والمضحك الطريف في نقلك الأخير عن القرافي والذي يدلك على سوء فهمك لكلامه في آن هو تكملة الكلام الذي نقلته متوهما أنه يعني به المعتزلة ويكفرهم به لجهلهم عندك بصفات الله ، إذ أن القرافي بعد أن قال كلامه هذا مباشرة استشهد بكلام أحد فطاحلة وفحول المعتزلة الكبار ، انظر :
[.... ومن أقدم مع الجهل فقد أثم ، خصوصا في الاعتقادات فإن صاحب الشرع قد شدد في عقائد أصول الدين تشديدا عظيما بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله تعالى أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات ، ولم يرتفع ذلك الجهل فإنه آثم كافر بترك ذلك الاعتقاد الذي هو من جملة الإيمان ويخلد في النيران على المشهور من المذاهب مع أنه قد أوصل الاجتهاد حده وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه دفعه عن نفسه ، ومع ذلك فلم يعذر به حتى صارت هذه الصورة فيما يعتقد أنها من باب تكليف ما لا يطاق ، فإن تكليف المرأة البلهاء المفسودة المزاج الناشئة في الأقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة العقل كأقاصي بلاد السودان وأقاصي بلاد الأتراك - فإن هذه الأقاليم لا يكون للعقل فيها كبير رونق ، ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند يأجوج ومأجوج { وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا } ومن لا يفهم القول وبعدت أهليته لهذه الغاية مع أنه مكلف بأدلة الوحدانية ودقائق أصول الدين أنه تكليف ما لا يطاق ، فتكليف هذا الجنس كله من هذا النوع مع أنهم من أهل اليأس بسبب الكفران وقعوا للجهل .
وأما الفروع دون الأصول فقد عفا صاحب الشرع عن ذلك ، ومن بذل جهده في الفروع فأخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران كما جاء في الحديث .
قال العلماء : ويلحق بأصول الدين أصول الفقه ،
قال "أبو الحسين" في كتاب (المعتمد في أصول الفقه) : إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام عن الفقه : أن المصيب فيه واحد والمخطئ فيه آثم ، ولا يجوز التقليد فيه . وهذه الثلاثة التي حكاها هي في أصول الدين بعينها فظهر لك الفرق بين قاعدة ما يكون الجهل فيه عذرا وبين قاعدة ما لا يكون الجهل فيه عذرا . ] آ.هـ الفروق 2/596 طـ دار السلام بتعليق وتحقيق الشيخ علي جمعة .
و "أبو الحسين" هذا في كلامه هو أبو الحسين البصري المعتزلي الشافعي ( ت 436هـ) صاحب كتاب ( المعتمد ) في أصول الفقه وهو كتاب كبير ضخم عظيم الفائدة والقيمة ومنه أخذ الإمام الرازي جل (المحصول في أصول) الفقه له .
أرأيت معي طرافة الأمر وسخريته ، فانت تستدل بكلامه على تكفيره للمعتزلة وتتوهم التناقض به ، وهو بعد سطرين فقط مما نقلت من كلامه يستدل بكلام أحد أساطين المعتزلة وفحولهم على أن الجهل في أصول الدين غير مغتفر للأسباب التي ساقها ويعده من العلماء ويورد قوله في سياق ذكرهم !!!!
ولو كان كافرا عنده ما استدل بقوله وأرجع إليه في ما يكّفره به هو ولا مثل بما قاله لقول "العلماء" ، وهل يكون كافرا بالله جاهلا بصفاته عالما؟؟!!
سبحان الله .