المسألة الخامسة: قال نذير: [فرع: في إطلاق لفظ الكليّ على الإله
من جملة الأوهام المنطقيّة التي درج عليها صاحبنا سعيد وتابع فيها سابقيه تقدليداً دون تمحيص مع أنّه الداعية إلى إعادة النّظر في كتب المنطق، هو قوله ص137 في تهذيب السنوسيّة: (ومعنى الإله كلّيّ انحصر بالأدلّة النقليّة والعقليّة في فرد واحد) اهـ كلام سعيد. وقد فسّر المناطقة الكلّيّ بالذي يفهم الشركة في معناه، وفيه قال صاحب السلّم:
فمفهم اشتراك الكليّ كأسد وعكسه الجزئيّ
ثمّ جعلوا الكليّ أقساماً أحدها ما وجد منه فرد واحد ومثّلوا لذلك بالإله. وهذا كلام لا يجوز شرعاً في حقّ المولى سبحانه لأنّه يوهم التعدّد والتركيب. قال القرافيّ في شرح التنقيح: (إطلاق لفظ الكليّ على واجب الوجود سبحانه فيه إيهام تمنع من إطلاقه الشّريعة، فلذلك تركته أدباً) اهـ القرافي.
ثمّ إنّ الإله خاصّ بالله تعالى مثل الرّحمن وإطلاقه على معبودات المشركين من باب الاستعارة... وما ذكرناه في هذا الباب قد استفدناه من رسالة شيخنا السّيد الإمام عبد الله بن الصّديق الغمار في رسالته القيّمة (التوقّي والاستنزاه عن خطأ البنّاني في معنى الإله)] اهـ كلام نذير
والجواب عن ذلك: أنّ معنى الإله عند عرضه على العقل لا يكون كونه واحداً جزءاً من هذا المعنى ولا كلّ هذا المعنى. بل كون الإله سبحانه واحداً هو من لوازم معنى الألوهيّة مما يحتاج فيه إلى دليل لتذعن النفس له. فكونه تعالى واحداً لا يستفاد من تصوّر معنى لفظ الإله، بل هو علم تصديقيّ يتحصّل عليه بإذعان النسبة في قولنا الإله واحد. وهذا الإذعان يحتاج فيه إلى حجّة.
والكلّيّ والجزئيّ عند من يفقه المنطق يا نذير ويا حسن اللذان هما مدار البحث في المسائل المنطقيّة هما: ما كان كليّاً أو جزئيّاً بحسب ما يستفاد ويفهم من اللفظ لا بحسب الوجود الخارجيّ. فإذا أطلق لفظ ولم يجوّز العقل بحسب المفهوم من اللفظ صدقه على كثيرين كان جزئياً كزيد لكونه علماً، حتّى وإن لم يكن له وجود خارجيّ. لأنّ وجود المصداق وعدم وجوده ليس مبحوثاً عنه في المنطق، ولا يتوقّف إدراك كون المعنى جزئياً أو كليّاً على ملاحظة وجوده أو عدمه.
وكذلك الكلام في الكليّ، فالعنقاء مفهوم كليّ لكونه نوعاً من الطّير بحسب الفهم من اللفظ، ولا يلاحظ في الحكم على معناه بالكليّة أنه لا يوجد من أفراده فرد واحد البتّة، وكذلك لو انعدم جميع أفراد الإنسان لا يتغيّر حكمنا على الإنسان بأنه كليّ، لأنّ اللفظ إذا ذكر للعقل فإنّ المفهوم من اللفظ صادق فيه على كثيرين. وحتّى لو كان وجود مصداق للمعنى محالاً يستحيل وجوده في الخارج كاجتماع الضدّين وشريك الباري جلّ وعزّ وتنـزّه عن الأمثال والأشباه والشركاء، فلا يمنع ذلك من كونه كليّاً، ولا يتوقّف الحكم عليه بكونه كليّاً أو جزئياً على الاطلاع على برهان إثبات وجوده وجوباً أو جوازاً أو عدمه استحالة أو جوازاً.
وما ذكره نذير عن القرافيّ لا ينفي كون الإله من مصاديق الكليّ، بل القرافيّ قد ذكر أنّ الباعث على ترك إطلاق هذا اللفظ على الإله هو الإيهام. فكأنه قال: لمّا كان المعنى الكليّ هو ما يصحّ في العقل أن يصدق على كثيرين، وكان الإله واحداً في نفس الأمر، أوهم إطلاق لفظ الكليّ عليه أنّه يقبل في الخارج التكثّر لما أنه يقبل في العقل تكثّره قبل الاطلاع على برهان استحالة ذلك، وهو معنى فاسد شرعاً أي تعدد الإله. فليمنع هذا الإطلاق أدباً مع الله تعالى وسداً لباب الوهم.
فداعي التّرك عنده هو الإيهام. مع أنّ المعنى المقصود صحيح. ونزيد بأنّ صحّة صدق معنى الإله على كثيرين في العقل لا تنافي كونه تعالى واحداً في نفس الأمر، كما لا تنافي مقتضى برهان التمانع، ولا الأدلّة النقليّة المذكورة في الكتاب والسنّة وحدانيته تعالى. بل الحكم للإله بالوحدانيّة في العقل فرع تصوّرها، وفرع تصوّر التعدد فيه من قبل. وإلا لو امتنع تكثّره عند العقل، أي لو منع نفس تصوّر الإله في العقل من تكثّره قبل الدّليل المقتضي للعلم بامتناع تكثّر الإله في الوجود لما احتيج إلى دليل لإثبات وحدانيّته. فافهم يا ضحل الفهم.
وبما أنّه قد ذكرت ههنا رسالة التوقّي والاستنـزاه للشيخ الغماريّ، فإني بدوري أحيل القارئ إلى ردّ الشيخ سعيد على رسالة الغماريّ هذه، فإنه تفنّن في بيان ما انطوت عليه من أغلاط، وهي رسالة ضعيفة جداً، إلا أنّ هذا النذير لجدبه وافتقاره الظاهر لآلات الفهم والتحقيق، وقلّة معرفته بمقالات أهل المنطق والكلام، غرّه كلام الشيخ الغماريّ البعيد عن التحقيق، بل غرّه كلام من لا تحقيق له البتّة إلا عرضاً أو أن يكون ناقلاً عن المشيخة كحسن السّقاف. فدونك يا نذير من بحره، انهل وارتو. ردّكما الله تعالى إلى دائرة الرّشد.