الجوهرة السادسة عشر
مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
قال السمين الحلبى فى الدر المصون:
قوله: مَآ أَغْنَى: يجوز أَنْ تكونَ " ما " استفهاميةً في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدَّماً، و " ما كانوا " هو الفاعلُ، و " ما " مصدريةٌ بمعنى: أيُّ شيءٍ أغنىظ° عنهم كونَهم متمتِّعين. وأَنْ تكونَ نافيةً والمفعولُ محذوفٌ أي: لم يُغْنِ عنهم تمتُّعُهم شيئاً. ..
الجوهرة السابعة عشر
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ
قال السمين الحلبى فى الدر المصون:
قوله: بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ يجوزُ في " ما " وجهان:
أحدُهما: أَنْ تكونَ بمعنى الذي. ثم في المراد بهذا الموصولِ وجهان،
أحدُهما: أنه الأصنامُ، تقديرُه: بالصنمِ الذي أطعتموني كما أَطَعْتُمُوه، كذا قال أبو البقاء، والعائدُ محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حُذِفَ، يعني بعد حذف الجارِّ ووصولِ/ الفعلِ إليه، ولا حاجةَ إلى تقديرِه مجروراً بالباء؛ لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ لواحدٍ نحو: شَرَكْتُ زيداً، فلمَّا دَخَلَتْ همزةُ النقل أَكْسَبته ثانياً هو العائد، تقول: أَشْرَكْتُ زيداً عمراً، جعلتُه شريكاً له.
الثاني: أنه الباري تعالى، أي: بما أشركتموني، أي: بالله تعالى، والكلامُ في العائدِ كما تقدَّم، إلا أنَّ فيه إيقاعَ " ما " على مَنْ يَعْلَمُ، والمشهورُ فيها أنها لغير العاقل.
قال الزمخشريُّ: " ونحو: " ما " هذه " ما " في قولهم " سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ " ، ومعنى إشراكهم الشيطانَ بالله تعالى طاعتُهم له فيما كان يُزَيِّنُه لهم مِنْ عبادةِ الأوثانِ ". قال الشيخ: " ومن مَنَع ذلك جَعَل " سبحان " عَلَماً للتسبيح كما جعل " بَرَّة " عَلَماً للمَبَرَّة، و " ما " مصدرية ظرفية " ، أي: فيكون على حذفِ مضافٍ، أي: سبحانَ صاحبِ تسخيرِكنَّ؛ لأنَّ التسبيحَ لا يليقُ إلاَّ بالله.
الثاني من الوجهين الأولين: أنها مصدريةٌ، أي: بإشراككم إياي.
وقال الرازى فى تفسيره:
المسألة الأولى: «ما» في قوله: إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ فيه قولان:
الأول: إنها مصدرية والمعنى: كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة، والمعنى: أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكاً لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالإشراك.
والثاني: وهو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، والمعنى: أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله: (ما) في هذا الموضع «من» والقول هو الأول، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول، ويمكن أن يقال أيضاً الكلام منتظم على التفسير الثاني، والتقدير كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام.
وقال الالوسي فى تفسيره:
و { مَا } مصدرية و { مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت بإشراككم إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله تعالى أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى:{ وَيَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } [فاطر: 14] ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقاً علي فإني تبرأت من ذلك ولم أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر فيكون الكلام محمولاً على إنشاء التبري منهم يوم القيامة. وجوز النسفي أن يكون إخباراً عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون { مِن قَبْلُ } متعلقاً ـ بكفرت ـ أو متنازعاً فيه.
وجوز غير واحد أن تكون { مَا } موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم: سبحانه ما سخركن لنا، والعائد محذوف و { مِن قَبْلُ } متعلق ـ بكفرت ـ أي إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتمونيه أي جعلتموني شريكاً له بالطاعة وهو الله عز وجل، فأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم إصراخه إياهم. وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها الخاطر. ومنهم من جعله تعليلاً لعدم إصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى التعليل، وقيل: لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته.
واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وتعقب في «البحر» القول بالموصولية بأن فيه إطلاق { مَا } على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم، و { مَا } في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخيركن لنا.
وقال الطيبـي: إن { مَا } لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخركن للرجال مع مكركن وكيدكن، وكون { مَا } موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت بالصنم الذي إشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.
الجوهرة الثامنة عشر
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىوَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً
قال الالوسي فى تفسيره:
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ قال ابن عطية وغيره: المراد بهم كفار قريش الذين حكيت أباطيلهم، و(ما) نافية. وزعم بعضهم وهو من الغرابة بمكان أنها استفهامية أي أي شيء منعهم


رد مع اقتباس