؛ أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: «وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» ثم قال: «وَلاَ تَقْفُ ما ليسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، «وَلاَ تَمْشِ»، ثم قال: { كُلُّ ذظ°َلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ } بالتنوين. وقيل: إن قوله: «ولا تقتلوا أولادَكم» إلى هذه الآية كان سيئةً لا حسنة فيه، فجعلوا «كلا» محيطاً بالمنهيّ عنه دون غيره. وقوله: «مكروهاً» ليس نعتاً لسيئة، بل هو بدل منه؛ والتقدير: كان سيئة وكان مكروهاً. وقد قيل: إن «مكروهاً» خبر ثان لكان حمل على لفظة كلّ، و«سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبلُ. وقال بعضهم: هو نعت لسيئة؛ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. وضعّف أبو علي الفارسيّ هذا وقال: إن المؤنث إذا ذُكّر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده مذكراً، وإنما التساهل أن يتقدّم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكّر؛ ألا ترى قولَ الشاعر:
    فلا مزنة ودَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبقل إبقالها
    مستقبح عندهم. ولو قال قائل: أبقل أرض لم يكن قبيحاً. قال أبو عليّ: ولكن يجوز في قوله «مكروهاً» أن يكون بدلاً من «سيئة». ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في «عند ربك» ويكون «عند ربك» في موضع الصفة لسيئة.

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ { كُلُّ ذلكَ كانَ سيِّئُهُ } علـى إضافة السيىء إلـى الهاء، بـمعنى كلّ ذلك الذي عددنا من{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ } .. كانَ سَيِّئُهُ لأن فـي ذلك أموراً منهياً عنها، وأموراً مأموراً بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الـموضع دون قوله{ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ } إنـما هو عطف علـى ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقرأته بإضافة السيىء إلـى الهاء أولـى وأحقّ من قراءته سيئةً بـالتنوين، بـمعنى السيئة الواحدة. فتأويـل الكلام إذن كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التـي عددناها علـيك كان سيئه مكروهاً عند ربك يا مـحمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فـاتق مواقعته والعمل به.

    وقال ابن عطية

    قرأ الجمهور " صرّفنا " بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن " صرَفنا " بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله { في } زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور " ليذَّكَّروا " وقرأ حمزة والكسائي " ليذْكُروا " بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحه ويحيى والأعمش،....

    وقوله { إذا كنا عظاماً } الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و " الرفات " من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتاً فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: { رفاتاً } غباراً، وقال مجاهد: تراباً، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو " أيذا كنا تراباً أينا " جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية " إنا " مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: " أإذا أإنا " بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر " إذا كنا " ، مكسورة الألف من غير استفهام " ءإنا " يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات....

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الخامسة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " زَبوراً " بفتح الزاي، وهو فَعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش " زُبوراً " بضم الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا داود كتباً،

    ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيراً، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب مسلم: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له " ، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.

    وقال السمين


    قوله تعالى: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ }: " أولئك " مبتدأٌ، وفي خبره وجهان، أظهرُهما: أنه الجملةُ مِنْ " يبتغون " ويكون الموصولُ نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمرادُ باسم الإِشارة الأنبياءُ الذين عُبِدوا مِنْ دون الله. والمرادُ بالواوِ العبَّادُ لهم، ويكون العائدُ على " الذين " محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُونهم المشركون لكَشْفِ ضُرِّهم - أو يَدْعُونهم آلهةً، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يَبْتَغون.

    ويجوز أن يكونَ المرادُ بالواوِ ما أُريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُون ربَّهم أو الناسَ إلى الهدى يَبْتغون، فمفعولُ " يَدْعُون " محذوف.

    والثاني: أن الخبرَ نفسُ الموصولِ، و " يَبْتَغُون " على هذا حالٌ مِنْ فاعل " يَدْعُون " أو بدلٌ منه. وقرأ العامَّةُ " يَدْعُون " بالغيبِ، وقد تقدَّم الخلافُ في الواو: هل تعودُ على الأنبياء أو على عابِدِيْهم. وزيد بن علي بالغَيْبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول. وقتادةُ وابنُ مسعودٍ بتاء الخطاب. وهاتان القراءتان تقويَّان أن الواوَ للمشركين لا للأنبياءِ في قراءة العامَّة

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " ثمود " بغير تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون " ثموداً " في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن " ثمود " في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله { مبصرة } على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال:{ آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم " مُبصَرة " بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة " مَبصَرة " بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ...

    وقال السمين

    قوله: " وَرَجِلِك " قرأ حفصٌ بكسرِ الجيمِ، والباقون بسكونها، فقراءة حفصٍ " رَجِل " فيها بمعنى رَجُل بالضم بمعنى راجل يُقال: رَجِلَ يَرْجَلُ إذا صار راجِلاً، فيكون مثل: حَذِر وحَذُر، ونَدِس ونَدُس، وهو مفردٌ أريد به الجمعُ. وقال ابن عطية: هي صفةٌ يقال: فلان يمشي رَجِلاً إذا كان غيرَ راكبٍ، ومنه قولُ الشاعر:
    3081-................... ...... رَجِلاً إلا بأصحابي
    قلت: يشير إلى البيتِ المشهور وهو:
    فما أُقاتلُ عن ديني على فَرَسي إلا كذا رَجِلاً إلا بأصحابي
    أراد: فارساً ولا راجلاً.

    وقال الزمخشريُّ: " على أن فَعِلاً بمعنى فاعِل نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: وجَمْعك الرَّجِلُ، وتُضَمُّ جيمُه أيضاً فيكون مثلَ: حَذُر وحَذِر، ونَدُس ونَدِس، وأخواتٍ لهما ".

    وأما قراءةُ الباقين فتحتملُ أَنْ تكون تخفيفاً مِنْ " رَجِل " بكسر الجيم أو ضمِّها، والمشهورُ: أنه اسمُ جمع لراجِل كرَكْب وصَحْب في راكِب وصاحِب. والأخفش يجعل هذا النحوَ جمعاً صريحاً.

    وقرأ عكرمةُ " ورِجالك " جمع رَجِل بمعنى راجِل، أو جمع راجِل كقائم وقيام. وقُرِئ " ورُجَّالك " بضمِّ الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجِل كضارِب وضُرَّاب.

    وقال ابن عطية

    ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد " تغرقكم " بالتاء أي الريح، وقرأ حميد " نغرقكم " بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء " يغرّقكم " بشد الراء.

    وقال السمين

    قوله: " خِلافَك " قرأ الأخَوان وابنُ عامر وحفصٌ: " خِلافَك " بكسر الخاء وألفٍ بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكونِ اللام. والقراءتان بمعنى واحدٍ. وأنشدوا في ذلك:
    3089- عَفَتِ الديارُ خِلافَهم فكأنما بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهنَّ حََصِيْراً
    وقال تعالى:{ خِلاَفَ رَسُولِ ظ±للَّهِ } [التوبة: 81] والمعنى: بعد خروجك. وكثُر إضافةُ قبل وبعد ونحوِهما إلى أسماءِ الأعيان على حَذْفِ مضافٍ، فيُقَدَّر من قولك: جاء زيدٌ قبل عمروٍ: أي: قبل مجيئِه.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السادسة والتسعون بعد المائة

    قال السمين


    قوله تعالى: { وَنَأَى }: قرأ العامَّةُ بتقديمِ الهمزةِ على حرف العلة مِن النَّأْي وهو البُعْدُ. وابن ذكوان - ونقلها الشيخ عن ابن عامر بكمالِه-: " ناءَ " بتقديم الألف على الهمزة. وفيها تخريجان, أحدُهما: أنها مِنْ ناء يَنُوْءُ أي نهض. قال الشاعر:
    3101- حتى إذا ما التأَمَتْ مَفاصِلُهْ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهلُهْ
    والثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ نأى، ووزنُه فَلَع كقولهم في " رأى " راءَ، إلى غيرِ ذلك، ولكن متى أمكن عدمُ القلبِ فهو أَوْلَى. وهذا الخلافُ جارٍ أيضاً في سورة حم السجدة...

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن مسعود والأعمش " وما أوتوا " ، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور " وما أوتيتم " ، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، ....

    قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " حتى تُفجّر " ، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى " تَفجُر " بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن{ فانفجرت } [البقرة: 60]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و " الينبوع " الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا بـ { الأرض } ، وإنما يراد بإطلاق لفظة { الأرض } هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله{ أو ينفوا من الأرض } [المائدة: 33] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور " جنة " ، وقرأ " حبة " المهدوي....

    وقال السمين

    قوله تعالى: { أَوْ تُسْقِطَ }: العامَّةُ على إسناد الفعل للمخاطب. و " السماءَ " مفعولٌ بها. ومجاهد على إسنادِه إلى " السماء " فَرَفْعُها به.

    قوله: " كِسْفاً " قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ هنا بفتح السين، وفَعَل ذلك حفصٌ في الشعراء وفي سبأ. والباقون بسكونها في المواضعِ الثلاثةِ. وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم بلا خلافٍ، وهشامٌ عنه الوجهان، والباقون بفتحها.

    فمَنْ فتح السينَ جعله جمعَ كِسْفة نحو: قِطْعَة وقِطَع، وكِسْرة وكِسَر، ومَنْ سَكَّن جعله جمع كِسْفَة أيضاً على حَدِّ سِدْرة وسِدْر، وقَمْحة وقَمْح.

    وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين، أحدُهما: أنه جمعٌ على فَعَل بفتح العينِ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز لأنَّ الفتحةَ خفيفةٌ يحتملُها حرفُ العلة، حيث يُقَدَّر فيه غيرُها فكيف بالحرف الصحيح؟. قال: " والثاني: أنه فَعْل بمعنى مَفْعول " كالطَّحْن بمعنى مَطْحون، فصار في السكون ثلاثةُ أوجهٍ.

    وأصل الكَسْفِ القَطْع. يقال: كَسَفْتُ الثوبَ قطعتُه. وفي الحديثِ في قصة سليمان مع الصافنات الجياد: أنه " كَسَفَ عراقيبَها " أي: قطعها. وقال الزجاج " كَسَفَ الشيء بمعنى غَطَّاه ". وقيل: ولا يُعرفُ هذا لغيرِه.

    وانتصابُه على الحالِ، فإنْ جَعَلْناه جمعاً كان على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذات كِسَفٍ، وإنْ جعلناه فِعْلاً بمعنى مَفْعول لم يَحْتَج إلى تقدير، وحينئذ فيقال: لِمَ لَمْ يؤنَّث؟ ويجاب: بأنَّ تأنيثَ السماء غيرُ حقيقي، أو بأنها في معنى السقف.

    قوله: " كما زَعَمْتَ " نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: إسقاطاً مثلَ مَزْعُومِك، كذا قدَّره أبو البقاء.

    قوله: " قَبِيْلاً " حالٌ من " الله والملائكة " أو مِنْ أحدِهما، والآخرُ محذوفةٌ حالُه، أي: بالله قبيلاً والملائكةِ قبيلاً. كقوله:
    3106-.............. كنتُ منه ووالدي بريئاً....................
    [وكقولِهِ]
    3107-..................... فإنِّي وقَيَّارٌ بها لغريبُ
    ذكرَه الزمخشريُ، هذا إذا جَعَلْنا " قبيلاً " بمعنى كفيلاً، أي: ضامِناً، أو بمعنى معايَنة كما قاله الفارسيُّ. وإنْ جعلناه بمعنى جماعةً كان حالاً من " الملائكة ".

    وقرأ الأعرج " قِبَلاً " من المقابلة.

    وقال القرطبي

    والكِسَف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً جعله جمعاً

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير وابن عامر " قال سبحان ربي " على معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثامنة والتسعون بعد المائة

    قال ابن عطية

    روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ " علمتُ " بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول { مسحوراً } [الإسراء: 101] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور " لقد علمتَ " بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل:{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم فرعون....

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك { لَقَدْ عَلِـمْتَ } بفتـح التاء، علـى وجه الـخطاب من موسى لفرعون. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه فـي ذلك، أنه قرأ «لَقَدْ عَلِـمْتُ» بضمّ التاء، علـى وجه الـخبر من موسى عن نفسه. ومن قرأ ذلك علـى هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون علـى مذهبه تأويـل قوله{ إنّـي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً } إنـي لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلـم بصواب ولـيس بصواب. وهذا وجه من التأويـل. غير أن القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مـجمعة علـيه. وبعد، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع، مع علـمهم بأنها من عند الله بقوله{ وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ فِـي تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً } فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا هي سحر، مع علـمهم واستـيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } إنـما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالـم بأنها آيات من عند الله. وقد ذُكر عن ابن عبـاس أنه احتـجّ فـي ذلك بـمثل الذي ذكرنا من الـحجة. قال حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا هشيـم، قال أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ { لَقَدْ عَلِـمْتَ } يا فرعون بـالنصب { ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ } ، ثم تلا{ وَجَحَدُوا بِها واسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وعُلُوّاً } فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام قال موسى لفرعون لقد علـمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البـينات التـي أريتكها حجة لـي علـى حقـيقة ما أدعوك إلـيه، وشاهدة لـي علـى صدق وصحة قولـي، إنـي لله رسول، ما بعثنـي إلـيك إلا ربّ السموات والأرض، لأن ذلك لا يقدر علـيه، ولا علـى أمثاله أحد سواه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الكهف

    الجوهرة المائتان


    قال السمين

    قوله: { كَبُرَتْ كَلِمَةً } في فاعلِ " كَبُرَتْ " وجهان، أحدُهما: أنه مضمرٌ عائدٌ على مقالتِهم المفهومة مِنْ قولِه: " قالوا: اتَّخذ الله " ، أي: كَبُرَ مقالُهم، و " كلمةً " نصبٌ على التمييز، ومعنى الكلامِ على التعجب، أي: ما أكبرَها كلمةً. و " تَخْرُجُ " الجملةُ صفةٌ لـ " كلمة ". ودَلَّ استعظامُها لأنَّ بعضَ ما يَهْجِسُ بالخاطرِ لا يَجْسُر الإِنسانُ على إظهاره باللفظ.

    والثاني: أن الفاعلَ مضمرٌ مفسِّرٌ بالنكرةِ بعد المنصوبةِ على التمييزِ، ومعناها الذمُّ كـ " بِئس رجلاً " ، فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه: كَبُرَتْ هي الكلمةُ كلمةً خارجةً مِنْ أفواهِهم تلك المقالةُ الشَّنعاءُ.

    وقرأ العامَّةُ " كلمةً " بالنصبِ، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز، وقد تقدَّم تحقيقُه في الوجهين السابقين. والثاني: النصبُ على الحالِ. وليس بظاهر.

    وقوله: " تَخْرُجُ " في الجملة وجهان، أحدُهما: هي صفةٌ لكلمة. والثاني: أنها صفةٌ للمخصوصِ بالذمِّ المقدَّرِ تقديرُه: كَبُرَت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً.

    وقرأ الحسنُ وابنُ محيصن وابنُ يعمرَ وابن كثير - في رواية القَوَّاس عنه - كلمةٌ " بالرفع على الفاعلية، " وتَخْرُج " صفةٌ لها أيضاً. وقُرِئَ " كَبْرَتْ " بسكون الباء وهي لغةُ تميم...

    وقال الالوسي

    { رَشَدًا } إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداءً إليه. وقرأ أبو رجاء { رشداً } بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات قراءة الجمهور. وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال: الرشد بفتحتين خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون. وقال بعضهم: الرشد أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير اهـ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال: إن هذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اهـ، نعم فيما قاله نظر، والأولى جعل الدعاء عاماً في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهراً في كونه خاصاً في أمر الأولى...

    وقال السمين

    قوله تعالى: { لِنَعْلَمَ }: متعلقٌ بالبعث. والعامَّةُ على نون العظمة جرياً على ما تقدم. وقرأ الزُّهْري " لِيَعْلم " بياء الغَيْبَةِ، والفاعلُ اللهُ تعالى. وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيْبَة. ويجوزُ أن يكونَ الفاعلُ { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } إذا جَعَلْناها موصولةً كما سيأتي.

    وقرئ " ليُعْلَمَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامُ الفاعلِ: قال الزمخشري: " مضمونُ الجملة، كما أنه مفعولُ العلمِ ". ورَدَّه الشيخ بأنه ليس مذهبَ البصريين. وتقدَّم تحقيقُ هذه أولَ البقرة.

    وللكوفيين في قيامِ الجملة مَقامَ الفاعلِ أو المفعولِ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه: الجوازُ مطلقاً، والتفصيلُ بين ما يُعلَّق كهذه الآيةِ فيجوزُ، فالزمخشري نحا نحوَهم على قَوْلَيْهم. وإذا جَعَلْنا { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } موصولةً جاز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إليه في هذه القراءةِ أيضاً كما جاز إسناده إليه في القراءةِ قبلها.

    وقُرِئ " ليُعْلِمَ " بضمِّ الياء، والفاعلُ الله تعالى، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، تقديرُه: ليُعْلِمَ اللهُ الناسَ. و { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } في موضعِ الثاني فقط، إنْ كانت عِرْفانيةً، وفي موضعِ المفعولين إن كانَتْ يقينية

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثانية بعد المائتين

    قال ابن عطية

    قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما { ولبثوا في كهفهم } الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه: " وقالوا لبثوا في كهفهم " ، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على{ ويقولون سبعة } [الكهف: 22]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري: وقال بعضهم: لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله { قل الله أعلم بما لبثوا } وجه مفهوم.

    قال القاضي أبو محمد: أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل الله أعلم بما لبثوا } فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون: بل قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم } الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار { قل الله أعلم بما لبثوا } فقال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل { لبثوا } الأول، يريد في نوم الكهف، و { لبثوا } الثاني: يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال: { وازدادوا تسعاً } لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، ...

    وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري " ولا تشرك " بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه السلام، ويكون قوله " ولا تشرك " عطفاً على { أبصر } { وأسمع } ، وقرأ مجاهد " ولا يشركْ " بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، ...

    وقال السمين

    قوله: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } العامَّة على إسنادِ الفعل لـ " نا " و " قلبَه " مفعول به. وقرأ عمرو بن عبيد بن فائد وموسى الأسواري بفتح اللام ورفع " قلبُه " أَسْندوا الإِغفالَ إلى القلبِ. وفيه أوجهٌ. قال ابن جني: مَنْ ظَنَّنَا غافِلين عنه ". وقال الزمخشري: " مَنْ حَسِبْنا قلبُه غافلين، مِنْ أَغْفَلْتُه إذا وَجَدْتَهُ غافلاً،. وقال أبو البقاء: " فيه وجهان، أحدُهما: وَجَدْنا قلبُه مُعْرِضين عنه. والثاني: أهملَ أَمْرَنا عن تَذَكُّرِنا ".....

    وقرأ ابن محيصن " واسْتَبرقَ " بوصلِ الهمزة وفتح القافِ غيرَ منونة. فقال ابن جني: هذا سهوٌ أو كالسهوِ ". قلت: كأنه زعم أنَّه مَنَعه الصرفَ ولا وجهَ لمنعِه، لأنَّ شرطَ مَنْعِ الاسمِ الأعجمي أَنْ يكونَ عَلَماً وهذا اسمُ جنسٍ. وقد وجَّهها غيرُه على أنه جَعَلَه فعلاً ماضياً من البريق، واستَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ المجرد نحو: قَرَّ واستقرَّ.

    وقال الالوسي

    وَكَانَ لَهُ } أي للأحد المذكور وهو صاحب الجنتين { ثَمَرٌ } أنواع المال كما في «القاموس» وغيره ويقال: ثمر إذا تمول، وحمله على حمل الشجر كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير ونافع وقراء المدينة { ثمر } بضم الثاء والميم، وكذا في{ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] الآتي وهو جمع ثمار بكسر الثاء جمع ثمر بفتحتين فهو جمع الجمع ومعناه / على نحو ما تقدم أي أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان وغيرها، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد يراد به الذهب والفضة خاصة، وقرأ الأعمش وأبو رجاء وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم تخفيفاً هنا وفيما بعد والمعنى على ما سمعت، وقرأ أبو رجاء في رواية { ثمر } بالفتح والسكون. وفي مصحف أبـي وحمل على التفسير (وآتيناه ثمراً كثيراً).

    وقال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة " منهما " يريد الجنتين المذكورتين أولاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل البصرة " منها " يريد الجنة المدخولة....

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثالثة بعد المائتين

    قال ابن عطية

    واختلفت القراءة في قوله { لكنا } فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي " لكنا " في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي " لكن " في الوصل و " لكنا " في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن " لكن أنا هو الله ربي " ، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف " لكن هو الله ربي " فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، من قرأ " لكننا " ، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ " لكننا " ، فأصله عنده لكن أنا: حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في النون، وقد قال بعض النحويين: نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء " لكنا " ، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل على أصل الكلمة، ويتوجه في " لكنا " أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في " خرجنا وضربنا " ، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في { ربي } على المعنى، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في { لكنا } أن تكون المشهورة من أخوات إن، المعنى: لكن قولي: هو { الله ربي } ، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي عمرو " ولكنه هو الله ربي " بضمير لحق " لكن " ....

    وقال الطبري

    لَكِنَّ هُوَ اللّهُ رَبّـي } يقول أما أنا فلا أكفر بربـي، ولكن أنا هو الله ربـي، معناه أنه يقول ولكن أنا أقول هو الله ربـي { وَلا أُشْرِكُ بِرَبـيّ أحَداً }. وفـي قراءة ذلك وجهان أحدهما لكنّ هو الله ربـي بتشديد النون وحذف الألف فـي حال الوصل، كما يقال أنا قائم فتـحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما فـي الوقـف فإن القرأة كلها تثبت فـيها الألف، لأن النون إنـما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة فـي النون التـي من أنا، إذ سقطت الهمزة التـي فـي أنا، فإذا وقـف علـيها ظهرت الألف التـي فـي أنا، فقـيـل لكنا، لأنه يقال فـي الوقـف علـى أنا بإثبـات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـحجاز { لَكِنَّا } بإثبـات الألف فـي الوصل والوقـف، وذلك وإن كان مـما ينطق به فـي ضرورة الشعر، كما قال الشاعر
    أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فـاعْرِفُونِـي حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
    فأثبت الألف فـي أنا، فلـيس ذلك بـالفصيح من الكلام، والقراءة التـي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقـيـين، وهو حذف الألف من «لكنّ» فـي الوصل، وإثبـاتها فـي الوقـف.

    وقال ابن عطية

    وقوله { هنالك } يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله { منتصراً } ويحتمل أن تكون { الولاية } مبتدأ، و { هنالك } خبره،

    وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " الوِلاية " بكسر الواو، وهي بمعنى الرياسة والزعامة ونحوه، وقرأ الباقون " الوَلاية " بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن، لأن فعالة، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً، وليس هنا تولي أمر الموالاة،

    وقرأ أبو عمرو والكسائي " الحق " بالرفع على جهة النعت لـ { الولاية } ، وقرأ الباقون " الحقِّ " بالخفض على النعت { لله } عز وجل، وقرأ أبو حيوة " لله الحقَّ " بالنصب وقرأ الجمهور " عُقُباً " بضم العين والقاف وقرأ عاصم وحمزة والحسن " عُقْباً " بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء، وقرأ عاصم أيضاً " عقبى " بياء التأنيث، والعُقُب والعُقْب بمعنى العاقبة.....

    تذروه } ، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس: " تذريه " ، والمعنى: تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن " تذروه الريح " بالإفراد، وهي قراءة طلحة والنخعي والأعمش.....

    وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو عبد الرحمن " نسير " بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى: " تسيَّر " بالتاء، وفتح الياء المشددة " الجبالُ " رفع، وقرأ الحسن: " يُسيَّر " بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، " الجبال " رفعاً، وقرأ ابن محيصن " تَسِير ": بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى " الجبال " ، وقرأ أبي بن كعب " ويوم سيرت الجبال "......

    وقرأ الجمهور " نغادر " بنون العظمة، وقرأ قتادة: " تغادر " على الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم: " يغادَر " بياء وفتح الدال " أحدُ " بالرفع، وقرأ الضحاك " فلم نُغْدِر " بنون مضمومة وكسر الدال وسكون الغين، والمغادرة: الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل...

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    قراءات ربما غفلنا عنها فى الجزء الخامس عشر

    { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً }

    قال الرازى

    : قرأ الجمهور { لّيَذْكُرُواْ } بفتح الذال والكاف وتشديدهما، والمعنى: ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، وقرأ حمزة والكسائي { ليذكروا } ساكنة الذال مضمومة الكاف، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر قال الواحدي: والتذكر ههنا أشبه من الذكر، لأن المراد منه التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان. ثم قال: وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان: الأول: أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر كقوله تعالى:{ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } [البقرة: 63] والمعنى: وافهموا ما فيه. والثاني: أن يكون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه...

    وقال السمين

    وقرأ العامَّة " نَدْعو " بنون العظمة، ومجاهدٌ " يَدْعُو " بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو المَلَك. و " كلَّ " نصبٌ مفعولاً به على القراءتين.

    وقرأ الحسن فيما نقله الدانيُّ عنه " يُدْعَى " مبنياً للمفعول، " كلُّ " مرفوعٌ لقيامِه الفاعلِ، وفيما نقله عنه غيرُه " يُدْعَو " بضمِّ الياء وفتح العين، بعدها واوٌ. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدُهما: أن الأصلَ: يُدْعَوْن فَحُذِفت نونُ الرفعِ كما حُذِفَتْ في قولِه عليه السلام: " لا تَدْخُلوا الجنة حتى تُؤْمنوا، ولا تُؤْمنوا حتى تحابُّوا "

    وقوله:
    3088- أَبَيْتُ أَسْرِيْ وتَبِْيْتي تَدْلُكِيْ وَجْهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكي
    و " كلٌّ " مرفوعٌ بالبدلِ من الواوِ التي هي ضميرٌ، أو بالفاعليةِ والواوُ علامةٌ على لغةِ " يتعاقبون فيكمْ ملائكةٌ ".

    والتخريجُ الثاني: أنَّ الأصلَ " يُدْعَى " كما نَقَله عنه الدانيُّ، إلا أنه قَلَبَ الألفَ واواً وَقْفاً، وهي لغةٌ لقومٍ، يقولون: هذه أفْعَوْ وعَصَوْ، يريدون: أَفْعى وعَصا، ثم أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. و " كلُّ " مرفوعٌ لقيامِه مقامَ الفاعلِ على هذا ليس إلا.....

    وقال القرطبي

    وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً }. وقرأ عطاء بن أبي رَباح «لا يُلَبَّثون» الباء مشددة. «خلفك» نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائيّ «خلافك» واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله:{ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } [التوبة: 81] ومعناه أيضاً بعدك؛ قال الشاعر:
    عَفَت الديار خلافهم فكأنما بسط الشّواطِبُ بينهن حَصِيراً
    بسط البواسط؛ في الماورديّ. يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه الحصر. قال أبو عبيد: ثم تُلقيه الشاطبة إلى المُنَقِّية. وقيل: «خلفك» بمعنى بعدك. «وخلافك» بمعنى مخالفتك...

    وقال السمين فى الكهف


    قوله: " بِوَرِقِكم " حال ِمنْ " أحدَكم " ، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها. وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وأبو بكر بفتحِ الواوِ وسكونِ الراءِ والفَكِّ. وباقي السبعة بكسر الراء، والكسرُ هو الأصلُ، والتسكينُ تحفيفٌ كـ " نَبْق " في نَبِق. وحكى الزجاج كسرَ الواوِ وسكونِ الراء وهو نَقْلٌ، وهذا كما يقال: كَبِدْ وكَبْد وكِبْد.

    وقرأ أبو رجاء وابن محيصن كذلك، إلا أنه بإدغام القاف. واستضعفوها مِنْ حيث الجمعُ بين ساكنين على غير حَدِّيهما وقد تقدَّم لك في المتواترِ ما يُشبه هذه مِنْ نحوِ { فَنِعِمَّا }{ لاَ تَعْدُّواْ فِي ٱلسَّبْتِ } [النساء: 154]... ورُوِيَ عن ابنِ محيصن أنَّه أَدْغَمَ كسرَ الراءَ فِراراً مِمَّا ذَكَرْتَ.

    وقرأ أميرُ المؤمنين " بوارِقِكم " اسمَ فاعلٍ، أي: صاحب وَرِقٍ كـ " لابِن ". وقيل: هو اسمُ جمعٍ كجاملٍ وباقر....

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجزء السادس عشر

    الجوهرة السادسة بعد المائتين


    قال ابن عطية

    وقرأ الجمهور " يضَيّفوهما " بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء " يضيفوهما " ، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش " فأبوا أن يطعموهما " ، ....

    وقرأ الجمهور " ينقض " أي يسقط، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه " أن يُنقض " بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة " أن يناقص " ، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولاً، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولاً، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل]

    فراق كقيص السن فالصبر انه لكل أناس عبرة وحبور
    ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش " يريد لينقض " ....

    قرأ الجمهور " لمساكين " بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم بـ " مساكين " ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها.

    قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة: كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة " لمسّاكين " بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد بـ " المساكين " ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع " مساكين " ، وقالت فرقة: أراد " المسّاكين " دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك.

    قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم....

    وقرأ ابن جبير وابن عباس: " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة " صحيحة وقرأ عثمان بن عفان " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة ".

    قال القاضي أبو محمد: وقوله { وراءهم } هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعاً بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ " أمامهم " ، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده....

    وقرأ أبي بن كعب: " فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين " ، وقرأ أبو سعيد الخدري " فكان أبواه مؤمنان " فجعلها كان التي فيها الأمر والشأن، وقوله { فخشينا } قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود " فخاف ربك " وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى: فإن جميع ما في هذا كله، من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، ....

    ملحوظة

    المعنى كان فى علم الله كافرا لو بلغ وفى الحديث طبع كافرا اى فى علمه الازلي

    وقال السمين


    قوله: { أَن يُبْدِلَهُمَا }: قرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال مِنْ " بَدَّلَ " هنا، وفي التحريم { أَن يُبْدِلَهُ } وفي القلم { أَنْ يُبْدِلَنا } والباقون بسكونِ الباءِ وتخفيفِ الدالِ مِنْ " أَبْدَلَ " في المواضعِ الثلاثة. فقيل: هما لغتان بمعنىً واحد. وقال ثعلب: الإِبدالُ تَنْحِيَةُ جوهرَةٍ، واستئنافُ أخرى. وأنشد:
    3193- عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
    قال: ألا تراه نَحَّى جسماً، وجعل مكانَه آخرَ. والتبديلُ: تغييرُ الصورةِ إلى غيرِها، والجوهرةُ باقيةٌ بعينِها. واحتجَّ الفراء بقولِه تعالى:{ يُبَدِّلُ ظ±للَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70] قال: " والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلا أنَّهم يجعلون اَبْدَلْتُ بمعنى بَدَّلْتُ ". قلت: ومِنْ ثَمَّ اختلف الناسُ في قولِه تعالى:{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ظ±لأَرْضُ } [إبراهيم: 48]: هل يتغير الجسمُ والصفةُ، أو الصفةُ دونَ الجسمِ؟

    قوله: " رُحْماً " قرأ ابن عامر " رُحُماً " بضمتين. والباقون بضمةٍ وسكونٍ وهما بمعنى الرحمة. قال رؤبة:
    3192- يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسا ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إِبْليسا
    وقيل: الرُّحْم بمعنى الرَّحِم. وهو لائقٌ هنا مِنْ أجلِ القَرابةِ بالولادة. ويؤيِّده قراءةُ ابنِ عباس " رَحِماً " بفتحِ الراءِ وكسرِ الحاءِ. و " زكاة ورُحْماً " منصوبان على التمييز....

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السابعة بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقوله { فأتبع سبباً } الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " فاتّبع " بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " فأتبع " بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة " أتبع " بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و " اتبع " إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره.

    قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز وجل{ فأتبعه شهاب ثاقب } [الصافات: 10]، وكقوله{ فأتبعهم فرعون } [يونس: 90] [طه: 78]، وكقوله تعالى:{ فأتبعه الشيطان } [الأعراف: 175]، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت " اتّبع " بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و " السبب " في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد،

    وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم " في عين حَمِئة " ، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في " عين حامية " ، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس " حمئة " ، وقال معاوية " حامية " ، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين: [الكامل]

    قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً تدين له الملوك ويحشد
    بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حيكم مرشد
    فرأى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد
    فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ " حامئة " ، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال " في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض " ، وروى أبو ذر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال " أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ " قلت لا، قال: " إنها تغرب في عين حامية "

    ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و " حامية " هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن { في } بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي لـ { عين حمئة } وقال بعضهم: قوله { في عين } إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض.

    قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: وقد يمكن أن تكون " حاميئة " مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد....

    وقال الطبري

    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار، ولكلّ واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب فـي عين حارّة ذات حمأة وطين، فـيكون القارىء فـي عين حامية وصفها بصفتها التـي هي لها، وهي الـحرارة، ويكون القارىء فـي عين حمئة واصفها بصفتها التـي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد رُوي بكلا صيغتـيها اللتـين قلت إنهما من صفتـيها أخبـار. حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا العوّام، قال ثنـي مولـى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الشمس حين غابت، فقال " فِـي نارِ اللَّهِ الـحامِيَةِ، فِـي نارِ اللَّهِ الـحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنْ أمْرِ اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما عَلـى الأرْض " حدثنـي الفضل بن داود الواسطي، قال ثنا أبو داود، قال ثنا مـحمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أقرأه { حَمِئَةٍ }

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثامنة بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر: { جزاء الحسنى } بإضافة الجزاء إلى { الحسنى } ، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد بـ { الحسنى } الجنة، والجنة هي الجزاء، فأضاف ذلك كما قال " دار الآخرة " والدار هي الآخرة، والثاني أن يريد بـ { الحسنى } أعمالهم الصالحة في إيمانهم، فوعدهم بجزاء الأعمال الصالحة، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم " جزاءً الحسنى " بنصب الجزاء على المصدر في موضع الحال، و " الحسنى ": ابتداء خبره في المجرور، ويراد بها الجنة، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق " جزاءٌ " بالرفع والتنوين { الحسنى } وقرأ ابن عباس ومسروق: " جزاءَ " نصب بغير التنوين { الحسنى } بالإضافة، قال المهدوي: ويجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم...

    وقال الطبري

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأه { فَلَهُ جَزاءً الـحُسْنَى } بنصب الـجزاء وتنوينه علـى الـمعنى الذي وصفت، من أن لهم الـجنة جزاء، فـيكون الـجزاء نصبـا علـى التفسير

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة التاسعة بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: " السُّدين " بضم السين، وكذلك " سُداً " حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير " السَّدين " بفتح السين وضم " سداً " في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح.

    قال القاضي أبو محمد: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ " بين السُّدين " بالضم وبعد ذلك " سَداً " بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: وما رأته عيناك فهو " سُد " بالضم، وما لا يرى فهو " سَد " بالفتح...

    وقال الطبري

    وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { يَفْقَهُونَ } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { يَفْقَهُونَ قَوْلاً } بفتـح القاف والـياء، من فقَه الرجل يفقه فقهاً. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة «يُفْقِهُونَ قَوْلاً» بضمّ الـياء وكسر القاف من أفقهت فلاناً كذا أفقهه إفقاها إذا فهمته ذلك. والصواب عندي من القول فـي ذلك، أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الـخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فـيكون صوابـاً القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل إما بألسنتهم، وإما بـمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضاً صوابـاً....

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة العاشرة بعد المائتين

    قال السمين

    قوله: { يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ }: قرأ عاصمٌ بالهمزة الساكنة، والباقون بألفٍ صريحة. واخْتُلِف في ذلك فقيل: هما أعجميان. لا اشتقاقَ لهما ومُنعا من الصرف للعلَميَّة والعُجْمة. ويحتمل أَنْ تكونَ الهمزةُ أصلاً والألفُ بدلٌ عنها، أو بالعكسِ؛ لأنَّ العربَ تتلاعب بالأسماءِ الأعجمية. وقيل: بل هما عربيَّان واختلفوا في اشتقاقِهما: فقيل: اشتقاقُهما مِنْ أَجيج النار وهو التهابُها وشِدَّةُ تَوَقُّدِها. وقيل: مِنَ الأَجَّة. وهو الاختلاطُ أو شدةُ الحَرِّ. وقيل: من الأجِّ، وهو سُرْعةُ العَدْوِ. ومنه قوله:
    3197-......................... تؤجُّ كما أجَّ الظَّليمُ المُنَفَّرُ
    وقيل: من الأُجاجِ، وهو الماءُ المِلْحُ الزُّعاق. ووزنهما يَفْعُوْل ومَفْعُول. وهذا ظاهرٌ على قراءةِ عاصمٍ. وأمَّا قراءةُ الباقين فيُحتمل أن تكونَ الألفُ بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ مِنْ هؤلاءِ مَنْ ليس أصلُه قَلْبَ الهمزةِ الساكنةِ وهم الأكثرُ. ولا ضَيْرَ في ذلك. ويُحتمل أَنْ تكونَ ألفُهما زائدتين، ووزنُهما فاعول مِنْ يَجَّ ومَجَّ.

    ويُحتمل أَنْ يكونَ ماجوج مِنْ ماج يموج، أي: اضطرب ومنه المَوْجُ فوزنُه مَفْعول والأصل: مَوْجُوج. قاله أبو حاتم. وفيه نظرٌ من حيث ادِّعاءُ قَلْبِ حَرْفِ العلة وهو ساكنٌ. وشذوذُه كشذوذِ " طائيّ " في النسب إلى طيِّئ. وعلى القولِ بكونِهما عربيين مشتقين فَمَنْعُ صرفِهما للعَلَميَّةِ والتأنيثِ بمعنى القبيلة، كما تقدَّم لك تحقيقهُ في سورة هود. ومثلُ هذا الخلافِ والتعليلِ جارٍ في سورة الأنبياء عليهم السلام. والهمزةُ في يَأْجوج ومَأْجوج لغةُ بني أسد. وقرأ رؤبة وأبوه العجاج " آجوج ".

    قوله: " خَراجاً " قرأ ابن عامر " خَرْجاً " هنا وفي المؤمنين بسكون الراء، والأخَوان " خراجاً " " فَخَراج " في السورتين بالألف، والباقون كقراءةِ ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين وفي الثاني وهو " فَخَراج " كقراءة الأخوين. فقيل: هما بمعنى واحد كالنَّوْل والنَوال. وقيل: الخراجُ بالألف ما صُرِفَ على الأرضِ من الإِتاوة كلَّ عام، وبغير ألف بمعنى الجُعْل، أي: نُعْطيك مِنْ أموالِنا مرةً واحدة ما تَسْتعين به على ذلك.

    قال مكي رحمه الله: " والاختيارُ تَرْكُ الألف؛ لأنهم إنما عَرَضوا عليه أن يُعطوه عَطِيَّة واحدة على بناءه، لا أَنْ يُضْرَبَ ذلك عليهم كلَّ عام. وقيل: الخَرْج ما كان على الرؤوس، والخراج ما كان على الأرض، يقال: أَدَّ خَرْجَ رأسِكَ، وخراجَ أرضِك. قاله ابن الأعرابي. وقيل: الخَرْجُ أخصُّ، والخَراجُ أعَمُّ. قاله ثعلب. وقيل: الخَرْجُ مصدرٌ، والخَراج اسمٌ لِما يُعطى، ثم قد يُطلق على المفعول المصدرُ كالخَلْق بمعنى المخلوق.

    وقال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } كأنهم نـحوا به نـحو الـمصدر من خَرْج الرأس، وذلك جعله. وقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» بـالألف، وكأنهم نـحوا به نـحو الاسم، وعنوا به أجرة علـى بنائك لنا سدّاً بـيننا وبـين هؤلاء القوم. وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندنا بـالصواب قراءة من قرأه «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» بـالألف، لأن القوم فـيـما ذُكر عنهم، إنـما عرضوا علـى ذي القرنـين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به علـى بناء السدِّ، وقد بـين ذلك بقوله{ فَأعِينُونِـي بقُوَّةٍ أجْعَلْ بَـيْنَكُمْ وبَـيْنَهُمْ رَدْماً } ولـم يعرضوا علـيه جزية رؤوسهم. والـخراج عند العرب هو الغلة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجراً { علَـى أنْ تَـجعَلَ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَهُمْ سَدًّا }. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجرا. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قوله «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجراً. وقوله { علَـى أنْ تَـجْعَلَ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَهُمْ سَدّاً } يقول قالوا له هل نـجعل لك خراجاً حتـى أن تـجعل بـيننا وبـين يأجوج ومأجوج حاجزاً يحجز بـيننا وبـينهم، ويـمنعهم من الـخروج إلـينا، وهو السدّ.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الحادية عشر بعد المائتين

    قال ابن عطية


    قرأ عاصم وحمزة " ايتوني " بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي " آتوني " بمعنى أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و " ايتوني ": أشبه بقوله: فأعينوني بقوة، ونصب " الزبر " به على نحو قول الشاعر: أمرتك الخير، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور " زبَر " بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور " ساوى " وقرأ قتادة " سوى....

    وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الصَّدَفين " بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " الصُّدفين " بضم الصاد والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون: بفتح الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة " بين الصَّدْفين " ، بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل " الصدفان ": السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو من الأول....

    وقال البقاعي


    جعله دكاء } بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف.

    وقال القرطبي


    جَعَلَهُ دَكَّآءَ } أي مستوياً بالأرض؛ ومنه قوله تعالى:{ إِذَا دُكَّتِ ظ±لأَرْضُ دَكَّاً } [الفجر: 21] قال ابن عرفة: أي جعلت مستوية لا أكمة فيها، ومنه قوله تعالى: «جَعَلَهُ دكّاً» قال اليزيدي: أي مستوياً؛ يقال: ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال القتبي: أي جعله مدكوكاً ملصقاً بالأرض. وقال الكلبي: قطعاً متكسراً؛ قال:
    هل غيرُ غادٍ دَكَّ غاراً فانهدم
    وقال الأزهري: يقال دككته أي دققته. ومن قرأ «دَكَّاءَ» أراد جعل الجبل أرضاً دكاء، وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلاً وجمعها دكاوات. قرأ حمزة وعاصم والكسائي «دكاء» بالمدّ على التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره: جعله مثل دكاء؛ ولا بدّ من تقدير هذا الحذف. لأن السدّ مذكر فلا يوصف بدكاء. ومن قرأ «دَكًّا» فهو مصدر دَكَّ يدك إذا هَدم ورَضّ؛ ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى خلق. وينصب «دَكًّا» على الحال. وكذلك النصب أيضاً في قراءة من مدّ يحتمل الوجهين....

    وقال الالوسي

    وَنُفِخَ فِى الصُّورِ } الظاهر أن المراد النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعد. ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة ليس فيها حالة مختصة بالكفار، وقيل: لئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة. والصور قرن جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول. وقد صح عن أبـي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ "

    وزعم أبو عبيدة أنه جمع صورة وأيد بقراءة الحسن { ظ±لصور } بفتح الواو فيكون لسورة وسور ورد ذلك أظهر من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما نقل عنه الإمام القرطبـي: من أنكر أن يكون الصور قرناً / فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات. وذكر أن الأمم مجمعة على أن النافخ فيه إسرافيل عليه السلام { فَجَمَعْنَـظ°هُمْ } أي الخلائق بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء { جَمْعاً } أي جمعاً عجيباً لا يكتنه كنهه.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثانية عشر بعد المائتين

    قال ابن عطية

    وقرأ جمهور الناس: " أفحسِب الذين " بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: " أفحسْبُ " بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود " أفظن الذين كفروا " ، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في { الذين كفروا } بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً .....

    وقال الطبري

    يقول عزّ ذكره أفظن الذين كفروا بـالله من عبدة الـملائكة والـمسيح، أن يتـخذوا عبـادي الذين عبدوهم من دون الله أولـياء، يقول كلا بل هم لهم أعداء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنى حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله { أفَحَسِبَ الَّذينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّـخِذُوا عِبـادِي مِنْ دُونِـي أوْلِـياءَ } قال يعنـي من يعبد الـمسيح ابن مريـم والـملائكة، وهم عبـاد الله، ولـم يكونوا للكفـار أولـياء. وبهذه القراءة، أعنـي بكسر السين من { أفَحَسبَ } بـمعنى الظنّ قرأت هذا الـحرف قرّاء الأمصار. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه وعكرِمة ومـجاهد أنهم قرءوا ذلك أفَحَسْبُ الَّذيِنَ كَفَرُوا بتسكين السين، ورفع الـحرف بعدها، بـمعنى أفحسبهم ذلك أي أفكفـاهم أن يتـخذوا عبـادي من دونـي أولـياء من عبـاداتـي وموالاتـي. كما حُدثت عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عمران بن حدير، عن عكرمة أفَحَسْبُ الَّذينَ كَفَرُوا قال أفحسبهم ذلك. والقراءة التـي نقرؤها هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار { أفَحَسِبَ الَّذِينَ } بكسر السين، بـمعنى أفظنّ، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. وقوله { إنَّا أعْتَدْنا جَهَنَّـمَ للْكافِرِينَ نُزُلاً } يقول أعددنا لـمن كفر بـالله جهنـم منزلاً....

    وقال السمين

    قوله: { أَفَحَسِبَ }: العامَّةُ على كسرِ السين وفتح الباء فعلاً ماضياً. و { أَن يَتَّخِذُواْ } سادٌّ مَسَدَّ المفعولين. وقرأ أمير المؤمنين على بن أبي طالب وزيد علي وابن كثير ويحيى بن يعمر في آخرين، بسكون السينِ ورفعِ الباءِ على الابتداء، والخبر " أَنْ " وما في حَيَّزها....

    وقال السمين

    وقرأ ابن عباس " فَحَبِطَتْ " بفتح الباء. والعامَّة على " نُقيم " بنون العظمة مِنْ " أقام ". ومجاهد وعبيد بن عمير. " فلا يُقيم " بياءِ الغَيبة لتقدُّم قولِه: { بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } ، فالضميرُ يعود عليه. ومجاهدٌ أيضاً " فلا يقومُ لهم " مضارع قام، " وزنٌ " بالرفع. وعن عبيد بن عمير أيضاً " فلا يقومُ وزناً " بالنصبِ كأنه تَوَهَّم أنَّ " قام " متعدٍّ. كذا قال الشيخ. والأحسنُ مِنْ هذا أنْ تُعْرَبَ هذه القراءةُ على ما قاله أبو البقاء أَنْ يُجْعَلَ فاعلُ " يقومُ " صنيعُهم أو سَعْيهُم، وينتصِبُ حينئذٍ " وَزْناً " على أحد وجهين: إمَّا على الحال، وإمَّا على التمييز.....

    وقال ابن عطية

    وقرأ الجمهور: " تنفد " بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن عبيد " ينفد " بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي...

    وقال السمين

    قوله: { وَلاَ يُشْرِكْ } العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ، عُطِفَ بها على أمرٍ. ورُوي عن أبي عمروٍ { وَلاَ تُشْرِكْ } بالتاءِ مِنْ فوقُ خطاباً على الالتفات من الغَيْبة إلى الخطاب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •