أنا لم أقل بأن الأزهر قزم يا محمد؛ ولست وهابيا، إنما أنصح من كل قلبي، وأرجو للأزهر الخير الكبير، ولا أحب أن يصبح وهابيا في يوم من الأيام...ولو بقي على حالته هذه فسيصبح وهابيا حتما، أو على الأقل هلاميا لا لون له ولا طعم، يطبل بتطبيل كل حاكم ينصب شيخه، ويتحكم في ميزانيته ومناهجه...
إن المنهج غير السوي الذي يسير به بعض شيوخ الأزهر منذ عقود طويلة، من تبرير للمحرمات؛ كتحليل شلتوت للربا، ومسايرة للحكام ضد القوى الحية، وسكوت عن المنكرات العامة في المجتمع كحصار غزة مثلا، وتبرير للقمع الممارس ضد الناس، بدعوى طاعة الحاكم وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، وهذا حق أريد به باطل، والطعن في حركات الإصلاح والتحرر كما هو الحال في ثورة 25يناير الحالية، هو الذي يفقده مصداقيته، ويجعل علماءه وشيوخه محلا للسخرية والتهكم من العامة والخاصة، ويفتح الباب واسعا للوهابية وأمثالهم، حتى من العلمانيين، من أجل اختراقه، بل وقلب مناهجه واحتلاله.
إن أي إصلاح لجامعة الأزهر يجب أن يبنى أولا على استقلالية الأزهر، نظاما، ومالية، ومناهج، وكذا مواقف سياسية واجتماعية، وفتاوى مبنية على قواعد شرعية، لا على الهوى كمثل فتوى سيد طنطاوي في مسألة موقف فرنسا من الحجاب، كما يجب أن يتشيخ على الأزهر علماء مكونون مقعَّدون على المذاهب الأربعة، وهو أمر لا نجده منذ مدة، لا نكاد نجد إلا من يفتي ارتجالا وفلسفة من دون تأصيل ولا تقعيد، علاوة على حتمية التزامهم بظواهر السنة في هيئاتهم وأفعالهم وسلوكهم، وتدينهم الشخصي، وورعهم وتقواهم، وخوفهم من الله تعالى في السر والعلن. كما يجب أن تؤسس فيه مناهج دراسية قوية ومتينة، تجمع بين الماضي والحاضر، بعيدة عن المحسوبية وبيع الشهادات العلمية لذوي الأموال من دول الجوار...إلخ...أما لقب "الإمام الأكبر" ففيه ما فيه؛ لأن الإمام الأكبر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظنه لقب حادث، فكان الأولى أن يدعى شيخ الإسلام، أو ما شابه هذا اللفظ من مسميات الأمة من قديم.
هكذا يمكن بناء الأزهر الشريف كما كان أيام أئمته الكبار المصلحين، أما تقنين القوانين من أجل إقصاء أرباب الفكر المخالف وإن كانوا مبتدعة؛ فليس مجديا، لأن تيارهم جارف، وأموالهم كثيرة، ومصداقيتهم عند الناس أقوى، وتشبثهم بظواهر الدين أمتن، وسيغيرون القانون في يوم من الأيام، وتصبح النتيجة صفرا، بل قد يكون القانون المقترح أكبر سبب لثورة المخالفين وركوبهم متن الأزهر الشريف، وإقصاء أهل السنة والجماعة من ماتريدية وأشاعرة وصوفية عنه..
أقول هذا، وكلي حرقة ومحبة للأزهر الشريف والأزاهرة، وأنا ملدوغ مما هم ملدوغون منه، إذ أنا قروي خريج جامعة القرويين العظمى بفاس، وأرى كيف تراجع دور جامعتنا تراجعا لم يشهده التاريخ من قبل، وقد كانت في يوم من الأيام رائدة الدين في أوروبا وشمال إفريقيا ووسطها، بل والأمريكتين يوم كان الوجود الإسلامي بهما قبل كريستوفر كولومبوس ...



رد مع اقتباس