وفق الله تعالى لختم قراءة:
رسالة التمليك أو: إرشاد الراغب في العلم بالتحقيق، في مساواة الشرط بالطوع في التمليك بالتعليق
001.jpg
كتبها الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد المرادي القيرواني، المعروف بابن عظوم.
طبعت بتحقيق محمد الطاهر الرزقي، عن دار الرشد/ السعودية. سنة 1998م.
قال المحقق في تعريفه بالكتاب: هذه الرسالة كتبها الشيخ محمد عظوم متحدثاً فيها عن قضية تتعلق بعادة أهل القيروان، في جعل عصمة الزوجة الثانية بيد الزوجة الأولى، إن شاءت أبقتها، وإن شاءت طلقتها على زوجها طلقة واحدة، أو اثنتين أو ثلاثاً، أو أعتقتها إن كانت مملوكة.
وهذا التزام من الزوج يسجل في آخر عقد الصداق القيرواني، وبمحضر شهوده.
وسبب تأليفها هو إرادة الشيخ محمد عظوم الرد على حاكم شرعي أصدر حكماً في إبطال العمل بهذا الصداق.
وقد قرأت الرسالة فوجدتها مفيدة في بابها، وذكر فيها وجوه خطأ من جعل التمليك وكالة يمكن للزوج الرجوع عنها.
وفي أثناء رده ذكر مجموعة من القواعد و المسائل التي تتعلق بهذه القضية.
تقع الرسالة في 116 صفحة، غير المقدمة، التي جعلها المحقق تعريفاً بالمؤلف.
وإخراج هذا الكتاب حسنة من حسنات المحقق جزاه الله خيراً. وإن كانت تحتاج إلى عناية أكثر، ووقعت فيها تصحيفات يسيرة يدرك أكثرها القارئ المهتم بهذا الباب.
من الفوائد التي ذكرها المؤلف:
41: شرح مسألة: وجوب نفع المسلم، وبين أن الأمر ليس على إطلاقه، فقال: والأصل في أحكام الأبدان ألا يجب على أحدٍ حفظُ بدن غيره إذا كان قادراً على حفظ بدنه. بخلاف الأول فمختلف فيه: هل يجب على أحد حفظ مال غيره. وذلك من فعل السبب المنجي ودفع السبب المهلك.
واختُلِف في من دلَّ لصًّا أو ظالما على مال غيره، هل يضمنه الدال أم لا؟
واختلف في الغير وماله، هل يجب حفظه أو عدم إذايته؟
قال القاضي ابن العربي: كل من لزم حفظ شيء فدل عليه آخذه أو متلِفه فلزمه ضمانه، كالمودع.
فدلَّ النص على الوديعة؛ لأنه مكلف بالحفظ، وكل من لم يلزمه حفظ شيء فدل عليه من أخذه أو أتلفه لم يلزمه ضمانه، كمن دلَّ على آدمي من يريد قتله.
واختلف في المحرم هل هو مكلف بحفظ الصيد فيضمن بالدلال عليه أو هو مكلَّفٌ بالكف عن إذايته فلا يضمن بالدلال عليه؟
وهذا يدل على أن الإنسان غير مكلف بحفظ نفس غيره، بخلاف مال غيره.
وقد اختلف في ترك فعل ما يفعله المالك في حفظ ماله، كترك المارِّ ذكاة ما مرَّ عليه لغيره وقد أدرك ذكاته ولم يذكه، هل يضمنه أم لا؟
قال ابن محرز: لا يضمن، ومقتضى قول التونسي ضمانه. وقال القرافي: تضمينه عند مالك لأن صون مال المسلم واجبٌ، ومن ترك واجباً في الصون ضمن. وقال ابن فرحون: في ضمانه قولان. وقال اللخمي: وقع في تضمنيه تنازع، وعدمه أحسن، ولو كانت شاة ضمنها خوف تكذيبه في الخوف عليها.
وقال ابن بشير: المنصوص ضمانه، قاله محمد.
وجرى في المذاكرات فيه قولان، بناءا على أن الترك فعل أم لا؟ ورده الإمام ابن عرفة بقوله: ولا أعلم أن الترك فعل أم لا؟ وقال المازري: احتج بعضهم بتضمينه بأنه مال مسلم قدر على صونه عن التلف فتركه حتى هلك.
قلتُ أي ابن عظوم-: إن كان الضمان لغيبة ربه عنه يلزم عدم وجوب حفظ بدن آدمي غيرَه قادراً على حفظ بدن نفسه مع قدرته على ذلك. وحقوق الأبدان كذلك.
58: مذهب ابن القاسم تقديم الغالب على الأصل؛ لقوة الظن المترتب عليه، وراجحيته على الظن المترتب على الأصل ما لم يضعف الغالب.
وقد اختلف الشيوخ: الإمام أبو عبد الله محمد بن عرفة والشيخ أبو القاسم الغبريني في الإبراء: هل هو نقل أو إسقاط؟ فقال الإمام ابن عرفة: إن دلَّ العرف أن الإبراء إنما يكون قبل رفع المبرأ منه، فلا بد فيه من القبول؛ لأنه حينئذ يكون هبة، ولا بد فيها من القبول. وإن كان بعد الرفع فلا يفتقر إلى القبول؛ لأنه يكون حينئذ إسقاط للدعوى.
وقال الشيخ أبو القاسم الغبريني: لا بد من القبول.
وفي المدونة ما يدل على أنه نَقلٌ. قال فيها: وإن قال المبرئ: قبلتُ، سقط الدين، وإلا بقي ديناً بحاله.
قلتُ جلال-: معنى الرفع هنا أي رفع الدعوى إلى القاضي.
59: واعتبار المجاز في النصوص ممنوع؛ إذ المجاز لا يدخل النصوص. والمشهور تقديم البساط على اللفظ في الأيمان ولانذور وغيرهما؛ لأن المقاصد مقدمة على الألفاظ، إذ المقاصد محكمة في الألفاظ في الإلغاء والاعتبار والتخصيص والتعميم والتقييد والإطلاق.
وقد اختلف في المشهور ما هو في تقديم السبب على العام؟ هل يخصصه السبب أم لا؟ وهل تقدم السبب قرينة دالة على إرادة التخصيص أم لا؟
قلت جلال-: النصوص هنا الألفاظ المحكمة التي لا تحتمل معاني أخرى.
62: والشرط الواقع قبل النكاح إن استديم ذكره إلى عقدة النكاح فلا شك في اعتباره. وإن لم يتعرض له في عقدة النكاح وإنما ذكر قبل ذلك، وسكتوا عنه في العقد لم يعتبر ألبتة، فدار الأمر في اعتباره مع ذكره في عقدة النكاح وجوداً وعدماً.
63: نقل عن بعض الأئمة: من كذبه العُرف لا يصدق؛ لأن القاعدة أن كل من يصدق شرعاً فإنما يصدق ما لم يكذبه العرف، فإذا كذبه لم يصدق ولم يقبل قوله. وأصل ذلك الوديعة يدعي المودِع ضياعها يصدق ما لم يكذبه العرف.
وقال ابن عبد السلام: إذا قالت المعتدة: قد انقضت عدتي، قبل ثلاثة أشهر، لم يقبل قولها. قال بعض المتأخرين: لما كثر كذبها سقطت أمانتها، لسقوط خبر المؤتمن إذا ظهر كذبه وقويت تهمته.
قلتُ أي ابن عظوم-: كحال حاكم النازلة، فإنه لم يكن من أهل التحصيل، ولا من أهل العدل لظهور خروجه عن المشروعية في كثير من تصرفاته، كالنازلة، فسقوط أمنه ولغو ائتمانه أمرٌ لا يخفى على من له تبصر بالعلم.
69: وكذلك عقود سائر التبرعات: ابتداءُ فعلها حكمه خلاف حكمه بعد ابتدائها والشروع فيها. وكذا سائر عقود المعاوضات ابتداؤها على الإباحة المطلقة، وحصولها على اللزوم والالتزام بالإيجاب والقبول. وهذا حكم العقود كلها لا ما تعدد عاقده ولا ما اتحد عاقده، ابتداؤها على الإباحة وبعده على اللزوم بالإلزام والالتزام، إلا في خمسة عقود: وهي: المغارسة، والقِراض، والجعالة، وتحكم الحاكم قبل الشروع في الحكم، والوكالة. زاد ابن العربي: وشركة جميع الأزواد في السفر.
71: تنبيه وإعلام: اعلم أنه قد عظم الجهل وعم عدم الإدراك في هذا الزمان من قضاة البلاد، وعسر فهمهم وعمهم الحكم الحزر والتعسف بارتكاب العناد بالمخالفة لوضح الحق وجلي الصواب، والتعصب لفساد مرتكبهم من الباطل، واتباع ظنونهم الباطلة وآرائهم الفاسدة في مدارك العلم. ...
ولما تعذر العلم أو تعسر في بعض المسائل أنزل الشرع غالب الظن منزلة العلم في العمل به، ولكن ذلك في مواطن غلب فيها صدق الظن الحاصل فيها بأسباب عادية تجري مجرى المطرد في صدق دلالتها، وهي أمور حسية مطردة الارتباط في لزوم الصدق بالمطابقة في غالب الأمر، كالضرر بين الزوجين، واليسار والإعسار، وحصر الورثة، ووجود العيب وعدمه، وحدوثه وقدمه، والتعديل وشهادة الأطباء وأرباب البصر على المختار، والشهادة على الخط على المختار من القولين. ..
72: وقد صار في هذا العصر العالم غير متبع، والجاهل هو الذي يقدّم فيسمع. قال القاضي ابن العربي في وجه مقيد عندي في تفسير قوله تعالى: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أنه إفتاء العالم بين قوم جهال. وقال الأستاذ الطرطوشي: أحق الناس بالرحمة عالم تحت أحكام جاهل. وقال الشيخ أبو سعيد ابن الحداد: تقديم من أخر الله وتأخير من قدم الله إن هي إلا فتنة في الأرض وفساد كبير.
وذكر الشيخ في كتابه في أكثر من موضع شكواه من انتشار الجهل بين المنتسبين إلى العلم في زمانه، فما حاله لو أدرك زماننا؟!



رد مع اقتباس


،