بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله ومن والاه
كنت قد أجملت الرد للأخ في مشاركتي السابقة ، وهو على إجماله واختصاره كان كافيه إن هو تأمل فيه ، وسأعاود هنا بسط الأمر ببعض التوسع وتصحيح الفهم بإذن الله .
وأرجو من الأخ السائل أن يقرأ كلامي بعينيّ من يبتغي وجه الله والحق لا بعينيّ من يريد جدلاً ومراءً .
- أولاً - الأشاعرة قائلون بأن اليدين صفة أو صفتان :
تهكم الأخ السائل على إيرادنا أن من الأشاعرة من قال بأن اليدين صفة واحدة و وَهَّنَ هذا القول ، وتهكمه يدل على عدم تمكنه من هذا الفن .
والعجيب أنّه نقل كلام الباقلاني من التمهيد والذي ينص فيه الباقلاني وهو من هو في مدرسة الأشاعرة على أن اليدين صفة واحدة ، يقول الباقلاني فيما نقله عنه المعترض نفسه في التمهيد :
[ قوله ( بيدي ) يقتضي إثبات يدين هما صفة له ]
وهو واضح ، وننزه الأخ أن يكون ممن ينقل ما لا يفهم .
وفهم الأمر يكمن في التخلص من شوائب التشبيه والتجسيم ومن قياس الربِّ على مخلوقاته وقياس الغائب على الشاهد . فليس لمجرد أن سمّى الله صفته ( يدين ) يستلزم ذلك تثنيتهما في القيام بذاته سبحانه وتعالى ، كيف والقائلون به أخرجوا ( اليدين ) من طور الحقيقة اللغوية ابتداء بنصهم تصريحاً لا تلويحاً على أنها صفة لا جارحة ولا يعرف في اللغة صفة تسمّى ( اليد )، فالكلام كله إذا منذ البداية في مجالٍ - ولنقلْ في فضاءات أخرى بعيدة عن قيود اللغة ولوازمها ، واليد المقصودة هنا لا مرادف لها في اللغة فلا تخضع لقيود اللغة بل التعامل معها كلفظة محرر من أية قيود.
وينقل لنا هذا الإختلاف - الذي تهكّم عليه المعترض- في اعتبار اليدين صفة واحدة أو صفتين اثنتين بوضوحٍ الإمام البغداديُّ في كتابه ( أصول الدين ) إذ يقول :
[ باب في تأويل اليد المضافة إلى الله تعالى :
اختلفوا في ذلك ............
....... وزعم بعض أصحابنا أن اليدين صفتان لله سبحانه وتعالى . وقال القلانسي : هما صفة واحدة . وتأوّلهما بعض أصحابنا على معنى القدرة ] صـ 183 طـ دار صادر .
ومن القائلين بأنهما صفتين الإمام البيهقي إذ يصرح بالتثنية في كتابه الإعتقاد فيقول :
[ وقال الله عز وجل : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ} بتشديد الياء من الإضافة وذلك تحقيق للتثنية ] صـ 153 طـ اليمامة دمشق .
وقال في الأسماء والصفات :
[ باب ما جاء في اثبات اليدين :
صفتين لا من حيث الجارحة لورود الخبر الصادق به ] صـ 298 طـ المكتبة الأزهرية .
فالحاصل أن ثمة أئمة كبار قالوا: هي صفة واحدة. ويقابلهم أيضا أئمة كبار قالوا: بل هما صفتان اثنتان ، فلا مكان للتوهين أو التهكم اللذان يدلان على الجهل فقط .
- ثانياً - مراد من أثبت اليدين صفتين :
غاية مراده هو القول بما ورد به السمع والتوقف عنده بلا زيادة ، فالقائلون بهذا لم يبحثوا أو يخوضوا في هاتين الصفتين هل هما متماثلتان أو متغايرتان فلا يصح إلزام من يريد أن يلزمهم بالقول بالتركيب في ذات الله بناء على اعتبار تماثلهما واحتياج المثلين محلين اثنين لاستحالة قيامهما بمحل واحد كما يريد المعترض ، لما أنهم لم يقولوا به أصلا ولا يصح إلزامهم بلازمِ لازمِ ما لم يلتزموه أصلاً !!
فإذا كان الحال هو هذا فما بالك إن علمت : (1) أنّ مذهب الأشاعرة وهذا ما يجهله المعترض يمنع الخوض في حقائق الصفات ويفوّضها إلى الله سبحانه وتعالى بل هو (2) ينفي المماثلة والتغاير بين الصفات ابتداءً كما سنبين لاحقا فلا يعود لاعتراض المعترض أدنى وجاهة والقائلون بأن اليدين صفتين اثنتين يمنعون التماثل بين الصفات أصلا وابتداء ..
لا يقال أن مجرد تسمية كلا منهما ( يداً ) تكفي في اعتبار التماثل إذ أن هذا القول يدل على جهل صاحبه بمعنى التماثل الذي يتكلم عنه المناطقة والمتكلمون والذي حكموا بناءً عليه أنه يستحيل اجتماع المثلين ، وسنبينه إن شاء الله ويكفي أن يعلم صاحب هذا الإعتراض أن المماثلة عندهم ليست كما توّهمَ هوَ باللفظ فقط بل هي اصطلاح له حده وتعريفه وصفات الله عندهم لا توصف لا بتماثل ولا تغاير أصلا .
ولندع البيهقي يبين لنا مراده من اثبات اليدين صفتين لله سبحانه وتعالى :
يقول البيهقيّ :
[ قلت : أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيتين والأخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله تبارك وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ...........
...... قال أفلحُ بن محمدٍ : قلت لعبدالله بن المبارك : يا أباعبدالرحمن إني أكره الصفة عنى صفة الرب تبارك وتعالى فقال له عبدالله : أنا أشد الناس كراهية لذلك ، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء جسرنا عليه ، وإذا جاءت الأحاديث المستفيضة الظاهرة تكلمنا به.
قلت : وإنما أراد - والله أعلم الأوصافَ الخبريةَ ، ثمّ تكلمهم بها على نحو ما ورد الخبر لا يجاوزونه.
وذهب بعض أهل النظر منهم إلى أن اليمين يراد به اليد والكف عبارة عن اليد ، واليد لله تعالى صفة بلا جارحة ، فكل موضع ذكرت من كتاب وسنة صحيحة فالمراد بذكرها تعلّقها بالكائن المذكور معها من الطي والأخذ والقبض والبسط والمسح والقبول والإنفاق وغير ذلك تعلقَ الصفة الذاتية بمقتضاها من غير مباشرة ولا مماسة وليس في ذلك تشبيه بحال ] الأسماء والصفات صـ 312 طـ المكتبة الأزهرية .
وكلامه جدُّ نفيسٍ ، وتأمل قوله [ تكلمهم بها على نحو ما ورد الخبر لا يجاوزونه ] ينكشفُ لك لبّ الموضوع وأساسه وحقيقته ، فغاية ما هنالك النطق بما نطق به النص القطعي دون بحث في حقيقته وذاتياته وتماثله وتغايره إلخ ..
ومن ههنا نعلم أنه لا يتوجه عليهم الاعتراض المطروح هنا أصلاً لما أنهم لم يلتزموه ولا هم صرحوا به .
ثم يزيد البيهقي هذا المعنى تأكيدا ووضوحا فيقول نقلاً عن الخطابي :
[ وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله .........
...... وليس معنى اليد عندنا الجارحة ، إنما هو صفة جاء بها التوقيف ، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيّفها ، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة ] الأسماء والصفات صـ 314 .
وتأمل قوله [ ولا نكيّفها ] يظهر لك أنهم لا يقولون بتماثلها ولا تغايرها ولا يخوضون فيه بتاتا .
ويقول في موضع آخر :
[ فأمّا قوله عز وجل : { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ } فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جلََّ جلاله واحد لا يجوز عليه التبعيض ، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة لأن الإشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ، فيبطل ما ذكر من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبقَ إلاّ أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفاً له دون خلق إبليس تعلّقَ القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ، وكلك تعلقت بما روينا في الأخبار من خط التوراة وغرس الكرامة لاهل الجنة وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها .
وقد روينا ذكر اليد في أخبار أخر إلا أن سياقها يدل على أن المراد بها الملك والقدرة والرحمة والنعمة ، أو جرى ذكرها صلة في الكلام ، فأما فيما قدمنا ذكره فإنه يوجب التفضيل ، والتفضيل إنما يحصل بالتخصيص ، فلم يجزْ حملها فيه على غير الصفة ، وكذلك في كل موضع جرى ذكرها على طريق التخصيص فإنه يقتضي تعلّق الصفة التي تسمى بالسمع يداً بالكائن فيما خصّ بذكر ما فيه تعلق الصفة بمقتضاها . ] الأسماء والصفات ً صـ 302.
وقد أوفينا هذا الموقف حقه ، فآن أن ننتقل إلى ما بعده .
- ثالثاً بيان معنى المثلين والغيرين وبيان أن صفات الله لا توصف بتماثل ولا تغاير :
الذي يظهر من كلام صاحبنا المعترض أنّه لا يفهم معاني هذه المصطلحات الكلامية التي يتشبث بها ويحاول أن ينقض بها على أهلها الأشاعرة ، ويظهر أنه يعتقد أن المثلين - اللذان تكلم عنهما المتكلمون والمناطقة ومنعوا اجتماعهما على محل واحد المقصودين في كلام المتكلمين هما ما يفهم من كلمة ( مثلين ) في اللغة فقط ، وليس الأمر بذاك .
المثلان عند السادة الأشاعرة هما :
[ الموجودان المشتركان في جميع الصفات النفسية ]
راجع : الشامل في أصول الدين للجويني صـ 292 ، وأبكار الأفكار للآمدي 2/468 ، وشرح المواقف للشريف الجرجاني 4/65 جميعها بطبعة دار الكتب العلمية .
وبناءً عليه عند من يفهم يمتنع القول بأن صفات الله متماثلة أو الحكم به لما أن الحكم بالتماثل يقتضي العلمَ أولاً باشتراك الصفتين في جميع ذاتياتهما ، أي يتطلب العلم بذاتيات الصفتين محل الكلام ، والعلم بذاتيات الشيء يعني العلم بحقيقته ، وقد اتفق السادة الأشاعرة على أن العلم بحقيقة ذات الله وحقائق صفات الله مستحيل متعذر غير ممكن لنا ( ولا يعلم كنه صفته الواصفون كما يعبر ابن أبي زيد القيرواني ) ، وهو مطّرد في كتبهم مبثوث معروف عنهم ، لذا فإنهم لا يخوضون في حقيقة الذات أو الصفات وإنما غاية ما يفعلون هو دراسة ما يظهر لنا من لوزامٍ وفعائلٍ وشرائطٍ دون خوض في الحقائق والذاتيات وكل تعريفاتهم للصفات عند تتبعها رسومٌ لا حدود لما أن الحد يتطلب تعريف الشيء بذاتياته وهو متعذرٌ .
لهذا منعوا أن يقال عن صفتين من صفات الله أنهما متماثلتان لما أنه قول على الله بلا علم ، وقد نقل ذلك الإمام الآمدي في أبكار الأفكار 2/450.
فإن قال قائل كما المعترض هنا أن مجرد تسمية كل صفة ( يداً ) تكفي في إثبات التماثل بينهما استناداً إلى أنه تعدد نوعٍ !!
قلنا : فيلزم إن أن يكون الأصفر مماثلا للأحمر إذ كلٌ منهما ( لون ) ، وأنت تشير إليه فتقول هذا لون وهذا لونٌ ، ولكن عدم تماثلهما بدهي وذلك لعدم اشتراكهما في جميع الذاتيات ( ذاتية الصفرة والحمرة ) وإن اشتركا في بعضها (ذاتية اللون ) ، فكما أن ( اللونين ) لا يلزم تماثلهما لمجرد كونهما لونين ، فكذلك ( اليدان ) لا يلزم تماثلهما لمجرد وصفهما بـ ( اليدين ) لاحتمال وجود إضافة لا نعلمها ولم يفصح عنها النص ، والبحث فيما وراء ذلك رجم بالغيب وهو فوق التصور ، ونَفيُهُ أيضا رجم بالغيب وظنٌ لا يملك صاحبه الجزم به ، فالاحتمالات قائمة ومتى طرق الكلام احتمالٌ سقط الإحتجاج به .
هذا من جهة ، ثم من جهة ثانية نرد عليه بما قاله الإمام الجويني إذ قال :
[ لو وجب من الإشتراك في لفظة في الإثباتِ تماثلٌ من غير رجوعٍ إلى معنى ومحصول لزمَ من الإشتراك في صفة النفس تماثل حتى يكون القديم مِثلاً للجماد من حيثُ قيلَ إنه ( غير جاهل ) ، وإذا لم يلزم هذا في النفي لم يلزم في الإثبات ] الشامل صـ 153.
فسقطت شبهة المدعي ولم تقم لها قائمة ولله الحمد .
فإن تقرر لدينا أن الصفات عند الأشاعرة لا توصف بالتماثل علمنا أن سؤال المعترض خاطئ من أوله وغير متوجه على الأشاعرة ، فإن القائلين بأن اليدين صفتان اثنتان من الأشاعرة كالأشعري والبيهقي قائلون أيضا بأن صفات الله لا تتماثل ولا تتغاير ، فيكونون قد أثبتوا صفتين كلا منهما اسمه اليد وهم يعلمون ابتداء أن أيا منهما لا يماثل الآخر ولا يغايره ، فلا يقال لهم قد أثبتم مثلين يقومان بنفس المحل وهو محال لنفيهم التماثل ابتداءً .
ثم نأتي لمعنى الغيرين فنقول :
[ الغيران هما كل موجودين تصح مفارقة أحدهما للآخر بالعدم أو الحيز ]
راجع : أبكار الأفكار 2/492 وشرح المواقف .
وهذا هو تعريف الإمام الأشعري نفسه للغيرين كما نقل ذلك عنه الآمدي في ( أبكار الأفكار ) والجويني في (الشامل ).
وبناء على هذا الفهم للغيرين والغيرية قال الأشاعرة بأن صفات الله لا يقال عنها أنها متغايرة ، ويشرح لنا الآمدي ذلك فيقول :
[ وعلى هذا بنى الأصحاب امتناع التغاير بين ذات القديم وصفاته ، والصفات القديمة بعضها بالنسبة إلى بعض لكونهما - أي الصفتان محل البحث - وجوديان يمتنع مفارقة البعض منها للبعض لا بالعدم ضرورة قدمها واستحالة عدمِ القديم ، ولا بالتحيّز إذ هي غير متحيزة ] أبكار الأفكار 2/492.
فصفات الله لا تقبل العدم ولا التحيز وبالتالي فهي لا تدخل أصلا في تعريف الغيرين فلا يقال هي متغايرة ، وإن لم تكن متغايرة لم يصح أن تكون متماثلة لأن التماثل لا يكون إلا بين المتغايرات التي يصح أن تفارق بعضها البعض بالعدم أو التحيز لاقتضائه التمايز بين المثلين .
يتبع
التعديل الأخير تم بواسطة هاني علي الرضا ; 04-09-2006 الساعة 10:23
صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث